LOGINخرجت ملاك من الشركة وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة.كانت كلمات شاهين تتردد في رأسها.لقد عرف الحقيقة.عرف أنها ملاك.عرف أن الفتاة التي كان يبحث عنها طوال تلك السنوات كانت أمامه طوال الوقت.وقفت أمام الشركة، ثم أوقفت سيارة أجرة.صعدت إلى المقعد الخلفي وأعطت السائق عنوان المكان الذي أخبرها شاهين أن تذهب إليه.انطلقت السيارة.أما مريم...فبقيت أمام الشركة للحظات.كانت تراقب سيارة الأجرة وهي تبتعد، ثم نظرت إلى الجهة التي غادر منها شاهين.لم تكن تعرف لماذا شعرت بحاجة إلى اللحاق به.لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها.ركبت سيارتها وانطلقت خلفه.كانت تحافظ على مسافة بعيدة، حتى لا يلاحظها.لم تكن تريد أن تقترب.كانت تريد فقط أن تعرف ماذا سيحدث.وبعد دقائق...وصل شاهين إلى المكان الذي اتفق مع ملاك أن يلتقيا فيه.المكان نفسه الذي شهد أول لقاء بينهما في طفولتهما.النافورة.أوقف شاهين سيارته وترجل منها.وبعد دقائق قليلة، وصلت سيارة الأجرة.أوقفت مريم سيارتها بعيدًا.أطفأت المحرك، وبقيت جالسة في مكانها تراقب من خلف الزجاج.نزلت ملاك من سيارة الأجرة.رفعت رأسها، ثم وقعت عيناها على شاهين.توقفت للحظة.كان
بقي شاهين واقفًا في مكانه.لم يتحرك.لم يستطع حتى أن يرمش.كانت عيناه معلقتين ببطاقة التعريف المعلقة حول عنق مريم، وكأن الاسم المكتوب عليها يحتاج إلى وقت حتى يستوعبه عقله.مريم.كرر الاسم في داخله.مريم...إذن لم تكن ملاك.أو بالأحرى...ملاك لم تكن مريم.تراجع خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.شعر بشيء بارد يسري في جسده.قال بصوت خافت:ــ مريم...؟رفعت مريم عينيها إليه.كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.لكنها لم تتوقع أن تكون بهذه القسوة.ــ شاهين، دعني أشرح لك.نظر إليها طويلًا.ــ تشرحين لي ماذا؟اقتربت منه خطوة.ــ الأمر ليس كما يبدو.ابتسم شاهين بسخرية قصيرة.ــ حقًا؟ثم أشار إلى البطاقة.ــ إذن قولي لي... من أنتِ؟ترددت مريم.ــ أنا مريم.ــ أعرف أنك مريم.ارتفع صوته قليلًا.ــ لكن من هي ملاك؟لم تجبه.وكان صمتها كافيًا ليجعله يشعر بأن شيئًا في داخله ينهار.قالت بسرعة:ــ ملاك صديقتي.تجمدت ملامحه.ــ صديقتك؟ــ نعم.ــ والفتاة التي كنت أظنها ملاك؟خفضت مريم رأسها.ــ هي ملاك فعلًا.حدق فيها شاهين.ــ ماذا؟رفعت عينيها إليه وقالت:ــ الفتاة التي كنت تبحث عنها طوال هذه السنوات... هي
خرجت ملاك من المطعم وهي تحاول أن تبدو هادئة.لكنها في الداخل...لم تكن كذلك أبدًا.كانت صورة شاهين وهو يجلس أمام مريم لا تفارق مخيلتها.ركبت السيارة إلى جانب سعد، ثم أغلقت الباب بهدوء.انطلقت السيارة تشق شوارع المدينة.ساد الصمت بينهما لدقائق.كانت ملاك تنظر من نافذة السيارة بشرود، بينما كانت أفكارها تتزاحم داخل رأسها."لماذا لم تخبرني مريم؟""هل ما زالت تلتقي به منذ كل هذه المدة؟""ولماذا أخفت الأمر عني؟"تنهدت دون أن تشعر.التفت إليها سعد للحظة، ثم أعاد نظره إلى الطريق.لكنه لم يخف عليه تغير ملامحها.قال بهدوء:ــ هل أنتِ بخير؟انتبهت ملاك لصوته، ثم التفتت إليه سريعًا.ورسمت ابتسامة خفيفة لا تشبه ابتسامتها المعتادة.ــ نعم... شكرًا لك.لم يقتنع بإجابتها.لكنه لم يشأ أن يضغط عليها.فاكتفى بهزة رأس، وأكمل القيادة بصمت....بعد دقائق...توقفت السيارة أمام منزلها.قال سعد:ــ وصلنا.فتحت ملاك باب السيارة، ثم قالت باحترام:ــ شكرًا لك، سيدي.ابتسم ابتسامة هادئة.ــ لا داعي للشكر... ارتاحي جيدًا، يبدو أن الرحلة أتعبتك.أومأت برأسها.ــ تصبح على خير.ــ وأنتِ من أهله.ترجلت من السيارة، وبق
بقيت ملاك تحدق في شاشة هاتفها.كانت الرسالة أمامها...لكن عقلها عاد إلى سنوات مضت.تذكرت آخر رسالة وصلتها من ذلك الرقم قبل اختفائه.يومها كتب لها:"لا تتزوجي... ستندمين. أنا الشخص الوحيد الذي ستندمين لأنك لم تسمعي نصيحته."أغمضت عينيها لثوانٍ.ثم تنهدت بهدوء.لم تكن تعرف من يكون...ولا لماذا كان يرسل لها تلك الرسائل.لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه...أنها هذه المرة لن تترك الأمر يمر دون أن تعرف الحقيقة.فتحت المحادثة من جديد.وبعد لحظة تردد...كتبت:"وأنا اشتقت إلى نصائحك."ثم ضغطت على زر الإرسال.مرت ثوانٍ قليلة.وفجأة...ظهرت عبارة:"تمت القراءة."ابتسمت ملاك بخفة وهي تنتظر رده.مرت دقيقة...ثم دقيقتان...لكن لم تصل أي رسالة.اختفت حتى عبارة "يكتب...".تنهدت وهي تغلق الهاتف.ثم قالت في نفسها:ــ لا بأس...أنا متأكدة أن اليوم الذي سأعرف فيه من تكون سيأتي.وضعت هاتفها في جيبها.ثم عادت إلى المخيم، وكأن شيئًا لم يحدث.قبل أن تشرق الشمس تمامًا...بدأ الموظفون يستيقظون واحدًا تلو الآخر.كان آخر يوم في رحلة التخييم.وبعد تناول الإفطار، اجتمع الجميع أمام الحافلة استعدادًا للعودة.انشغل ب
بدأت المسابقة الأولى بعد دقائق.وقف المشرف في منتصف الساحة وقال بحماس:ــ ستكون أول لعبة هي البحث عن الأعلام.لقد أخفينا عددًا من الأعلام في أنحاء المخيم، والفريق الذي يعثر على أكبر عدد منها خلال الوقت المحدد سيكون الفائز.تعالت أصوات الحماس بين الموظفين.ثم انطلقت الفرق في كل الاتجاهات.كانت ملاك تسير بخطوات سريعة وهي تنظر بين الأشجار والصخور.وفجأة...لمحت طرف علم صغير خلف جذع شجرة.ابتسمت وقالت بحماس:ــ وجدته!أسرعت نحوه، لكن قدمها علقت بين جذور الشجرة.اختل توازنها.وكادت تسقط...لولا يد قوية أمسكت بذراعها في اللحظة الأخيرة.رفعت رأسها بسرعة...لتجد شاهين يقف أمامها.نظر إليها بهدوء وقال:ــ انتبهي...الطريق غير مستوٍ.تورد وجهها قليلًا.ثم ابتسمت بخجل وهي تعتدل في وقفتها.ــ شكرًا لك، سيدي... يبدو أن حماسي سبق انتباهي.ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ بداية الرحلة.ــ المهم أنكِ بخير.سحبت ذراعها برفق، ثم رفعت العلم عاليًا وهي تقول بانتصار:ــ لكنني وجدته أولًا!ضحك أحد الموظفين وقال:ــ يبدو أن فريقنا محظوظ بوجود الآنسة ملاك.ابتسم شاهين وهو ينظر إليها.وللمرة الأولى...لم ير ف
لم يكن صباح ذلك اليوم كغيره في الشركة.فمنذ اللحظات الأولى لوصول الموظفين، كانت الهمسات والابتسامات تملأ المكان، والجميع يتحدث عن الرحلة التي أعلنت عنها الإدارة قبل أيام.وقف مسؤول الموارد البشرية في منتصف قاعة التحرير، ثم قال بابتسامة:ــ صباح الخير جميعًا.كما تعلمون، قررت إدارة الشركة تنظيم رحلة تخييم لمدة يومين، بهدف كسر روتين العمل وتعزيز روح الفريق بين الموظفين.ساد المكان جو من الحماس، وتعالت أصوات الفرح.قال أحد الموظفين ضاحكًا:ــ أخيرًا سنهرب من الملفات والاجتماعات.وأضاف آخر:ــ والأهم... سنرى المديرين خارج مكاتبهم.ضحك الجميع.أما ملاك، فكانت تتابع المشهد بصمت، قبل أن تهمس لزميلتها:ــ لست متأكدة إن كنت أحب فكرة التخييم...ابتسمت زميلتها وقالت:ــ ستستمتعين، ثقي بي. يومان بعيدًا عن ضغط العمل لن يضراك.ترددت ملاك للحظات، ثم ابتسمت قائلة:ــ حسنًا... لنجرب إذًا....في صباح اليوم التالي...اصطف الموظفون أمام مقر الشركة.كانت الحافلة الكبيرة تنتظرهم، بينما انشغل الجميع بوضع حقائبهم داخلها.وصل سعد بعد دقائق.ألقى التحية على الموظفين، ثم صعد إلى الحافلة وسط ترحيب الجميع.وبعده
اشتعلت المشادة بين والدة رضوان ووالدة ملاك حتى كادت النيران تتطاير من أعينهما. كانت كل واحدة منهما تدافع عمن يخصها بكل ما تملك من قوة، بينما وقف الحاضرون يتابعون ذلك الانفجار العائلي الذي لم يكن أحد يتوقع نهايته.ضربت والدة رضوان صدرها بكفها وهي تقول بانفعال شديد:— مستحيل! أقسم بالله أن ابني لا يم
رفعتُ رأسي بثبات ونظرتُ إليه قائلةً:— أعلم جيدًا ما أقوله، ولستُ أتحدث عن ظنون أو أوهام، بل عن أمر رأيته بعينيّ. إن كنت لا تصدقني، فاذهب واسأل رضوان بنفسك، واسأله عمّا كان يفعله معها في الزاوية المعتمة فوق السطح ليلة البارحة.ما إن أنهيتُ كلماتي حتى اشتعل غضبها كالنار في الهشيم، فانطلقت نحوي محاول
تنهدت مريم وهي تهز رأسها بضيق، ثم قالت:"انظري إليه، ذلك الخبيث الكبير. أقسم لكِ أنني لو لم أكن أحترم نفسي لأعدته إلى الصفر من جديد. هذا هو وجهه الحقيقي الذي بدأ يظهر أخيرًا. شخص رخيص لا أكثر."ابتسمت بمرارة وأنا أستمع إليها.كانت كلماتها تعبر عما يدور في رأسي تمامًا.ثم اقتربت مني وربتت على كتفي ق
شعرت بأن حالتي النفسية بدأت تخرج عن سيطرتي. كنت أعرف نفسي جيدًا؛ فعندما أصل إلى هذه المرحلة من الانهيار، لا يوجد شخص واحد في هذا العالم قادر على تهدئتي أو انتشالي من أفكاري المظلمة سوى شاهين.تناولت هاتفي بسرعة، وكأنني أتشبث بطوق نجاة وسط بحر هائج. ارتجفت أصابعي وأنا أبحث عن اسمه، ثم ضغطت على زر ال







