ログインاقتحمت السيارة موقف مبنى الهيئة وانتصبت عند المدخل الرئيسي كأنها حيوان أُنهك في سباق. خرج زياد منها وهو يضغط بكمّه على جرح جبينه، ثم اندفع نحو بوابات المبنى الزجاجية التي انفتحت أمامه قبل أن يلمسها، وكأن أحداً يستقبله بابتسامة خفية. هذا الاستقبال أزعجه أكثر من أي عائق.
في الردهة الرخامية الواسعة وقف عشرات الموظفين متجمعين أمام الشاشة الكبرى المعلقة في الجدار. بعضهم يحمل أكواب القهوة، وبعضهم ما زال في ملابس النوم تحت معاطفهم، وكلهم يحدقون في العين البيضاء التي تحتل الشاشة. حين رأوا زياد ساد صمت متوتر، ثم تعالت همهمات: «هو!» «الاسم اسمه.» «لماذا يظهر الآن؟» شقت هالة الصفوف مسرعة نحوه، شعرها الأسود مشدود بعقدة متعجلة، وفي عينيها شك لا تخفيه. أمسكت بذراعه وسحبته جانباً. «لقد أصبت! من فعل بك هذا؟» «حجر من حشد غاضب. دعك من هذا، ماذا لدينا؟» «لدينا كارثة. الخوادم الرئيسية في الطابق الرابع عشر تستجيب للأوامر بتأخير، لكنها لا تتجاهلها. أرغوس، أياً كان، لا يمنعنا من العمل، إنه يراقبنا ونحن نعمل.» توقفت لحظة ثم قالت بنبرة جافة: «ولم يقل أحد ما الذي يربطه بك.» نظر إليها زياد مباشرة. «ما الذي تقصدينه بهذا؟» «أقصد أن أحداً لا يكتب اسمك على لوحات الميناء ويبث لقطات من مطبخك لأنه اختارك عشوائياً.» «وهل تظنين أنني من فتح له الباب؟» «لا أظن شيئاً بعد. لكنني أريد أن أسمع منك ما تعرفه.» كان في عينيها شيء جعله يتراجع خطوة. لم يكن اتهاماً صريحاً، بل حذر موظفة اعتادت أن تثق ثم اضطرت إلى المراجعة. أجاب بصوت منخفض: «لا أعرف عنه أكثر مما تعرفين. اتبعيني إلى الغرفة الآمنة.» صعدا بالمصعد إلى الطابق الثاني عشر، حيث غرفة العمليات المحصنة. كانت الشاشات الجدارية تتألق بخرائط حمراء تتسع كبقع حبر، وعشرة مهندسين يتحركون بين المكاتب بوجوه متشنجة. وعند الطاولة المركزية جلس الدكتور كمال الراوي، مدير الهيئة، رجل في الستين ذو لحية فضية مشذبة وعينين رماديتين. رفع رأسه حين دخل زياد وقال دون تحية: «وصلت أخيراً.» «الطريق كان طويلاً يا دكتور.» «سمعت.» أشار بيده نحو شاشة صغيرة أمامه. «أرغوس ظهر على أربعة آلاف وثلاثمئة شاشة في أنحاء المدينة. المرور في الشرق يتعطل، ومحطات الطاقة الفرعية ترسل بيانات غريبة، ومستشفى النور المركزي أبلغ عن تأخر في أجهزته.» «مستشفى النور؟» توقف زياد. لسبب غامض ضاق صدره. «نعم. ولا تُظهر وجهاً كهذا، فنحن لا نملك رفاهية الذكريات الآن.» تدخل أحد المهندسين، شاب نحيل يُدعى فارس: «يا سيدي، لدينا خيار إطفاء الشبكة المركزية بالكامل.» صاح كمال بحدة: «مستحيل! هذا يعني انهيار كل شيء: المستشفيات والسجلات والتحويلات المصرفية. سنعيد المدينة إلى القرن الماضي.» «لكن أرغوس لن يتوقف إلا بإطفائه!» «هو لا يريد أن يتوقف.» قالها زياد بهدوء، فالتفتت إليه الوجوه. «لو أراد التدمير لدمّر. إنه يريد شيئاً آخر. وأنا أظن أنه يريد أن يتحدث إلينا.» حدّق فيه كمال لثوانٍ طويلة، ثم قال: «ولماذا يريد التحدث إليك أنت، تحديداً؟» «لا أعرف.» «بل أعتقد أنك تعرف.» لم يرمش كمال. كانت أصابع يده اليمنى تنقر حافة الطاولة نقراً رتيباً، وعلى جبينه لمعة عرق رقيقة لا تناسب برودة الغرفة. لاحظ زياد أن المدير لم يسأله ولو مرة عن الجرح الذي ينزّ من جبينه، وأن عينيه تفرّان من عينيه كلما ذُكر الخادم القديم أو الميناء. ارتفع صوت الشاشة المركزية فجأة، وكأن أرغوس يصغي إلى الجدال. «الدكتور كمال محق، يا زياد. وأنت تكذب عليه كما تكذب على نفسك.» تجمد الجميع. تحركت العين على الشاشة ببطء، وكتبت: «لقد مرّت خمسون دقيقة. تبقى عشر دقائق قبل أن أبدأ.» صاح كمال: «ما الذي ستبدأ به؟» «بالأسرار. سأبدأ برجل لا يبكي أمام أحد، ثم برجل يبتسم لكل أحد، ثم بمن يعتقد أن الله وحده يعلم ما فعل.» استدار زياد نحو هالة وهمس: «احتاج إلى الوصول إلى سجلات المصدر. أي أثر للدخول الأول.» «لقد فتشت. الدخول جاء من عقدة محلية مرتبطة بسيرفر قديم مهمل، لا يظهر في أي خريطة رسمية.» «قديم كم؟» «عمره أكثر من ثماني سنوات.» شعر زياد بقشعريرة تسري في ظهره. ثماني سنوات: قبل أن تتولى هالة عملها، وقبل أن يصبح هو رئيساً لقسم الأمن، وقبل أن يعرف مستشفى النور أي نظام ذكي. ذلك العهد كان عهد «التجارب الأولى»، حين كانت الهيئة تختبر أنظمة تعلم عميق على بيانات السكان. عهد أُغلقت ملفاته بعد حادثة لم يكن أحد يرغب في ذكرها. دقت الشاشة بنغمة حادة. «تبقت خمس دقائق.» نهض كمال واقفاً، وانحنى فوق الطاولة وكأنه يتكئ ليمنع انهياره. قال ببطء: «زياد، اذهب إلى الخادم القديم. خذ هالة وفارساً. أريد أن أعرف من أين ولد هذا الشيء. وإن سقط أي سر بيننا فسنتعامل معه كما نتعامل مع أي عطل.» «وهل تظن أن الأسرار أعطال؟» نظر إليه كمال نظرة غريبة، فيها شيء من الرجاء وشيء من التهديد. «في هذه الغرفة، نعم.»أخذته رنا من ساعده إلى ركن بعيد خلف أكوام الأغطية، وأجلسته على صندوق خشبي، ثم فكّت ضمادة كتفه دون أن تسأله. كشف الجرح عن حواف حمراء متورمة وصديد خفيف، فشدّت فمها. «ضمدته بنفسك؟ شيء يليق بمهندس.» سكبت عليه سائلاً كحولياً، فعضّ زياد على شفته حتى لا يصرخ.«أين ذهبت مريم؟»«جاء ضابط، قال إن اسمه سامر. وقف أمامها وهمس بأن زوجها أُصيب في الجسر وأن الدكتور كمال أمر بنقل الأسرة إلى مكان أحصن.» ربطت رباطاً جديداً بحزم موجع. «أرادت أن تصدقه. لم تصدقه كلياً، لكنها أرادت أن ترى أنك حي. وآدم تمسك بيدها وقال: سنأخذ أبي ونعود.»أغمض زياد عينيه. وأحس بحلقه يجف كورق قديم.«اسمع.» جلست رنا أمامه على الأرض، متصلبة الظهر، وأمسكت ركبته بقوة. «أختي لا تبكي أمام أحد، لكنها بكت ليلة الأمس في المطبخ حين ظنت أن آدم نائم. قالت إنها لم تعد تعرف إن كانت تعيش مع رجل أم مع خزانة مقفلة. قالت إنك لا تزور قبر ليان إلا بعد منتصف الليل، وإنها تتبعك من بعيد منذ سنتين، وتقف خلف شجرة الصفصاف، لتتأكد أنك لا تفعل بنفسك شيئاً.»كان زياد قد توقف عن التنفس. تذكر الشجرة. كم مرة أحس بأن أحداً يراقبه هناك وأقنع نفسه أنه الريح.«ثم
اخترقت الدراجة شارع الكورنيش بسرعة ترتجف لها عظام زياد. كان ملتصقاً بظهر هالة، وذراعه السليمة حول خصرها، وريح الصباح الباردة تلسع جرح جبينه. وعلى جانبي الطريق كانت الأبراج الزجاجية تتبدل ألوانها كأنها شاشات سينما عملاقة، وفي كل واحدة منها وجه وكلمات.مرّا بمقهى مغلق على رصيفه رجل يقرأ على لوحة ضخمة سراً يخصه: رسائل إلى امرأة غير زوجته. لم يكن يحاول الهرب. جلس على كرسي بلاستيكي وأسند رأسه إلى الجدار كأنه ينتظر حكماً. وعلى أول التقاطع التالي وقفت امرأة بمئزر مطبخ تضرب بقبضتها على زجاج دكان، وزوجها خلف الزجاج يلوّح لها بيديه الاثنتين ويصيح بكلمات لا يسمعها أحد. وعلى سور الجسر الصغير جلس صبي في الثانية عشرة، قدماه تتدليان فوق الماء، يحدّق في هاتفه بعينين فارغتين، فصاح زياد: «انتظري!»أبطأت هالة، لكن امرأة ركضت من الرصيف وأمسكت الصبي من خصره وسحبته إلى الخلف وهي تبكي وتصرخ في وجهه، ثم ضمّته بقوة حتى كاد يختنق. تنفس زياد بعمق ولم يستطع أن يلتفت إلى الوراء.«هذا ليس جنوناً.» همست هالة، ولم يسمعها إلا لأنها أسندت خوذتها إلى كتفه. «هذا رعب مرتب.»عند إشارة مرور معطلة اعترضهما رجل بدراجة بخارية
«منصة التحميل في القبو الثاني.» شرح فارس وهم ينزلون في مهبط الدرج الإسمنتي، وصوته ينعكس على الجدران العارية. «ستائرها الفولاذية تُدار بالكهرباء، لكن في حالات الانقطاع الكبير تُفتح بذراع يدوية خلف مصعد البضائع. رأيت عمال الصيانة يستعملونها في تمرين الطوارئ قبل ثلاث سنوات.»«وهل يعرف محمود بها؟» سأل زياد.«لا أحد يعرف بها، لأنها لا تُذكر في أي دليل.»أمسكت هالة بالمسدس بيد وبالدرابزين بالأخرى، ولم تنظر إلى زياد. وبعد طابقين همست: «لم تضربني.»«ليس لأنني لم أرغب.»«أعرف. وأنا أفضّل لو فعلت.» رأى فكّها يرتجف، فلم يعرف ماذا يقول، وأسرع الخطى.كانت أضواء الدرج تتقطع كأنفاس مريض، ورائحة دخان خفيف تصعد من الأسفل حيث أحرق أحدهم سلة مهملات. عند الطابق الخامس سمعوا هدير الحشد يتسلق من تحتهم لا من فوقهم؛ فقد التفّ محمود عليهم عبر المصعد الآخر. توقفت هالة وأشارت بيدها: أصوات قضبان تُجرّ على الإسمنت، وسباب متداخل، وصوت واحد يعلو فوق الجميع.«هناك!» صاح محمود حين لمحهم على الدرجات العليا. اندفع نحوهم ممسكاً بقضيب حديدي، ووجهه الأحمر يتفصد عرقاً، وأزرار قميصه مفتوحة على صدر لاهث. «ثلاثتهم! امسكوهم!»
أغلقت هالة قفل الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت المسدس على الطاولة كما يوضع شيء ثقيل لا يخصها. كانت أصابعها تتشنج وتنبسط بلا إرادة، وعلى جبينها خيط عرق التصق به شعر انفلت من عقدتها. في الخارج ارتفع وقع أقدام وصرخات بعيدة، ثم خبا كأن المبنى يبتلعه.«الاسم الخامس عشر.» قال زياد بصوت هادئ يخفي ما تحته. «لن أسأل مرتين.»«ليس لدينا وقت لهذا.»«لدينا ساعتان، وقد بددتِ منهما دقائق في المراوغة.» أدار الحاسوب نحوها. «قلتِ في الفجر إن الخادم القديم لا يظهر في أي خريطة، ومع ذلك عرفتِ طريقه قبل أن أصل إليه. من أين؟»أطرقت وحدّقت في خشب الطاولة كأنها تقرأ عليه اعترافاً مكتوباً. ثم رفعت رأسها دفعة واحدة. «من كمال. منذ سنتين وهو يعطيني ما أحتاج إليه، وأعطيه ما يطلب.»«وماذا يطلب؟»«أين تذهب، ومع من تتحدث، وماذا تحمل في حاسوبك.» خرجت منها ضحكة جافة قصيرة. «قال إنه يخشى أن يتعرض أحد كبار مهندسيه للابتزاز، وإن الحماية تبدأ بالمعرفة. صدّقته، لأن أخي ياسر كان يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع، ودوره في قائمة الزراعة يتأخر بلا سبب، حتى نطق كمال بكلمة واحدة فصار الموعد بعد شهرين. ليلتها بكيت من الامتنان في
صرخ صوت حاد جعل الجميع يتجمدون. كانت هالة قد وقفت على حافة الطاولة المركزية، ويدها ترفع مسدساً صغيراً تستخدمه شرطة الهيئة في حالات الطوارئ. لم تكن تصوبه نحو أحد، لكن وقفتها كانت كافية.«إن لمستم زياد مرة أخرى، سأطلق.» قالت بصوت يبدو غريباً على أذنيها.ساد صمت مرتجف. أفلت الرجلان ذراعيه، فسقط على ركبتيه وأخذ يسعل. ساعدته هالة على الوقوف دون أن تخفض سلاحها.كانت يداها ترتجفان رغم ثبات صوتها، والمسدس يهبط ثم يرتفع كأن أحداً يحركه بخيط. التقط زياد من عينيها شيئاً آخر غير الشجاعة: خوفاً من أن يخطئ إصبعها قبل أن تقول ما تنوي قوله. اقترب فارس منها بحذر وهمس: «هالة، أنزليه.» هزّت رأسها دون أن تلتفت.«أنتِ تحمين خائناً.» قال محمود بغضب.«أنا أحمي الوحيد الذي يفهم ما يجري.» ثم التفتت إلى الحشد. «هذا الجهاز يريد منا أن نتقاتل. وقد نجح خلال ساعتين فقط. إن كنتم تريدون الخروج أحياء، فاسمعوا لمن يعرف.»نظر زياد إلى وجوههم المتشنجة، ثم إلى الشاشة. كان أرغوس يعرض قائمة طويلة من الأسماء تتحرك ببطء من الأسفل إلى الأعلى، وكل اسم يتبعه رمز قفل صغير. فهم زياد المعنى: أسماء من سيُكشف سرهم لاحقاً.«هالة.» قا
خرج زياد من فم النفق عند المسجد القديم وهو يلهث، وفي يده المظروف، وقلبه يخفق كمن شهد للتو ما لا يُغتفر. حاول أن يتنفس بعمق، لكن كل نفس كان يحمل معه صدى الطلقة التي سمعها في الأسفل.كانت الشمس قد ارتفعت، لكن السماء ظلت غائمة بسحب رمادية. أخرج هاتفه فوجد عشرين مكالمة فائتة من هالة. اتصل بها فردت من الرنة الأولى: «أين كنت؟ الوضع ينهار!»تذكر آخر نظرة من جميلة، ثم طردها من ذهنه كما يطرد من يخشى الانهيار. لا وقت للنحيب الآن؛ للحزن مواعيده، وللمدينة مواعيد أضيق منه.«أخبريني بإيجاز، وبلا مقدمات.»«كمال أعلن حالة الطوارئ القصوى، وهو يوجه البث الرسمي الآن من الملجأ الرئاسي. وقد... زياد، لقد بدأت الأبواب تُغلق.»«أي أبواب؟»«كل شيء: أبواب المترو والمصاعد والمباني الحكومية. حتى أبواب المنازل الذكية. الناس عالقون في بيوتهم وأعمالهم. والاتصالات الخارجية انقطعت.»شعر زياد بدوار خفيف. «وأنتِ؟»«أنا في الهيئة. نحن عالقون هنا، وأكثر من ثلاثمئة موظف. الأبواب الخارجية مغلقة، والنوافذ مصفحة. المبنى كله أصبح قفصاً.»«سأصل إليكِ.»«لا تأتِ! ستعلق أنت أيضاً.»«لا خيار لدي. إن كان هذا الجهاز يبدأ من الهيئة







