تسجيل الدخولأردفت فيروز بتأييد لم يخلُ من نبرة الخوف:
"بالطبع، بالطبع.. تالا محقة تماماً فيما قالت!" هنا، تبدلت ملامح مياسين فجأة، وظهر عليها التأثر الشديد والحسرة وهي تقول: "في الحقيقة.. لقد كنتُ حزينة وكئيبة طوال الأيام الماضية، وكل ذلك بسبب 'دوكي'!" رددن جميعاً بصوت واحد يملؤه الاستنكار والتعجب: "'دوكي'..؟! ومن يكون هذا؟" أجابت ببساطة متناهية وكأنها تتحدث عن أمر بديهي: "أجل، 'دوكي'.. حبي الأول والأخير!" تنهدت بحزن عميق لثوانٍ، قبل أن تتحول ملامحها فجأة إلى قطة شرسة مستعدة للهجوم، وهتفت بهنّ: "اسمعي أنتِ وهي.. سأرحل الآن، لكن عقابكنّ لم ينتهِ بعد. لا تقلقن، ستنلن جزاءكنّ لا محالة، والأيام بيننا.. وداعاً!" انصرفت من أمامهن بخطوات غاضبة، بينما ظلت النسوة يرقبن أثرها بخوف وتوجس مما يخبئه القدر لهنّ على يدها. حينها، قالت شمس بنبرة يائسة: — "لقد كان يوماً أسود ذلك الذي صادقناها فيه، وجاءت لتسكن في قريتنا!" ولم يكن من الجميع إلا أن هزوا رؤوسهم بالموافقة، مؤيدين كلامها بقلوب ملؤها الحسرة _____________________ في صباح اليوم التالي بزغت خيوط الشمس الأولى لتعلن بداية يوم جديد، بينما كان هو لا يزال مستلقياً على فراشه، يصارع أفكاراً لم تمنحه لحظة نوم واحدة منذ عودته من مركز الشرطة. كان التعب ينهش جسده، لكن عقله كان مسرحاً لمعركة طاحنة؛ عقله وقلبه يصرخان بالرفض، بينما هناك صوت خافت جداً في أعماقه يحثه على القبول. عادت به الذاكرة إلى تلك اللحظة التي ألقى فيها المدير قنبلته بوجهه: "ماذا تقول؟!" رد المدير بخبث وهو يراقب علامات الصدمة على وجهه: "نعم أيها القائد يلسر، هذه أوامر الملك مباشرة.. فلا تندهش كثيراً يا عزيزي." حاول يلسر استجماع شتات نفسه وزفر بحدة قائلاً: "ماذا تقصد يا سيدي بمهمة (احتلال)؟" أجابه المدير بسخرية لاذعة: "هل أصابك الغباء يا يلسر؟ أقول لك مهمة احتلال! كيف تكون قائداً وأنت بطيء الفهم هكذا؟" استشاط يلسر غضباً، ورد بنبرة حادة: "أفهم ما تقول جيداً، لكن انظر إلى حال العالم من حولنا! نحن في عام **20 ، لم يعد هناك ما يسمى بالاحتلال في عصرنا هذا! ألا تدرك أنك تفتح أبواب الجحيم علينا؟" زفر المدير بملل، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدل: "انظر يا يلسر، هذه أوامر الملك، ولا مجال للاعتراض. عليك أن توافق." فاض الكيل بيلسر فصاح بعصبية: "كيف سنحتل دولة أجنبية أخرى؟ الجميع يمتلك تكنولوجيا متقدمة ووسائل دفاع مرعبة، يجب على الملك ألا ينسى ذلك!" ابتسم المدير بمكرٍ شديد وقال: "ومن قال إننا سنحتل دولة أجنبية؟ نحن بصدد احتلال دولة عربية يا عزيزي!" صعق يلسر من الكلمة وهتف باستنكار صارخ: "ماذاااا؟!" عاد يلسر من ذكرياته ليمسح على وجهه بإرهاق، ثم نفض عنه غطاء الفراش واتجه نحو الحمام. خرج بعدها مرتدياً زيه العسكري المهيب كقائد للقوات، وصفف شعره بعناية فائقة. استقل سيارته وانطلق نحو المركز وهو يحمل في جعبته قراراً حاسماً. اقتحم مكتب المدير دون استئذان، وهتف بحدة وعصبية: "لقد وافقتُ على المهمة، لكن بشرط واحد! إن وافق عليه الملك سأنفذها، وإن رفض، فاعتبر المهمة منتهية بالنسبة لي ولن أقوم بها.. هل اتفقنا؟" رمقه المدير لثوانٍ قبل أن يقول بسخرية: "تمهل يا عزيزي واجلس أولاً." جلس يلسر وهو يشتعل غضباً ينتظر الرد، ليتابع المدير بجدية: "اتفقنا يا يلسر، أخبرني بشرطك وسأرفعه للملك، وبالتأكيد سيكون أمراً يسيراً عليه." ابتسم يلسر ابتسامة جانبية غامضة وماكرة، ابتسامة لم يطمئن لها المدير أبداً، وقال بنبرة يملؤها الخبث: "بالطبع.. إنه شرط سهل، وسهل جداً أيضاً!" ______________________ استيقظت "ريحانة" على أزيز رنين هاتفها الذي لم يتوقف منذ السادسة صباحاً، لتجيب في السابعة بصوتٍ يغلبه النعاس وعينين مغمضتين تماماً: "ألو.. من المتحدث؟" أتاها صوت "شمس" هادراً عبر الهاتف: "أنتِ أيتها الغارقة في نومكِ! قومي فوراً، لقد استهلكنا ساعة كاملة في الاتصال بكِ، وفي النهاية تسألين ببرود من المتحدث؟ أسرعي، لقد حدث خطبٌ جلل في البلاد وعليكِ معرفته فوراً. لقد هاتفتُ 'مياسين' وهي في طريقها إلينا، هيا تحركي!" أغلقت "شمس" الخط دون انتظار رد، لتمتم "ريحانة" بنعاس وهي لا تزال في فراشها: "حسناً.. أنا قادمة، لقد قطعتُ نصف الطريق بالفعل!" وضعت الهاتف جانباً ونهضت بتكاسل، غسلت وجهها لتستعيد بعضاً من وعيها، ثم ارتدت ملابسها على عجل وانطلقت نحو صديقاتها لاستكشاف ذاك الأمر الخطير. ما إن وصلت، حتى هرعت إليها "تالا" وأمسكت بكتفيها برعب قائلة: "هل سمعتِ بما حدث؟" هزت "ريحانة" رأسها ببلاهة: "لا.. ماذا حدث؟" تدخلت "شمس" هي الأخرى بنبرة يملؤها الفزع: "حقاً؟ ألا تعرفين ما الذي يوشك أن يقع؟" زفرت "ريحانة" بضيق ودفعتهم عنها بعصبية: "قلت لكنّ لا أعلم ما حدث ولا ما سيحدث! يا إلهي، ما هذا العناء؟" هنا، تقدمت "مياسين" وعلامات الحزن تكسو وجهها، وقالت بنبرة خفيضة: "أنا أيضاً عرفتُ الأمر منهنّ للتو؛ خلاصة القصة هي أن رئيس دولتنا قد باعنا مقابل حفنة من المال وسلمنا لدولة أخرى، وما سيحدث هو أن تلك الدولة قادمة لاحتلالنا.. هذا هو مضمون الحكاية كلها." رمقتهم ريحانة بنظرة فارغة لثوانٍ، قبل أن تنفجر فجأة في ضحكٍ هستيري، وسط ذهول الجميع وبلاهتهم؛ فكيف تضحك والبلاد على شفا الانهيار؟ هتفت ريحانة بصعوبة من بين ضحكاتها بعد أن هدأت قليلاً: "وما شأننا نحن؟ لقد باع الدولة، لكنه لم يبعنا نحن! ما الذي أقحمنا في هذا الأمر الجلل؟" ردت مياسين بنبرة تشتعل عصبية: "يا ريحانة، أفيقي! حين تُباع الدولة فنحن ضمناً جزء من هذه الصفقة! أأنتِ بلهاء أم تتصنعين ذلك؟ نقول لكِ احتلال.. غزو.. استعمار! وأنتِ تضحكين وتسألين عن شأننا؟ هل تظنين نفسكِ مواطنة من دولة أخرى وأنا لا أدري؟" تلاشت الضحكة تدريجياً وحلت محلها نظرة استيعاب مريرة. بدأت ريحانة تنظر إلى وجوه صديقاتها الواجمة، واحدة تلو الأخرى، وبدأ برد الخوف يسري في أوصالها. ابتلعت ريقها بصعوبة، وترقرقت الدموع في عينيها بينما كان عقلها يرفض تصديق ما تسمع. همست بصوت متهدج يملؤه الرجاء: "ماذا تقولون؟ بالتأكيد هذا غير صحيح.. أليس كذلك؟ أنتم تمارسون عليّ إحدى خدعكم المعتادة، أليس كذلك؟ أخبروني أنه مقلب ثقيل.. هيا، قولوا شيئاً!" لكن نظرات الحزن الصامتة في أعينهن كانت أبلغ من أي إجابة. هنا، خانتها قواها، وانهمرت دموعها في صمت مطبق، ثم استدارت وغادرت المكان متجهة إلى منزلها دون أن تنبس ببنت شفة، تجر خلفها أذيال الصدمة. _______________________ " هههههههه " تعالت ضحكات الملك الخبيث، صدىً يتردد في أرجاء القاعة الفخمة بعد أن نقل إليه مساعده شرط "يلسر" الأخير. هتف الملك بنبرة يملؤها المكر: "رائع.. رائع جداً! يبدو أنني استهنتُ كثيراً بدهاء يلسر وقدراته." أردف المساعد بنبرة يشوبها الاحترام الممزوج بالحيرة: "نعم يا مولاي، لكن ألا ترى طلبه غريباً؟ لم أتوقع أبداً أن يشترط احتلال الدولة دون إشعال فتيل الحرب! هل يُعقل أن يكون هناك احتلال بلا دماء أو إطلاق قذيفه واحده " انفجر الملك ضاحكاً بصوتٍ عالٍ، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الجانبية التي لا تنبئ إلا بالشر، وقال: "لا.. بالطبع لا يوجد احتلال في التاريخ خلا من الحروب، هذا أمرٌ شبه مستحيل. ولكنني سأجعل المستحيل ممكناً من أجل عينيّ قائدي العزيز. اذهب وأخبر يلسر بأنني وافقتُ على هذا الشرط وأن يبدأ في الاستعداد للمهمه !" نظر إليه المساعد بذهول واستنكار، يحاول سبر أغوار عقل الملك وفهم ما يخطط له، وتساءل بنبرة متهدجة: "ولكن يا سيدي.. ألا ترى أن ما تقوله غريب جداً ؟؟؟" أجابه الملك ببرود مخيف وبريق غامض يلمع في عينيه: " بلى، هو أمرٌ غريب حقاً.. ولكن، أليس من الممتع أن نستسلم قليلاً للأشياء الغريبة ونرى إلى أين ستأخذنا؟ هذا سيجعلها أكثر متعه وتسليه ....الآن اذهب ونفذ الأمر!".نظر إليها يلسر بعشق جارف طغى على نظراته الزرقاء، وارتجف قلبه وهو يتأمل عينيها، لينطق أخيراً بالشعر الذي طالما ردده في نفسه، ولكن هذه المرة بصوت مسموع، وعشق متدفق يخرج مع كل حرف: حُورِيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ فِي حُسْنِهَا .. دُرَرُ الجَمَالِ الفَاتِنِ العَدْنَانِي سَمْرَاءُ تَقْتُلُ حُسْنَ كُلِّ صَبِيَّةٍ .. أَخَّاذَةٌ عَسَلِيَّةُ العَيْنَانِ تسمرت ريحانة في مكانها، ونظرت إليه بخجل شديد تملّك من كيانها إثر كلماته الساحرة ووصفه إياها بالحورية. ابتسمت بارتباك، ووضعت كفيها على صدره العريض محاولةً دفعه برقة علّه يبتعد، وهتفت بتلعثم وتوتر: — "يلسر.. ابتعد عني." رد عليها بنبرة تفيض شغفاً: — "لن أبتعد." في تلك اللحظة، ترقرقت الدموع في عيني ريحانة؛ وشعرت بقسم داخلي يهز أركانها بأن كل الحصون والأسوار التي بنتها حول قلبها أوشكت أن تسقط وتنهار تماماً! لا، لا يمكنها أن تضعف وتحب رجلاً أجنبياً ليس حتى من موطنها.. لا يمكنها الوقوع في شباكه، وشعرت في هذه الثواني أنها ستموت حقاً من فرط الخجل والعجز. نظرت إليه بأعين دامعة لامعة مستسلمة: — "أرجوك يا يلسر.. ابتعد عني." لمح يلسر دموع
استدار يلسر نحوها، ونظر إليها بسخرية لاذعة وعينين يشتعل فيهما الغضب المكتوم:— "حقاً؟! ألا تعرفين السبب؟ لماذا لا أتحدث معكِ؟! يا لبرودكِ أيتها الفتاة! أنتِ تعرفين جيداً ما فعلتِهِ في الحفلة، فلا داعي لأن أهدر أنفاسي لأذكركِ به!"فهمت ريحانة مقصده على الفور، وتذكرت ما حدث هناك، لكن كبرياءها منعها من التراجع. رفعت رأسها بشجاعة وتحدٍّ وقالت:— "أنت المخطئ في كل ما حدث هناك.. ولستُ أنا!"امتدت يده القوية مجدداً ليجذبها من ذراعها بقسوة، وضغط عليها بشدة وهو يردف بحدة بالغة، وقد ضغط على فكيه بقوة حتى كادت أسنانُه تتلامس :— "أنا المخطئ؟! هه.. يالسخرية! أنتنّ الفتيات تخطئن دائماً ثم تزعمن بكل برود أنكنّ لم تفعلن شيئاً! لو أنكِ سألتِني بهدوء: من هذه؟ وماذا تفعل هنا؟ ولماذا لم تخبرني بأمرها؟ لكنتُ أجبتكِ بكل هدوء وبساطة.. ولكنكِ تصرفتِ من رأسكِ بتهور واستهتار أعمى، ولم تهتمي أبداً للنتيجة! أنتِ المخطئة يا ريحانة.. ولستُ أنا!"غمرت الدموع عينيها من شدة الألم الذي سبّبته قبضته العنيفة، وهتفت بنبرة متوسلة:— "اترك ذراعي.. من فضلك!"أفلت ذراعها بدفعة قوية، ورمقها بنظرة مطولة عاتبة، تلومها على ك
انحنى الضابط باحترام رغم علامات الاستغراب التي ارتسمت على وجهه: — "حسناً، أُمرك أيها القائد." انطلق يلسر كالسهم راكضًا نحو القاعة الكبيرة، معتقدًا في قرارة نفسه أنها ربما تأخرت في الداخل أو ضلت طريقها في الممرات. مرّت ساعة كاملة وهو يفتش زوايا القاعة الفسيحة شبرًا بشبر، يصارع الأفكار السوداء التي تنهش عقله، دون أي جدوى. خارج القاعة، ألقى الضابط نظرة على ساعته، وعندما وجد أن يلسر قد تجاوز الوقت المحدد كثيرًا، أصدر أمره الصارم للجميع بالتحرك، وبدأت الشاحنات العسكرية الضخمة في المغادرة بالفعل. في هذه الأثناء، على الرصيف المقابل، كانت ريحانة غارقة في عالمها الخاص، تداعب الطفل الصغير وتناست تمامًا وسط ضحكاته أنها مجرد أسيرة يجب أن تكون رفقة بقية الفتيات الآن! خرج يلسر من القاعة والإنهاك يبدو عليه، ليتسمر في مكانه حين وجد الساحة خالية.. لقد غادرت الشاحنات! أغلق عينيه بحزن ويأس خانق، وفي اللحظة ذاتها التي فتح فيها عينيه، كانت هناك شاحنة نقل تجارية ضخمة تمر من الجانب الآخر للطريق، ومع تحركها.. ظهرت ريحانة خلفها بوضوح ! جمد يلسر في مكانه بصدمة عنيفة شلّت أطرافه، حتى أنه تراجع خطوة
في تلك الليلة، عاد يلسر إلى منزله والإنهاك ينهش كل أنشيلّة من جسده جراء التفكير المستمر. استحم بالماء الدافئ لعله يخفف من وطأة الضغوط، ثم استلقى على الفراش وعيناه تحدقان في السقف، بينما عقله يغلي بأسئلة مصيرية ومقلقة لا يعرف لها إجابة: "كيف سأعلن الحرب على الملك؟! وكيف سأنتصر عليه؟! وكيف سأُعيد الفتيات؟! بالتأكيد لن يوافق أحد من القادة أو الجنود على الوقوف ضد الملك.. سأُعتبر خائناً!" جذب شعره بغضب وإحباط من تلك الأفكار العاصفة التي تكاد تفلق رأسه.. ساد الصمت للحظات لم يُسمع فيها سوى أنفاسه المضطربة، وفجأة، انتفض من على الفراش وعيناه تلتمعان بسعادة مباغتة، وترتسم ابتسامة مـاكرة وباردة على ثغره وهو يتمتم: — "نعم.. وجدتها!" لم يضيع ثانية واحدة، فأمسك بهاتفه وضغط على الأرقام ليتصل بضابط موثوق يعمل تحت إمرته.أتاه الرد، فأردف يلسر بنبرة جادة وصارمة: — "مرحباً، الضابط أندرو." أجابه أندرو بوقار عسكري: — "مرحباً بك قائد يلسر، هل هناك خطب ما؟" رد عليه يلسر بجدية حاسمة: — "هل أنت من ستقود شاحنات النقل صباحاً إلى دولة 'رسلاي' مرة أخرى، صحيح؟" تعجب أندرو من السؤال، فالمخطط كان معرو
عند الملك...دخل إلى الغرفة بخطواتٍ هادئة تحمل هيبةً مخيفة، بينما وقف الحراس خلفه بصمتٍ تام وما إن وقعت عيناه على الفتيات حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة جانبية ماكرة.كانت الفتيات متجمّعات بجانب بعضهن، يضممن أنفسهن بخوفٍ واضح، بينما ارتجفت بعض الأيدي من شدّة التوتر.أمّا هو، فكان ينظر إليهن وكأنه يستمتع بذلك الخوف المرتسم فوق وجوههن ثم قال بصوتٍ هادئ أثار الرعب داخل قلوبهن أكثر:"أهلًا... أهلًا بكنّ في قصري ودولتي أيتها الفتيات الجميلات."واقترب منهن ببطء، قبل أن يجلس على إحدى ركبتيه أمامهن، ثم قال وهو يتأمل وجوههن بمكر:"حقًا....حقاَ..... أنتنّ جميلات للغاية."لتردف إحدى الفتيات بصوتٍ مرتجف من الخوف:"نحن... نريد المغادرة من هنا "عقد حاجبيه بعدم فهم، ليشير بيده ببرود وخلال ثوانٍ، اقترب مساعده وأعطاه سماعة الترجمة وارتداها ببطء، ثم نظر إلى الفتاة مجددًا بابتسامة خبيثة:"هيا... أعيدي ما قلتِ يا جميلة " ابتلعت الفتاة ريقها بتوتر، لكنها تمسكت بشجاعتها وقالت:"قلتُ إننا نريد الرحيل، ولن نبقى هنا."ثم أكملت بغضبٍ خائف:"وأنتم بذلك خالفتم العهد."هزّ رأسه نافيًا، بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتس
تخرج ريحانة من القاعة بسرعة، بينما كانت دموعها تنهمر فوق وجنتيها دون توقف. شعرت أن كلمات يلسر ما تزال تتردد داخل رأسها بقسوة، وكأنها سهامٌ تخترق قلبها مرارًا. كانت تتنفس بصعوبة، بينما الألم داخل صدرها يزداد أكثر فأكثر، حتى شعرت وكأن قلبها لم يعد قادرًا على التحمّل. خرجت إلى الشارع الخارجي للحفل، ثم جلست فوق الرصيف ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها...بدت تائهة تمامًا...لا تسمع شيئًا حولها، ولا تشعر بمن يمرّ بجانبها. فقط أفكارها المؤلمة كانت تلتهمها من الداخل. كيف وثقت به بهذه السرعة؟ وكيف سمحت لقلبها أن يقترب منه أصلًا؟ وضعت يدها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها، لكن دموعها استمرت بالانهمار رغمًا عنها. وفجأة...شعرت بيدٍ دافئة تُوضع فوق كتفها. انتفض جسدها بفزع، ثم أبعدت اليد بسرعة ونهضت من مكانها بتوتر، لتجد سليم يقف أمامها. تغيّرت ملامحها فور رؤيته، وامتلأت عيناها بالنفور والغضب مسحت دموعها بسرعةٍ محاولة إخفاء ضعفها أمامه، ثم قالت بحدّة: "ماذا تريد يا سليم؟! ألا تستطيع تركي وشأني؟" ابتسم سليم ابتسامة خبيثة، بينما كانت عيناه تتفحصانها بطريقةٍ جعلتها تشعر بالاشمئزاز. ثم
ساد صمت مرعب، قطعته كلمات يلسر التي استمرت بجدية: "سنعيدهنّ إليكم بعد انقضاء الاسبوع ليعرف الجميع أن الاحتلال قد تم بشروطنا. أعدكم، وهذا وعد شرف مني، أن الفتيات سيعُدن سالمات ولن يمسهنّ سوء. أما إذا رفضتم هذا الشرط، فسيتم تدمير الدولة عن بكرة أبيها، ولن نرحم أحداً.. والآن، اتخذوا قراركم." انفج
ثم انفجرت فيه بضيق وحنق لم يعهدهما في حياته : "أنا ألعب.. أتريد أن تأتي لتلعب معي؟!" ثم أكملت بغضب طفولي: "يا سيد، ما شأنك بي؟ من دون كل هذه الجموع من الفتيات، تركت الجميع وركزت معي أنا فقط؟ يا له من حظٍ عاثر! ربي.. أنت ومعدتي عليّ في وقت واحد؟ لم تجد هذه المعدة المتخلفة وقتاً لتعلن جوعها إلا ا
"ستظلون هنا دون حراك.. ابقوا في أماكنكم حتى ينهي قائدنا تفتيش باقي المناطق ويأتي إلى هنا بنفسه." انتهى يلسر من جولته المرهقة التي استمرت أربع ساعات كاملة، مرّ خلالها على كل بقعة في البلاد، يلقي ذات الكلمات الباردة ويمضي، حتى وصل أخيراً إلى قرية *** توجه إلى تجمع الرجال أولاً، وضع سماعة الترجمة
تقدم يلسر بخطوات واثقة يتردد صداها في الردهة، طرق الباب ودلف ليقف أمام المدير بهيبته المعتادة. رمقه المدير بنظرة ملؤها الضيق والتوتر، ثم هتف بنبرة حادة: "استمع إليّ جيداً يا يلسر.. لقد وافق الملك على شرطك، وهو الآن ينتظر منك البدء في تنفيذ المهمة في أسرع وقت ممكن!" اتسعت عينا يلسر بذهول تام،







