LOGINساد صمت مرعب، قطعته كلمات يلسر التي استمرت بجدية:
"سنعيدهنّ إليكم بعد انقضاء الاسبوع ليعرف الجميع أن الاحتلال قد تم بشروطنا. أعدكم، وهذا وعد شرف مني، أن الفتيات سيعُدن سالمات ولن يمسهنّ سوء. أما إذا رفضتم هذا الشرط، فسيتم تدمير الدولة عن بكرة أبيها، ولن نرحم أحداً.. والآن، اتخذوا قراركم." انفجرت الساحات بالهمسات المحتقنة والمشاورات الساخنة في كل محافظة وقرية. وفي قرية**** حيث تجلس ريحانة وقلبها يكاد يتوقف من الصدمة، انتهت المشاورات أخيراً. وقف رجل من كبار القرية، بملامح جامدة وصوتٍ جهوري سمعه الجميع عبر أجهزة الترجمة والنقل، وقال بثقة هزت أركان المكان: "لقد قررنا.. ونحن نعلن قرارنا أمام الجميع الآن:.." حبس الجميع أنفاسهم، وصار وقع نبضات القلوب مسموعاً وسط ذلك السكون الموحش، حتى نطق الرجل بكلماتٍ خرجت كأنها جمرٌ يحرق الحناجر: " نحن موافقون على شروطك أيها القائد.. خذ فتياتنا لثلاثة أيام، ولكن تذكر وعدك جيداً، إذا مسست شعرة واحدة منهن، فلن تجد في هذه الأرض إلا مقبرة لجنودك!" نزلت الكلمات على الفتيات كالصاعقة، وتعالت صرخات مكتومة وبكاءٌ مرير، بينما التفتت ريحانة لصديقتها مياسين وهي تشهق بصدمة: "ماذا؟! هل باعونا حقاً؟ هل تخلوا عنا مقابل صمت المدافع؟ يا إلهي.. سأذهب مع 'الشاب ذو عينين زرقاء' هذا لمكان لا أعرفه؟" نظر يلسر إلى وجوه الأهالي بابتسامة ماكرة خلفها هدوء القناص الذي نصب فخاً محكماً، فهو يدرك جيداً أن غريزة البقاء لدى هؤلاء الرجال ستدفعهم للموافقة على عرضه. ثم وقع نظره إليها، ورغم ملامح النصر التي كان يجب أن يرتديها أمام جنوده، إلا أنه شعر بوخزة غريبة في صدره وهو يرى ملامح الخوف الحقيقي تكسو وجه ريحانة لأول مرة. لكن في تلك اللحظة، لم يكن عقله مع الحشود، بل كان يسترجع تلك المواجهة الشرسة التي دارت عبر الهاتف قبل أن تطأ قدماه مكان النساء... اهتز الهاتف برقم غريب، وما إن أجاب يلسر بـ "مرحباً"، حتى أتاه صوتٌ رخيم يحمل نبرة العظمة الزائفة: "مرحباً عزيزي يلسر.. معك الملك بنفسه." اتسعت عينا يلسر بصدمة، لكنه سرعان ما استعاد بروده العسكري المعهود ورد بخبث: "أعتقد أن الخبر قد وصل إليك بالفعل.." انطلقت ضحكة ماكرة من الطرف الآخر، قبل أن يقول الملك بنبرة متسائلة: "بالطبع وصل إليّ.. لكن أريد أن أعرف، لِمَ بدلتَ رأيك؟" زفر يلسر بعصبية وقد بدأ الغضب يغلي في عروقه: "هل تظنني أحمق يا جلالة الملك؟ أنا أعرف نواياك الخبيثة جيداً، ولن تنطلي عليّ حيلتك الجديدة هذه!" تلاشت الضحكة وحلّ مكانها جمود قاتل، وسأل الملك بحدة: "كيف عرفتَ هذا؟!" ابتسم يلسر بنصر واستفزاز وهو يشدد على كلماته: "لقد جاء العصفور وأخبرني بكل شيء يا سيدي الملك." ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يرد الملك بمكرٍ وغضب مكبوت: "إذن.. انتبه على ذلك العصفور جيداً يا عزيزي، حتى لا أضطر لتناوله كوجبة لذيذة اليوم!" ثم تابع بصراخٍ غاضب: "ما الذي تريده الآن يا يلسر؟!" رد يلسر بغضب مماثل، وصوت كالفولاذ : "لن آخذ أي فتاة من فتيات هذه الدولة لقصورك.. لن أسمح لك بذلك!" لقد وضع يلسر نفسه الآن في فوهة المدفع؛ فهو يواجه الملك ويواجه التاريخ، ويحاول في الوقت ذاته أن يجد مخرجاً يحمي فيه هؤلاء الفتيات، خاصة تلك "السمراء الثرثارة" التي قلبت موازين تفكيره ليصمتُ الملك لثوانٍ طويلة، يطرق بأصابعه فوق ذراع المقعد الذهبي، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة ويقول بنبرةٍ يملؤها التهكم : "هل جُنِنتَ يا يلسر؟ لقد عَلِم الجميع أنني أرسلتُ الجنود لاحتلال دولةٍ عربية، فماذا سأقول لهم؟ أننا وقفنا نتحدث هكذا ثم عجزنا حتى عن احتلال دولةٍ صغيرة؟" ثم اعتدل في جلسته قليلًا، وعيناه تلمعان بخبثٍ مخيف: "بالطبع، لك كامل الحق في الرفض، ولن أكذب عليك... في البداية فكّرتُ بالطريقة نفسها، لكن بعد ذلك اختفت تلك الفكرة تمامًا من رأسي. " " أنت فقط ستحضر الفتيات إلى الحفلة التي سأدعو إليها رؤساء الدول الأجنبية، ليروا أننا على الأقل خرجنا بشيءٍ من هذه الحرب. هل فهمت يا يلسر؟" ساد الصمت للحظات. أما يلسر، فكان واقفًا بثباتٍ ظاهري، بينما داخله يعجّ بفوضى لا تهدأ. شيءٌ ثقيل كان يضغط فوق صدره بقسوة، وكأن أنفاسه أصبحت أصعب من المعتاد. لم يكن مرتاحًا للفكرة... بل كان يشعر بوخزٍ خفي في ضميره كلما تخيّل نظرات الخوف في أعين أولئك الفتيات. لكنه حاول تجاهل ذلك الشعور.حاول إقناع نفسه أن الأمر لن يتجاوز مجرد حفلة، وأنهن سيعدن سالمات كما قال الملك... أليس كذلك؟ ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل قدرًا من التردد لم يستطع إخفاءه بالكامل: "ولن تؤذيهن أبدًا... أعِدني بذلك." ارتسمت على شفتي الملك ابتسامة ماكرة، بينما أجابه بنبرةٍ هادئة ممزوجه بنعومه خادعه: "أعدك يا يلسر، لن يضرهن شيء. اسمعني جيداً، ستحضر الفتيات عبر طريق الصحراء، سأرسل لك شاحنات النقل إلى هناك، بينما يعود معظم الجنود بالطائرات، وسأترك معك قوة صغيرة للحماية فقط.. هل اتفقنا؟" صمت يلسر طويلًا. كانت الأفكار تتصارع داخل رأسه بعنف؛ جزءٌ منه أراد الرفض، أراد التراجع قبل أن يتورط أكثر، لكن الجزء الآخر كان يدفعه للمضي قدماً في هذه اللعبة الخطرة، ليس طاعةً للملك، بل ليكون هو الدرع الوحيد الذي يقف بين تلك الفتيات وبين مصير مجهول وفي النهاية، انتصر ذلك الجزء. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه أبدًا، ثم قال ببرود: " اتفقنا " عاد يلسر من ذكرياته إلى أرض الواقع، حيث كانت أصوات الموافقة من أهالي "رسلاي" تتردد في الأرجاء، بعد أن ابتلعوا الطعم وصدقوا كذبة "الحفلة والمأمن"، ظانين أنهم بذلك يحمون شرفهم وبلادهم من الفناء. اعتلى يلسر صوته بنبرة عسكرية حازمة، اخترقت سكون الساحة: "هيا.. لتنهض جميع الفتيات الآن!" دوى صوت تدافع الأقدام والأنفاس المحتقنة، وبينما كانت الآلاف من الفتيات يقفن بوجل، كانت عينا يلسر معلقتين في مكان واحد فقط.. على تلك "السمراء" التي هزت كيانه بثرثرتها وجرأتها. كان يراقب ريحانة وهي تقف بملامحها المتذمرة، ويحدث نفسه بأنه حتى هذه اللحظة لا يعرف اسمها، لكنه ابتسم في سره، مؤكداً لنفسه أنه سيعرفه عاجلاً أم آجلاً، فالحكاية لم تبدأ بعد !!! خرج يلسر من ساحة النساء والوجوم يسيطر على ملامحه، وبينما كان يراقب مشهد الشاحنات وهي تبتلع الفتيات بانتظام قاسٍ، اهتز هاتفه معلناً عن اتصال من خطيبته فيولا. أجاب بنبرة مقتضبة تخفي ضيقه: "أممم.. ماذا تريدين يا فيولا؟" أتاه صوتها المليء بالدلال المصطنع: "لقد اشتقت إليك يا عزيزي يلسر، ألا يحق لي الاطمئنان على خطيبي؟" زفر بضيق وهو يتابع حركة الجنود: "هل جننتِ يا فيولا؟ ألا تدركين أنني في خضم مهمة احتلال عسكرية؟ " ردت ببرود وهي تلاعب خصلات شعرها: "أعرف ذلك، لكن الملك أصدر قراره للتو بشأن اكتفائكم بجلب الفتيات للحفل، والخبر انتشر في القصر كالنار في الهشيم." قلّب عينيه بملل وعصبية، وهمّ بالرد: "اسمعي يا فيولا، أنا الآن..." توقف الكلام في حلقه فجأة، واتسعت عيناه بصدمة تامة؛ عندما رأى ريحانة تترنح بعيداً. قبل دقيقتين.. كانت ريحانة تسير وسط الزحام، وقد افترقت عن صديقاتها اللواتي صعدن في شاحنة أخرى. حاولت التقدم نحو الشاحنة المخصصة لها، لكن الشمس الحارقة كانت قد بدأت فعلتها؛ شعرت بدوار عنيف، ويدها ارتجفت وهي تلمس جبينها محاولةً طرد الألم الفتاك الذي يهاجم رأسها دائماً عند التعرض للشمس الطويلة. خطوة واحدة.. ثم تعثرت الأخرى. بدأ السواد يغزو رؤيتها، وشعرت بجسدها يخور، لتهوي على الأرض مغشياً عليها في اللحظة التي انغلق فيها جفنها تماماً. لم يشعر يلسر بنفسه إلا وهو يركض بجنون نحوها، متجاهلاً رتبته وهيبته العسكرية، وصرخ بخوفٍ هزّ أركان المكان: " أيتها السمراء!" على الطرف الآخر من الهاتف، كانت فيولا لا تزال تستمع، فتجمدت الدماء في عروقها حين سمعت نبرة الخوف تلك، ورددت الإسم باستنكار والغيرة تنهش قلبها: "أيتها السمراء؟! من تكون هذه؟!" لم تتلقَّ رداً، بل سمعت صفارة انتهاء المكالمة التي قطعها يلسر دون اكتراث. ألقت فيولا هاتفها أرضاً ليتحطم تحت قدميها، وصرخت بعصبية: "أيتها السمراء؟! حسناً يا يلسر....لنرى من هي هذه التي جعلتك تصرخ بهذا الرعب، أقسم أنك لن تكون لغيري مهما كلف الثمن!"تخرج ريحانة من القاعة بسرعة، بينما كانت دموعها تنهمر فوق وجنتيها دون توقف. شعرت أن كلمات يلسر ما تزال تتردد داخل رأسها بقسوة، وكأنها سهامٌ تخترق قلبها مرارًا. كانت تتنفس بصعوبة، بينما الألم داخل صدرها يزداد أكثر فأكثر، حتى شعرت وكأن قلبها لم يعد قادرًا على التحمّل. خرجت إلى الشارع الخارجي للحفل، ثم جلست فوق الرصيف ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها...بدت تائهة تمامًا...لا تسمع شيئًا حولها، ولا تشعر بمن يمرّ بجانبها. فقط أفكارها المؤلمة كانت تلتهمها من الداخل. كيف وثقت به بهذه السرعة؟ وكيف سمحت لقلبها أن يقترب منه أصلًا؟ وضعت يدها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها، لكن دموعها استمرت بالانهمار رغمًا عنها. وفجأة...شعرت بيدٍ دافئة تُوضع فوق كتفها. انتفض جسدها بفزع، ثم أبعدت اليد بسرعة ونهضت من مكانها بتوتر، لتجد سليم يقف أمامها. تغيّرت ملامحها فور رؤيته، وامتلأت عيناها بالنفور والغضب مسحت دموعها بسرعةٍ محاولة إخفاء ضعفها أمامه، ثم قالت بحدّة: "ماذا تريد يا سليم؟! ألا تستطيع تركي وشأني؟" ابتسم سليم ابتسامة خبيثة، بينما كانت عيناه تتفحصانها بطريقةٍ جعلتها تشعر بالاشمئزاز. ثم
"خطيبته...؟"ترددت الكلمة داخل عقل ريحانة مرارًا، وكأنها صدى مؤلم يضرب قلبها بلا رحمة.ماذا تعني هذه المرأة بكلامها؟هل هي خطيبته حقًا؟ولماذا... لماذا لم يخبرها؟بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها بعنفٍ حتى شعرت أنها تكاد تختنق منها.هل كان يسخر منها طوال الوقت؟هل كان يستمتع برؤيتها تتعلق به بينما توجد امرأة أخرى في حياته؟وإن كان يملك خطيبة بالفعل... فلماذا عاملها بتلك الطريقة المختلفة؟لماذا نظر إليها بذلك العشق؟ولماذا جعلها تشعر أنها مميزة لديه؟شعرت فجأة أنها كانت واهمة واهمة لدرجةٍ مؤلمة.بدأت ضربات قلبها تتسارع بعنف، بينما تجمعت الدموع داخل عينيها العسليتين تدريجيًا حتى أصبحت رؤيتها مشوشة.ثم رفعت عينيها نحوه أخيرًا لكن نظراتها هذه المرة لم تكن خجولة أو مرتبكة كالمعتاد...بل كانت ممتلئة بالغضب والخذلان والألم.وكأن قلبها يتمزق أمامه قطعةً قطعة خرجت منها كلمة واحدة فقط، لكنها كانت مليئة بكل ذلك الوجع:"لماذا؟"نظر إليها يلسر باستغرابٍ واضح، وقد عقد حاجبيه بعدم فهم:"ماذا تقولين يا ريحانة؟ لا أفهمكِ."لكن كلماته لم تُهدّئها أبدًا بل جعلت ألمها يزداد أكثر لتنهمر دموعها أخيرًا فوق خد
ليتوقفا في منتصف القاعة بين الأزواج الذين يرقصون على أنغام الموسيقى الهادئة.وما إن انتبهت ريحانة إلى أنها ما تزال تمسك يده، حتى تركتها بسرعةٍ شديدة، وكأنها أفاقت فجأة على ما تفعله.اشتعل وجهها بحمرة خجلٍ قوية، بينما شعرت بحرارةٍ غريبة تنتشر في أنحاء جسدها كله.حتى قلبها كان يخفق بعنفٍ أربكها.حاولت التظاهر بالهدوء، فبدأت تنظر هنا وهناك بعيدًا عنه، وكأنها تبحث عن أي شيءٍ يشغلها عن النظر إلى عينيه.ثم قالت بتوترٍ واضح، محاولةً تغيير الموضوع:"لِمَ أصبح الجو حارًا هكذا فجأة..؟"ابتسم يلسر فورًا، وقد فهم ارتباكها وخجلها دون أن تقول شيئًا آخر.كانت محاولتها البريئة للهرب من إحراجها لطيفة بصورةٍ جعلت قلبه يلين أكثر.لكنه، رغم سعادته، كان عاجزًا عن تجاهل السؤال الذي ينهش تفكيره منذ قليل.لذلك نظر إليها بجديةٍ حقيقية وقال بصوتٍ هادئ:"لماذا فعلتِ ذلك يا ريحانة؟"رفعت عينيها إليه بتوتر، بينما تابع هو بنبرةٍ ممتلئة بالحيرة:"لماذا اخترتِني أنا؟ وأنتِ تعلمين أنني مجرد مُحتلٍّ لدولتكم."اقترب منها خطوةً صغيرة، ثم أردف بصوتٍ خافت أكثر :"أخبريني يا ريحانة... لا تصمتي."ساد الصمت بينهما للحظات أما
لتتجه ريحانة نحو الخارج بخطواتٍ هادئة، بينما كانت الفتيات يسِرن خلفها في صفّين منتظمين؛ وفي الصفٌّ تتقدمه ريحانة بعدما أصرت جميع الفتيات على ذلك، وكأنهنّ رأين فيها القائدة التي أعادت إليهن شيئًا من الثقة وسط خوفهن، وصفٌّ آخر تتقدمه فتاةٌ أخرى. كانت دقات قلوبهن تتسارع كلما اقتربن من باب الحفل، والخوف يختلط بالتوتر والترقب. وما إن دخلن القاعة حتى خيّم الصمت للحظات. التفتت الأنظار نحوهن دفعةً واحدة كان الحفل ضخمًا بصورةٍ مبهرة؛ أضواء فاخرة، موسيقى هادئة، وأشخاص من مختلف الدول يرتدون أفخم الملابس. رجالٌ يتمتعون بهيبةٍ وأناقة لافتة، ونساءٌ يبدون كأنهن خرجن من مجلاتٍ عالمية، لكن رغم ذلك... خطفت الفتيات الأنظار فور دخولهن. ظهرت الدهشة بوضوح في أعين الحاضرين، خاصة بعدما رأوا كيف تحولت تلك الفساتين إلى تصاميم راقية وفخمة. أما ريحانة... فلم تكن ترى أيًّا من ذلك كانت عيناها تتحركان بين الوجوه بسرعةٍ وتوتر تبحث عنه هو فقط 'مُحتلّ وطنها'ومحتلّ قلبها بطريقةٍ أخافتها رغم مرور أقل من يومين فقط ثم هتفت بشرود : " أين هو ؟ ألن يأتي ؟ " كانت تحاول إقناع نفسها أن ما تشعر به مجرد وهمٍ
نظر بتمعن في عينيها المليئه بالقلق قائلاً بصوت أجش هادئ : " يلسر....اسمي يلسر " نطق بكلماته وكأنه يمنحها مفتاح روحه لأول مرة، جاعلاً من اسمه جسراً يربط بينهما بعيداً عن ألقاب القادة والجنود. استطردت ريحانة بنبرة يملؤها الرجاء وقالت بصدق: "أرجوك يلسر.. اجعلني أرى جُرحك، لا تهمله أكثر." تسمر يلسر في مكانه وهو يراقب بريق القلق في عينيها الواسعتين، كان وقع اسمه "يلسر" على لسانها بنبرتها الرقيقة أشد تأثيراً من كل الهجمات التي واجهها في حياته أومأ لها يلسر بتعب، فخلف هذا الجمود كان هناك رجل يذوب أمام اهتمامها، وقال بصوت خفيض: "حسناً.. تقدّمي خلفي."ثم أعطى أندرو أمراً سرياً بنقل الفتيات لغرف التبديل، وقاد ريحانة إلى غرفة طبية للطوارئ ملحقة بالقصر، تحتوي على أحدث المعدات والمستلزمات. جلس على حافة الفراش وأسند رأسه للأمام بوهن، قائلاً بنبرة يكسوها همٌّ ثقيل: "هيا.. تفضلي، عالجي الجرح." تحركت ريحانة بخفة، وسرعان ما وجدت صندوق الإسعافات وأدوات الجراحة الحديثة. بدأت بتعقيم الجرح أولاً، ثم شرعت في خياطته بتركيزٍ عالٍ. أما هو، ففي غمرة ألمه، كان يغرق في عالم آخر؛ استمتع بلمساتها
جثا يلسر على ركبتيه على الأرض ، ورفع رأس ريحانة ليضعها فوق قدمه بحرص وكأنها قطعة من الماس يخشى كسرها. صرخ بنبرة ارتجف لها الجميع من فرط القلق وهو يضرب وجنتيها برفق : " أيتها السمراء.. استيقظي من فضلك، هيا!" ثم التفت للخلف زافراً بغضب وصياح في جنوده : "أحضروا الماء.. أسرعوا!" هرول الضابط بذهول، فلم يسبق له أن رأى قائده بهذا الذعر من أجل "رهينة"، وعاد بقارورة الماء ليتلقفها يلسر منه وينثر قطرات باردة على وجهها الأسمر الرقيق. تململت ريحانة، ورمشت عيناها عدة مرات قبل أن تفتحهما بتعب، لتجد تلك العيون الزرقاء غارقة في بحر من الخوف والقلق فوق رأسها مباشرة. في تلك اللحظة، لم يدرك يلسر أن قلبه المتمرد قد أعلن استسلامه، وأن كل مشاعر العالم قد تكثفت في صدره لأجل هذه الفتاة التي ظهرت في حياته منذ ساعات فقط. تاهت ريحانة في زرقة عينيه، وارتسمت على ثغرها ابتسامة واهنة لم تفهم سرها؛ فالدقائق المعدودة التي قضتها معه أنبتت في قلبها بذرة حب بدأت تنمو بسرعة مخيفة. تنفست الصعداء حين رأى وعيها يعود، وقال بنبرة هادئة حملت راحة حقيقية: "جيد أنكِ بخير.. لقد أُصبْتُ بذعر حقيقي عندما ر







