Share

الأسيرة والمُحتل
الأسيرة والمُحتل
Author: ملاك

1: مهمه مستحيلة

Author: ملاك
last update publish date: 2026-05-10 07:58:45

في قلب إحدى أضخم الممالك الأجنبية، تلك التي تمتاز بجمال ساحرٍ أخّاذ وأمنٍ لا يخترق، تتربع مملكة "فلاجليتا".

لم يجرؤ أحدٌ قط على غزوها، بفضل الهيبة الطاغية لملكها وجيشها الذي لا يقهر، لا سيما بوجود قائد جيشها الأسطوري.

​كان يجلس بشموخٍ وثقة معهودة خلف مكتبه البسيط، غارقاً في تدوين ملاحظات دقيقة على أوراق مبعثرة أمامه. قاطع خلوته طرقٌ على الباب، فأجاب بصوته الجهوري الذي يحمل رنة السلطة:

"تفضل..."

​دلف الضابط أندرو وأدى التحية باحترام عسكري قائلًا:

"أيها القائد يلسر، المدير يطلب رؤيتك الآن لأمر في غاية الأهمية."

​رفع يلسر بصره ببرود وهدوء كعادته، وأجاب باقتضاب:

"حسناً يا أندرو، يمكنك الانصراف."

"أمرك أيها القائد."

​نهض يلسر بعد أن تأكد من إيداع أوراقه في الخزانة الحصينة، واتجه صوب مكتب المدير. طرق الباب خفة، فأتاه الإذن بالدخول. تقدم بخطوات ثابتة وأدى التحية العسكرية، ثم استهل الحديث بجدية وثقة:

"فيمَ طلبتني يا سيدي؟"

​أجاب المدير بنبرة حازمة وآمرة:

"اجلس أولاً، أيها القائد يلسر."

​امتثل يلسر وجلس في ترقب منتبه، ليبدأ المدير حديثه بهدوء مريب:

"قائد يلسر، أنت تعلم يقيناً أنني أضع ثقتي الكاملة بك، أليس كذلك؟"

​ارتسمت على ثغر يلسر ابتسامة جانبية ساخرة، وأجاب بجرأة نادرة:

"أنت لا تثق بي يا سيدي؛ بل أنت تستغل موهبتي لتحقيق مصالحك الشخصية والتقرب من الملك. لذا، دعنا نصحح العبارة: أنت تثق في كفاءتي لأنك تعلم أنها الجسر الذي سيوصلك إلى مآربك!"

​احمرّ وجه المدير من شدة الغضب، وصاح بعصبية وهو يضرب الطاولة:

"اصمت! قائد يلسر، لا تتجاوز حدودك معي! لم أستدعِكَ إلى هنا لتوّجه لي الإهانات، بل لأبلغك بأمرٍ ملكي مباشر.. هل فهمت؟"

​ارتفع حاجب يلسر بتعجب ممزوج بالاستنكار:

" أمر ملكي ؟؟  وماذا يريد الملك مني؟"

​استعاد المدير هدوءه تدريجياً، وقال بحدة:

" أنصت جيداً.. لقد كلفك الملك بمهمة بالغة الخطورة، وقد أصرّ

على أنك الوحيد القادر على إنجازها."

​تساءل يلسر بفضولٍ متزايد:

"وأي مهمة هذه التي تتحدث عنها؟"

​ابتسم المدير بمكرٍ شديد، وبريق غامض يلمع في عينيه وهو يقول:

"إنها مهمة مستحيلة يا يلسر..

وربما تكون رحلتك الأخيرة التي لن تعود منها أبداً يا عزيزي! "

_______________________

في بقعةٍ أخرى من العالم، تقع دولة "رسلاي"، وهي دولة صغيرة جداً وهادئة، تمتاز بطبيعتها البسيطة والسكينة التي تعمّ أرجاءها.

ورغم صغر حجمها، إلا أنها تُعرف بجمالها الرقيق الذي يبعث الراحة في النفوس، حيث يعيش أهلها حياةً مسالمة هادئة يملؤها المودة والحب

وفي مكانٍ ما في الدولة وقفت أمامهنّ والذهول يكسو ملامح وجهها، تحاول جاهدة استيعاب كيف انتهى بها المطاف في هذا المكان.!!

فمنذ ثوانٍ معدودة، كانت غارقة في عهد المحبة مع فراشها العزيز، والآن تجد نفسها هنا، وبملابس النوم!

​نظرت إلى هندامها بحنق وخجل؛ كانت ترتدي قميصاً أحمر وبنطالاً أزرق لا علاقة لهما بالأناقة.

عاودت النظر إليهنّ ببلاهة، لتبادلها الحشود النظرات ذاتها. كان الجمع مزيجاً من النساء؛ متزوجات، وفتيات مراهقات، ونساء طاعنات في السن، يقفن جميعاً في ترقبٍ لحديثها.

وحين بحثت عن صديقاتها، وجدتهنّ يكتمن ضحكاتهنّ بصعوبة، فزفرت بضيق هامسة في نفسها بغيظ:

​"رائع حقاً! هنّ يستمتعن بالضحك، وأنا أقف هنا كالمعتوهة لا أدري ماذا أفعل!"

​قطع صمتها صوت امرأة عجوز هتفت بضيق:

"ما الخطب يا دكتورة؟ أتودين إبقاءنا واقفات كالمذنبين؟ ابدئي بما جئتِ لأجله، وإلا انصرفنا لشؤوننا!"

​تعالت أصوات التأييد من الجميع، فهتفت هي بكلمات متلاحقة، وقلبها يتوق للعودة إلى دفء سريرها:

"اهدأن.. سأبدأ الآن. فليصطف الجميع بانتظام!"

​امتثلن لأمرها، فعدلت من وقفتها تحاول استحضار أي حركة رياضية، لكن عقلها لم يجد سوى فكرة في غاية السخف.

وضعت يديها على خصرها، وبدأت تميل يميناً ويساراً وهي تردد ببلاهة:

"الأطفال الحلوين.. من بدري صاحيين.. بالصحة والقوة.. للتمرين رايحين.. أوه! هيا بسرعة افعلوا مثلي وغنوا معي!"

​خيم الذهول للحظات، وما إن انتهت من كلماتها حتى وضعت النساء أيديهن على خصورهن، وبدأن يملن يميناً ويساراً وهن يغنين بآلية مضحكة:

" الأطفال الحلوين.. من بدري صاحيين.. بالصحة والقوة.. للتمرين رايحين!"

​صاحت فجأة بنبرة عالية:

"حسناً، انتهى التمرين الأول!"

​توقفن عن الحركة، لتردف بصوت جهوري:

"التمرين الثاني..."

​رفعت يديها بمحاذاة صدرها، وبدأت تحرك خصرها يميناً ويساراً مع يديها، وهي تغني بغباء مع كل حركة:

"واحد (لليمين).. اثنان (لليسار).. ثلاثة، أربعة.. أوه! ولا واحد ولا مئة، ولا ألف وثلاثمئة، ولا كل الدنيا هذه.. ولا ولا مليون!".

​انخرط الجميع في الحركة والنشيد خلفها بحماس غريب:

"واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة.. ولا واحد ولا مئة، ولا ألف وثلاثمئة، ولا كل الدنيا هذه.. ولا ولا مليون!"

​وبعد نصف ساعة من العبث، صرخت بملل:

"كفى! انتهت التمارين!"

​اتجهت نحو صديقاتها، وما إن وقفت أمامهن حتى انفجرن في نوبة ضحك هيستيرية. هتفت شمس من بين ضحكاتها الساخرة:

"يا إلهي! ما هذه الأناقة يا فتاة؟ حتى 'إسماعيل ياسين' في أوج مجده لم يصل لهذه الشياكة!"

ثم استطردت تالا بلهجة ساخرة وهي لا تزال تكافح نوبات ضحكها على مظهر صديقتها المثير للشفقة:

"يا للروعة يا ريحانة! التناغم بين الأحمر والأزرق يفوق الوصف حقاً!"

​ولم تلبث فيروز أن أنهت الحديث بضحكة متهكمة قائلة:

"لا يا تالا، يبدو أنكِ لم تلحظي تلك الرسوم الكرتونية البديعة التي تزين ملابسها!"

​وما إن أتممن كلماتهن حتى غرقن في موجة عارمة من الضحك مجدداً. أما ريحانة، فكانت ترمقهن بنظرات تشتعل غيظاً وحنقاً، قبل أن تنفجر فيهنّ بعصبية:

"وما الخطب يا سيدة شمس؟ أناقة 'إسماعيل ياسين' كانت أيقونة في عالم الكوميديا!

ثانياً، ما المشكلة في دمج الأحمر والأزرق؟ إنها قمة الحداثة!

أما أنتِ يا عبقرية زمانك يا فيروز، فجهلكِ هو ما يمنعكِ من معرفة أن هذه الرسوم تخص 'أبطال الكرة الفرسان'.. يا لكنّ من جاهلات!

أنا خسارة في هذا الوسط؛ لا أدري ما الذي دفعني للتفلسف ودخول كلية العلاج الطبيعي؟ كان الأجدر بي أن أتزوج وأجلس بجوار والدتي معززة مكرمة.. أنا أصلاً لم أحظَ بتربية سوية، ولو أنني..."

​قاطعت شمس ثرثرتها المعتادة بحنق، وصاحت بها:

— "كفى! ما بال هذا السيل من الكلمات لا يتوقف؟ هل ابتلعتِ مذياعاً وهو الذي يتحدث بداخلكِ؟ أريني!"

​أمسكت شمس بفكها وفتحت فمها بقوة، ثم أخذت تتفحصه بتعجب مصطنع قائلة:

"يا للهول يا تالا! لا يوجد مذياع بالداخل!"

​ردت تالا بدهشة مصطنعة وهي ترفع حاجبيها استنكاراً:

"يا للسماء! أيعقل أن الفتاة هي التي تحولت إلى مذياع بشري؟"

​دفعتهم ريحانة بعيداً عنها بحنق، وزفرت بضيق وعصبية بالغة:

"تباً لكم جميعاً! الحديث معكم لا يجدي نفعاً. أنا راحلة على أية حال، ولن أبقى أمام وجوهكم العبوسة هذه.. أوف يا ربي!"

​أنهت كلماتها وانسحبت من أمامهن بغيظ، بينما تبادلت الصديقات نظرات بلهناء قبل أن ينفجرن في الضحك من جديد.

لكن الضحك توقف فجأة حين سمعن خلفهن صوت "القنبلة النووية" الثانية بعد ريحانة. زفرن الهواء بقوة محاولات تهدئة أعصابهن قبل أن يرتكبن جريمة، حين سمعنها تقول ببرود تام:

"ما الذي حدث ؟ هل وصلتُ متأخرة عن التمرين؟ لا بأس، فأنا في الأصل لم أكن أرغب في القدوم."

​التفتت شمس والبقية نحوها، لتردف شمس بنبرة مفعمة بحبّ مصطنع:

"أهلاً بحبيبة قلبي الغالية.. كم افتقدناكِ!"

زفرت بضيق وحسرة وهي ترمقهن بنظرات حارقة:

"أجل، أجل.. أنا أعلم تماماً مدى حبكنّ لي، والدليل هو ذلك الموقد الذي جعلتموه يشتعل بي!"

​صمتت لبرهة، ثم انفجرت فيهنّ بعصبية وصوتٍ رعدي هزّ الأرجاء:

"اسمعوا يا فتيات، إن ظننتم أن هذه المقالب الصبيانية ستنال مني أو تجعلني أذرف الدموع استجداءً لرحمتكنّ، فأنتنّ واهمات!

لست أنا 'مياسين عبد المعبود' التي ينال منها حفنة من الصغار بمقالب حمقاء. أقسم لكم بكل غالٍ، سأريكم المقالب الحقيقية، تلك التي ستجعل كل واحدة منكنّ تشتعل غيظاً من نفسها.

وسأجعلنكنّ تتوسلن إليّ كي أترككنّ وشأنكنّ.. فليصطف الجميع الآن في وضع الاستعداد.. هيااا ! "

​امتثلن جميعاً للأمر في لمحة بصر، واصطففن بانتظام وهنّ ينظرن إليها بمزيج من الحنق والغيظ، لكن الخوف كان الطاغي على ملامحهنّ. فمن في هذا المكان لا يعرف "مياسين عبد المعبود"؟

تلك القنبلة النووية التي لو أُطلقت في العالم لتسبب في دماره، ولا يملك كائن من كان إخماد شرارتها؛ خاصةً إذا ما اتحدّت هذه القنبلة مع أخرى تماثلها قوةً وفتكاً، وهي بالطبع "ريحانة".

إن اجتماعهما معاً يعني بلا شك "نهاية العالم"، ولذا كنّ يبذلن قصارى جهدهنّ لإبقاء هاتين الشحنتين المتفجرتين بعيداً عن بعضهما البعض.

​نظرت إليها تالا بخوفٍ مستتر، وحاولت استعطافها بتأثرٍ مصطنع قائلة:

"أهكذا يا 'ميسو'؟ خاب ظني بكِ! لقد كنا نحاول الترويح عنكِ فحسب، فبعد أسبوعٍ قضيتِه في حزن وكآبة، قلنا في أنفسنا لنمنحها بعض المرح.. أليس كذلك يا 'روز'؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأسيرة والمُحتل   7: بدأ عشقي لمُحتل

    جثا يلسر على ركبتيه على الأرض ، ورفع رأس ريحانة ليضعها فوق قدمه بحرص وكأنها قطعة من الماس يخشى كسرها. صرخ بنبرة ارتجف لها الجميع من فرط القلق وهو يضرب وجنتيها برفق : " أيتها السمراء.. استيقظي من فضلك، هيا!" ثم التفت للخلف زافراً بغضب وصياح في جنوده : "أحضروا الماء.. أسرعوا!" ​هرول الضابط بذهول، فلم يسبق له أن رأى قائده بهذا الذعر من أجل "رهينة"، وعاد بقارورة الماء ليتلقفها يلسر منه وينثر قطرات باردة على وجهها الأسمر الرقيق. ​تململت ريحانة، ورمشت عيناها عدة مرات قبل أن تفتحهما بتعب، لتجد تلك العيون الزرقاء غارقة في بحر من الخوف والقلق فوق رأسها مباشرة. في تلك اللحظة، لم يدرك يلسر أن قلبه المتمرد قد أعلن استسلامه، وأن كل مشاعر العالم قد تكثفت في صدره لأجل هذه الفتاة التي ظهرت في حياته منذ ساعات فقط. ​تاهت ريحانة في زرقة عينيه، وارتسمت على ثغرها ابتسامة واهنة لم تفهم سرها؛ فالدقائق المعدودة التي قضتها معه أنبتت في قلبها بذرة حب بدأت تنمو بسرعة مخيفة. ​تنفست الصعداء حين رأى وعيها يعود، وقال بنبرة هادئة حملت راحة حقيقية: "جيد أنكِ بخير.. لقد أُصبْتُ بذعر حقيقي عندما رأيتكِ تس

  • الأسيرة والمُحتل   6: دهاء الملك ومكر القائد

    ​ساد صمت مرعب، قطعته كلمات يلسر التي استمرت بجدية: "سنعيدهنّ إليكم بعد انقضاء الأيام الثلاثة ليعرف الجميع أن الاحتلال قد تم بشروطنا. أعدكم، وهذا وعد شرف مني، أن الفتيات سيعُدن سالمات ولن يمسهنّ سوء. أما إذا رفضتم هذا الشرط، فسيتم تدمير الدولة عن بكرة أبيها، ولن نرحم أحداً.. والآن، اتخذوا قراركم." ​انفجرت الساحات بالهمسات المحتقنة والمشاورات الساخنة في كل محافظة وقرية. وفي قرية**** حيث تجلس ريحانة وقلبها يكاد يتوقف من الصدمة، انتهت المشاورات أخيراً. ​وقف رجل من كبار القرية، بملامح جامدة وصوتٍ جهوري سمعه الجميع عبر أجهزة الترجمة والنقل، وقال بثقة هزت أركان المكان: ​ "لقد قررنا.. ونحن نعلن قرارنا أمام الجميع الآن:.." حبس الجميع أنفاسهم، وصار وقع نبضات القلوب مسموعاً وسط ذلك السكون الموحش، حتى نطق الرجل بكلماتٍ خرجت كأنها جمرٌ يحرق الحناجر: ​ "لقد قررنا.. ونحن نعلن قرارنا أمام الجميع الآن: نحن موافقون على شروطك أيها القائد.. خذ فتياتنا لثلاثة أيام، ولكن تذكر وعدك جيداً، إذا مسست شعرة واحدة منهن، فلن تجد في هذه الأرض إلا مقبرة لجنودك!" ​نزلت الكلمات على الفتيات كالصاعقة، وتعالت صر

  • الأسيرة والمُحتل   5: فتاة ثرثاره مزعجه

    ثم انفجرت فيه بضيق وحنق لم يعهدهما في حياته العسكرية: "أنا ألعب.. أتريد أن تأتي لتلعب معي؟!" ثم أكملت بغضب طفولي: "يا سيد، ما شأنك بي؟ من دون كل هذه الجموع من الفتيات، تركت الجميع وركزت معي أنا فقط؟ يا له من حظٍ عاثر! ربي.. أنت ومعدتي عليّ في وقت واحد؟ لم تجد هذه المعدة المتخلفة وقتاً لتعلن جوعها إلا الآن؟ وبعد ذلك، لماذا تتدخل أنت يا سيد الاحتلال؟ حقاً.. لماذا يحشر الناس أنوفهم في حياة الآخرين؟ فليترك كل واحد غيره في حاله، أنا مثلاً كان من الممكن أن يحدث معي..."​قاطع ثرثرتها التي انطلقت كالسيل، وهتف بعصبية وصوتٍ جهوري:"اصمتي أيتها السمراء!"​شهقت ريحانة بخضة، ووضعت يدها على صدرها وهي تردف بتأثر وحزن مصطنع:"سمراء؟ أنا في النهاية يُقال لي سمراء؟ أم أنك لأنك تعيش وسط فتيات شاحبات البياض تأتي لتتكبر علينا؟ أنتم جميعاً لستم سوى بقع من الطلاء الأبيض لا قيمة لها! وهل هناك أصلاً جمال يضاهي جمال الفتيات السمراوات؟ السمار هو نصف الجمال يا مَن تُشبه ' الطلاء الأبيض ' أنت! وبعد ذلك، من أنت أصلاً لتقول لي هذا يا صاحب العينين الزرقاوين؟ هذا الـ...".​زفر يلسر بعصبية وغضب، وصرخ فيها وهو يشعر ب

  • الأسيرة والمُحتل   4: صافرة البداية

    "ستظلون هنا دون حراك.. ابقوا في أماكنكم حتى ينهي قائدنا تفتيش باقي المناطق ويأتي إلى هنا بنفسه."انتهى يلسر من جولته المرهقة التي استمرت أربع ساعات كاملة، مرّ خلالها على كل بقعة في البلاد، يلقي ذات الكلمات الباردة ويمضي، حتى وصل أخيراً إلى قرية ***​توجه إلى تجمع الرجال أولاً، وضع سماعة الترجمة المتطورة على أذنه، ثم زفر بملل وضيق قبل أن يرتدي قناع الجدية المصطنعة ويهتف:​ "أصغوا إليّ جميعاً.. أنا القائد المسؤول عن هذه المهمة.وبالتأكيد تعلمون سبب تواجدنا هنا؛ ديونكم المتراكمة هي التي أتت بنا."​تابع بنبرة حادة طفيفة:"نحن لن نؤذيكم. في الحقيقة، لا أدري لِمَ أمرنا الملك باحتلالكم ونحن لن نجني منكم فائدة تذكر، لكننا لن نمسكم بسوء. لم نعد نعيش في العصور الحجرية؛ نحن الآن دول متقدمة تؤمن بأن الحرية حق للجميع، وأن الاستبداد والاضطهاد ليسا من أسلوبنا .لا يهمنا إن كنتم مسلمين أو مسيحيين أو حتى بلا ديانة، فلكل شخص معتقداته.لكن، اسمعوا وعوا.. إن شعرتُ بأي بادرة غدر منكم، أعدكم بأنني سأتخلى عن كل هذه المبادئ التي ذكرتها، وسأؤذيكم بأبشع الطرق الممكنة.. هل فهمتم؟"​ساد الوجوم للحظة قبل أن تتعا

  • الأسيرة والمُحتل   3: احتلال

    تقدم يلسر بخطوات واثقة يتردد صداها في الردهة، طرق الباب ودلف ليقف أمام المدير بهيبته المعتادة. رمقه المدير بنظرة ملؤها الضيق والتوتر، ثم هتف بنبرة حادة:"استمع إليّ جيداً يا يلسر.. لقد وافق الملك على شرطك، وهو الآن ينتظر منك البدء في تنفيذ المهمة في أسرع وقت ممكن!"​اتسعت عينا يلسر بذهول تام، وتجمدت ملامحه للحظات وكأن صاعقة قد هبطت عليه، وصاح بنبرة لم تخلُ من عدم التصديق:"ماذا؟! هل تمزح معي؟ أوافق الملك حقاً على ذاك الشرط؟ يا إلهي.. ما الذي يحدث في هذا العالم؟ لا أستطيع استيعاب الأمر حقاً!"​زفر المدير بملل وضيق وكأنه يود إنهاء هذا اللقاء بأي ثمن:"نعم يا عزيزي، عليك أن تُصدق الواقع وتتقبله. والآن، انصرف إلى عملك فوراً، فلدى كل منا مهام كثيرة يجب إنجازها."​رمقه يلسر بنظرة أخيرة شابتها الحيرة والدهشة، ثم غادر الغرفة بخطوات متسارعة، وعقله يدور كالمحرك؛ فقد حان الوقت لإتمام تجهيزات المهمة الأغرب في تاريخه العسكري!!!!!___^____^____^في صباح يوم الخميس، خيّم ترقبٌ ثقيل على أرجاء دولة "رسلاي". احتشدت جموع الصحفيين أمام القصر الرئاسي، ينصبون كاميراتهم ويوجهون ميكروفوناتهم نحو المنصة، بان

  • الأسيرة والمُحتل   2: شرارة حرب

    أردفت فيروز بتأييد لم يخلُ من نبرة الخوف:"بالطبع، بالطبع.. تالا محقة تماماً فيما قالت!"​هنا، تبدلت ملامح مياسين فجأة، وظهر عليها التأثر الشديد والحسرة وهي تقول:"في الحقيقة.. لقد كنتُ حزينة وكئيبة طوال الأيام الماضية، وكل ذلك بسبب 'دوكي'!"​رددن جميعاً بصوت واحد يملؤه الاستنكار والتعجب:"'دوكي'..؟! ومن يكون هذا؟"​أجابت ببساطة متناهية وكأنها تتحدث عن أمر بديهي:"أجل، 'دوكي'.. حبي الأول والأخير!"​تنهدت بحزن عميق لثوانٍ، قبل أن تتحول ملامحها فجأة إلى قطة شرسة مستعدة للهجوم، وهتفت بهنّ:"اسمعي أنتِ وهي.. سأرحل الآن، لكن عقابكنّ لم ينتهِ بعد. لا تقلقن، ستنلن جزاءكنّ لا محالة، والأيام بيننا.. وداعاً!"​انصرفت من أمامهن بخطوات غاضبة، بينما ظلت النسوة يرقبن أثرها بخوف وتوجس مما يخبئه القدر لهنّ على يدها. حينها، قالت شمس بنبرة يائسة:— "لقد كان يوماً أسود ذلك الذي صادقناها فيه، وجاءت لتسكن في قريتنا!"​ولم يكن من الجميع إلا أن هزوا رؤوسهم بالموافقة، مؤيدين كلامها بقلوب ملؤها الحسرة_____________________في صباح اليوم التالي بزغت خيوط الشمس الأولى لتعلن بداية يوم جديد، بينما كان هو لا يزال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status