LOGINثم انفجرت فيه بضيق وحنق لم يعهدهما في حياته :
"أنا ألعب.. أتريد أن تأتي لتلعب معي؟!" ثم أكملت بغضب طفولي: "يا سيد، ما شأنك بي؟ من دون كل هذه الجموع من الفتيات، تركت الجميع وركزت معي أنا فقط؟ يا له من حظٍ عاثر! ربي.. أنت ومعدتي عليّ في وقت واحد؟ لم تجد هذه المعدة المتخلفة وقتاً لتعلن جوعها إلا الآن؟ وبعد ذلك، لماذا تتدخل أنت يا سيد الاحتلال؟ حقاً.. لماذا يحشر الناس أنوفهم في حياة الآخرين؟ فليترك كل واحد غيره في حاله، أنا مثلاً كان من الممكن أن يحدث معي..." قاطع ثرثرتها التي انطلقت كالسيل، وهتف بعصبية وصوتٍ جهوري: "اصمتي أيتها السمراء!" شهقت ريحانة بخضة، ووضعت يدها على صدرها وهي تردف بتأثر وحزن مصطنع: "سمراء؟ أنا في النهاية يُقال لي سمراء؟ أم أنك لأنك تعيش وسط فتيات شاحبات البياض تأتي لتتكبر علينا؟ أنتم جميعاً لستم سوى بقع من الطلاء الأبيض لا قيمة لها! وهل هناك أصلاً جمال يضاهي جمال الفتيات السمراوات؟ السمار هو نصف الجمال يا مَن تُشبه ' الطلاء الأبيض ' أنت! وبعد ذلك، من أنت أصلاً لتقول لي هذا يا صاحب العينين الزرقاوين؟ هذا الـ...". زفر يلسر بعصبية وغضب، وصرخ فيها وهو يشعر بأن طبلة أذنه على وشك الانفجار: "اصمتي! توقفي عن الثرثرة فوراً!" وضع يده على جبهته بألم، وشعر بصداع فظيع يغزو رأسه؛ فهذه الفتاة تمتلك قدرة عجيبة على الحديث المتواصل دون أن تأخذ نَفساً واحداً. في تلك الأثناء، مالت شمس نحو مياسين وهمست لها بذهول: "يا إلهي.. انظري إليه! لقد أكلت الفتاة دماغه بحديثها. ريحانة تملك رأساً من صفيح، تظل تثرثر لساعات ولا تشعر بالصداع أبداً!" ضحكت مياسين بخفة وهي تحاول كبت ضحكاتها بصعوبة، وهمست لشمس: — "ريحانة هذه سلاح ذو حدين! لو تركناها معهم لساعة أخرى، سيفرون من الدولة بأكملها.. بل سيهربون من كوكب الأرض نفسه!" تبادلتا الضحكات الخافتة، بينما كان يلسر يقف والضيق قد بلغ منه مبلغه، وصبره العسكري الذي صمد في أعتى المعارك قد بدأ يتهاوى أمام هذه الفتاة. زفر بضيق ونفاد صبر وسألها: "في النهاية.. ماذا تريدين أيتها المزعجة؟" شهقت ريحانة شهقة مصطنعة ومسرحية رداً على سؤاله: "يا إلهي انظر إليه ! منذ ساعة وأنا أردد أنني أريد الطعام، أنني جائعة، أحضر لي طعاماً! صحيح.. العيب فيّ أنا لأنني لم أتربَّى جيداً، فلو كنتُ متربيّة لكنتُ أكلت في منزلي قبل الخروج.. ها؟ لا انتظر لحظة، أنا متربية جداً لكن بطني هي التي تفتقر للتربي ، للأسف لم أعرف كيف أؤدبها! في المرة القادمة سأربيها جيداً حتى لا تفضحني هكذا.. أنا أصلاً لا أعرف كيف..." قاطعها يلسر صارخاً بصوتٍ زلزل القاعة من فرط الصداع: "اصمتي أيتها الثرثارة! هيا.. اذهبي للخارج فوراً.. هياااا!" انتفضت ريحانة من مكانها بخضة وخوف حقيقي هذه المرة، وبدأت تسبّه في سرها وهي تلملم شتات نفسها لتخرج، لكنها توقفت فجأة قبل أن تغادر الباب. استدارت ونظرت إليه بتلك "نظرة القطط المدللة" التي تذيب الصخر، وأردفت بنبرة استعطاف تجعل القاسي يلين: " امم.... هل يمكن للجميلة مياسين أن تأتي معي؟ حرام.. الفتاه كانت تشعر بالجوع هي الأخرى، ما رأيك لو أحضرتها لتأكل معي؟ أليس كذلك يا مياسين؟" وقف يلسر مشدوهاً، ينظر إلى هذه الفتاة التي كانت تهاجمه منذ ثانية والآن تتودد إليه لتأخذ صديقتها معها !!!! نظرت مياسين إلى يلسر الذي رمقها بنظرة حادة، فانتفضت رعباً وهتفت بسرعة: — "والله يا سيدي.... أنا أصلاً لا أعرفها، هذه أول مرة أراها في حياتي!" زفرت ريحانة بحنق ورمقتها بنظرة نارية: "خائنة!" ابتسم يلسر باستفزاز وقد أعجبه موقف صديقتها، ثم أردف بنبرة أمر حازمة لا تقبل النقاش: "إلى الخارج.. فوراً!" ردت ريحانة وهي تحاول استجماع شتات نفسها: "حسناً أنا أخرج فلا تضايق نفسك هكذا.." هرولت مسرعة إلى الخارج وكأنها تهرب من حريق، بينما كتم يلسر ضحكته بصعوبة بالغة على طريقتها العفوية في الهرب. خرج خلفها مباشرة، ليجدها واقفة بانتظاره، فوقف أمامها وعقد ساعديه إلى صدره بوقار القادة، ثم سألها بابتسامة مستفزة: "ها.. أين الطعام إذن؟" ابتسمت له ببلاهة تامة وقالت: "في الثلاجة!" زفر بضيق ونفاد صبر: "وأين هي هذه الثلاجة؟" ردت بغباء وبلاهة فطرية: "في المنزل طبعاً!" هنا فقد يلسر أعصابه وهتف بعصبية: " وأين هو منزلكِ أيتها الفتاة المزعجة ؟!" نظرت إليه بخوف من صوته الجهوري، ثم استعادت بلاهتها وقالت وهي تشير بيدها: "حسناً.. تعال خلفي!" مشى يلسر خلفها وهو يزفر بضيق، يتمتم بكلمات خافتة: "يا إلهي.. ارزقني الصبر على ما ابتليتني به!" وصلت ريحانة إلى أمام منزلها، ثم استدارت نحوه ورفعت إصبعها بنبرة آمرة لا تقبل الجدل: "هذا هو منزلي.. سأدخل الآن لأحضر الطعام وأتناوله في الداخل، " "أما أنت ستنتظرني هنا بالخارج، لا تدخل معي.. حسناً ؟ " تسمر يلسر في مكانه، ولأول مرة غابت عنه مكانته كقائد وهو يتوه في ملامحها العفوية، ليرد بسرحانٍ لم يعهده في نفسه: "حسناً.." هرولت هي للداخل بسرعة البرق، وبقي هو واقفاً لثوانٍ يحدق في أثرها باستغراب، قبل أن يستفيق لنفسه وهتف بتعجب وتساؤل : "هل كانت تأمرني للتو؟ انتظر يا يلسر.. هل استمعت لها فعلاً ووافقت على طلبها بهذه السهولة؟ ما الذي يحدث لي؟" لم يحتمل الانتظار، فدخل خلفها مسرعاً ليجدها جالسة تلتهم الطعام بشراهة وكأنها لم تأكل منذ قرن. تاهت نظراته فيها للمرة الثانية، فبدأ يوبخ نفسه بغضب داخلي: "هيا أفق يا يلسر! ما الذي دهاك؟ كيف تجعل هذه الفتاة تسلب هذه الفتاة عقلك وتجعلك تنفذ أوامرها كالمسحور؟!" رفعت ريحانة رأسها فجأة لتجده يقف أمامها، فانتفضت بخضة وشهقة مسرحية: "يا إلهي! لقد أفزعتني وقطعت لي الخَلَف! تخيل عندما أكبر وأتزوج ولا أنجب، وآتي لأقول لأطفالي الذين لن يأتوا أصلاً أن 'شاب بعينين زرقاء' هو السبب! أليست هذه عيبة في حقك؟ ومع ذلك، ألا تعرف أن..." زفر يلسر بعصبية وصوت هزّ جدران المنزل الصغير: "اصمتي أيتها الثرثارة !" صمتت على مضض، ورمقته بنظرة تذمر وحنق، ثم نهضت ونفضت يديها، ووقفت أمامه بلامبالاة مصطنعة وهي تقول: "لقد انتهيتُ من الأكل.. هيا، خلفي!" سار يلسر خلفها مرة أخرى وهو يكاد يجن؛ فمن المفترض أنه القائد الذي يحتل البلاد، لكنه يجد نفسه الآن "محتلاً" من قِبل فتاة لا تتوقف عن الكلام وتعامله كأنه حارسها الشخصي! سار يلسر خلفها بخطواته العسكرية الرزينة حتى وصلا إلى الساحة الكبرى، حيث عادت ريحانة لتجلس في مكانها بين الفتيات وكأن شيئاً لم يكن. أما هو، فقد اعتلى منصة مرتفعة، وأصدر أمراً عبر أجهزة اللاسلكي لجميع الضباط المنتشرين في أرجاء الدولة بفتح مكبرات الصوت؛ لتصل كلماته في لحظة واحدة إلى كل أذن في "رسلاي". تنفس يلسر بعمق، وبدأ يتحدث بنبرة يغلفها المكر والهدوء، بعد تلك المكالمة العاصفة التي أجراها مع الملك: "أصغوا إليّ جيداً.. لقد قررنا الرحيل عن أرضكم، ولكن بشرط واحد. فالعالم أجمع يعلم أننا خرجنا في حملة لاحتلال دولة عربية، وإن عدنا الآن خالي الوفاض فستتضرر سمعة جيشنا ومكانة ملكنا. لذا، صدرت الأوامر الملكية بأخذ جميع فتيات هذه الدولة.. الفتيات فقط، لمدة أسبوع من وصولنا لدولة فلاجليتا "عند الملك...دخل إلى الغرفة بخطواتٍ هادئة تحمل هيبةً مخيفة، بينما وقف الحراس خلفه بصمتٍ تام وما إن وقعت عيناه على الفتيات حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة جانبية ماكرة.كانت الفتيات متجمّعات بجانب بعضهن، يضممن أنفسهن بخوفٍ واضح، بينما ارتجفت بعض الأيدي من شدّة التوتر.أمّا هو، فكان ينظر إليهن وكأنه يستمتع بذلك الخوف المرتسم فوق وجوههن ثم قال بصوتٍ هادئ أثار الرعب داخل قلوبهن أكثر:"أهلًا... أهلًا بكنّ في قصري ودولتي أيتها الفتيات الجميلات."واقترب منهن ببطء، قبل أن يجلس على إحدى ركبتيه أمامهن، ثم قال وهو يتأمل وجوههن بمكر:"حقًا....حقاَ..... أنتنّ جميلات للغاية."لتردف إحدى الفتيات بصوتٍ مرتجف من الخوف:"نحن... نريد المغادرة من هنا "عقد حاجبيه بعدم فهم، ليشير بيده ببرود وخلال ثوانٍ، اقترب مساعده وأعطاه سماعة الترجمة وارتداها ببطء، ثم نظر إلى الفتاة مجددًا بابتسامة خبيثة:"هيا... أعيدي ما قلتِ يا جميلة " ابتلعت الفتاة ريقها بتوتر، لكنها تمسكت بشجاعتها وقالت:"قلتُ إننا نريد الرحيل، ولن نبقى هنا."ثم أكملت بغضبٍ خائف:"وأنتم بذلك خالفتم العهد."هزّ رأسه نافيًا، بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتس
تخرج ريحانة من القاعة بسرعة، بينما كانت دموعها تنهمر فوق وجنتيها دون توقف. شعرت أن كلمات يلسر ما تزال تتردد داخل رأسها بقسوة، وكأنها سهامٌ تخترق قلبها مرارًا. كانت تتنفس بصعوبة، بينما الألم داخل صدرها يزداد أكثر فأكثر، حتى شعرت وكأن قلبها لم يعد قادرًا على التحمّل. خرجت إلى الشارع الخارجي للحفل، ثم جلست فوق الرصيف ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها...بدت تائهة تمامًا...لا تسمع شيئًا حولها، ولا تشعر بمن يمرّ بجانبها. فقط أفكارها المؤلمة كانت تلتهمها من الداخل. كيف وثقت به بهذه السرعة؟ وكيف سمحت لقلبها أن يقترب منه أصلًا؟ وضعت يدها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها، لكن دموعها استمرت بالانهمار رغمًا عنها. وفجأة...شعرت بيدٍ دافئة تُوضع فوق كتفها. انتفض جسدها بفزع، ثم أبعدت اليد بسرعة ونهضت من مكانها بتوتر، لتجد سليم يقف أمامها. تغيّرت ملامحها فور رؤيته، وامتلأت عيناها بالنفور والغضب مسحت دموعها بسرعةٍ محاولة إخفاء ضعفها أمامه، ثم قالت بحدّة: "ماذا تريد يا سليم؟! ألا تستطيع تركي وشأني؟" ابتسم سليم ابتسامة خبيثة، بينما كانت عيناه تتفحصانها بطريقةٍ جعلتها تشعر بالاشمئزاز. ثم
"خطيبته...؟"ترددت الكلمة داخل عقل ريحانة مرارًا، وكأنها صدى مؤلم يضرب قلبها بلا رحمة.ماذا تعني هذه المرأة بكلامها؟هل هي خطيبته حقًا؟ولماذا... لماذا لم يخبرها؟بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها بعنفٍ حتى شعرت أنها تكاد تختنق منها.هل كان يسخر منها طوال الوقت؟هل كان يستمتع برؤيتها تتعلق به بينما توجد امرأة أخرى في حياته؟وإن كان يملك خطيبة بالفعل... فلماذا عاملها بتلك الطريقة المختلفة؟لماذا نظر إليها بذلك العشق؟ولماذا جعلها تشعر أنها مميزة لديه؟شعرت فجأة أنها كانت واهمة واهمة لدرجةٍ مؤلمة.بدأت ضربات قلبها تتسارع بعنف، بينما تجمعت الدموع داخل عينيها العسليتين تدريجيًا حتى أصبحت رؤيتها مشوشة.ثم رفعت عينيها نحوه أخيرًا لكن نظراتها هذه المرة لم تكن خجولة أو مرتبكة كالمعتاد...بل كانت ممتلئة بالغضب والخذلان والألم.وكأن قلبها يتمزق أمامه قطعةً قطعة خرجت منها كلمة واحدة فقط، لكنها كانت مليئة بكل ذلك الوجع:"لماذا؟"نظر إليها يلسر باستغرابٍ واضح، وقد عقد حاجبيه بعدم فهم:"ماذا تقولين يا ريحانة؟ لا أفهمكِ."لكن كلماته لم تُهدّئها أبدًا بل جعلت ألمها يزداد أكثر لتنهمر دموعها أخيرًا فوق خد
ليتوقفا في منتصف القاعة بين الأزواج الذين يرقصون على أنغام الموسيقى الهادئة.وما إن انتبهت ريحانة إلى أنها ما تزال تمسك يده، حتى تركتها بسرعةٍ شديدة، وكأنها أفاقت فجأة على ما تفعله.اشتعل وجهها بحمرة خجلٍ قوية، بينما شعرت بحرارةٍ غريبة تنتشر في أنحاء جسدها كله.حتى قلبها كان يخفق بعنفٍ أربكها.حاولت التظاهر بالهدوء، فبدأت تنظر هنا وهناك بعيدًا عنه، وكأنها تبحث عن أي شيءٍ يشغلها عن النظر إلى عينيه.ثم قالت بتوترٍ واضح، محاولةً تغيير الموضوع:"لِمَ أصبح الجو حارًا هكذا فجأة..؟"ابتسم يلسر فورًا، وقد فهم ارتباكها وخجلها دون أن تقول شيئًا آخر.كانت محاولتها البريئة للهرب من إحراجها لطيفة بصورةٍ جعلت قلبه يلين أكثر.لكنه، رغم سعادته، كان عاجزًا عن تجاهل السؤال الذي ينهش تفكيره منذ قليل.لذلك نظر إليها بجديةٍ حقيقية وقال بصوتٍ هادئ:"لماذا فعلتِ ذلك يا ريحانة؟"رفعت عينيها إليه بتوتر، بينما تابع هو بنبرةٍ ممتلئة بالحيرة:"لماذا اخترتِني أنا؟ وأنتِ تعلمين أنني مجرد مُحتلٍّ لدولتكم."اقترب منها خطوةً صغيرة، ثم أردف بصوتٍ خافت أكثر :"أخبريني يا ريحانة... لا تصمتي."ساد الصمت بينهما للحظات أما
لتتجه ريحانة نحو الخارج بخطواتٍ هادئة، بينما كانت الفتيات يسِرن خلفها في صفّين منتظمين؛ وفي الصفٌّ تتقدمه ريحانة بعدما أصرت جميع الفتيات على ذلك، وكأنهنّ رأين فيها القائدة التي أعادت إليهن شيئًا من الثقة وسط خوفهن، وصفٌّ آخر تتقدمه فتاةٌ أخرى. كانت دقات قلوبهن تتسارع كلما اقتربن من باب الحفل، والخوف يختلط بالتوتر والترقب. وما إن دخلن القاعة حتى خيّم الصمت للحظات. التفتت الأنظار نحوهن دفعةً واحدة كان الحفل ضخمًا بصورةٍ مبهرة؛ أضواء فاخرة، موسيقى هادئة، وأشخاص من مختلف الدول يرتدون أفخم الملابس. رجالٌ يتمتعون بهيبةٍ وأناقة لافتة، ونساءٌ يبدون كأنهن خرجن من مجلاتٍ عالمية، لكن رغم ذلك... خطفت الفتيات الأنظار فور دخولهن. ظهرت الدهشة بوضوح في أعين الحاضرين، خاصة بعدما رأوا كيف تحولت تلك الفساتين إلى تصاميم راقية وفخمة. أما ريحانة... فلم تكن ترى أيًّا من ذلك كانت عيناها تتحركان بين الوجوه بسرعةٍ وتوتر تبحث عنه هو فقط 'مُحتلّ وطنها'ومحتلّ قلبها بطريقةٍ أخافتها رغم مرور أقل من يومين فقط ثم هتفت بشرود : " أين هو ؟ ألن يأتي ؟ " كانت تحاول إقناع نفسها أن ما تشعر به مجرد وهمٍ
نظر بتمعن في عينيها المليئه بالقلق قائلاً بصوت أجش هادئ : " يلسر....اسمي يلسر " نطق بكلماته وكأنه يمنحها مفتاح روحه لأول مرة، جاعلاً من اسمه جسراً يربط بينهما بعيداً عن ألقاب القادة والجنود. استطردت ريحانة بنبرة يملؤها الرجاء وقالت بصدق: "أرجوك يلسر.. اجعلني أرى جُرحك، لا تهمله أكثر." تسمر يلسر في مكانه وهو يراقب بريق القلق في عينيها الواسعتين، كان وقع اسمه "يلسر" على لسانها بنبرتها الرقيقة أشد تأثيراً من كل الهجمات التي واجهها في حياته أومأ لها يلسر بتعب، فخلف هذا الجمود كان هناك رجل يذوب أمام اهتمامها، وقال بصوت خفيض: "حسناً.. تقدّمي خلفي."ثم أعطى أندرو أمراً سرياً بنقل الفتيات لغرف التبديل، وقاد ريحانة إلى غرفة طبية للطوارئ ملحقة بالقصر، تحتوي على أحدث المعدات والمستلزمات. جلس على حافة الفراش وأسند رأسه للأمام بوهن، قائلاً بنبرة يكسوها همٌّ ثقيل: "هيا.. تفضلي، عالجي الجرح." تحركت ريحانة بخفة، وسرعان ما وجدت صندوق الإسعافات وأدوات الجراحة الحديثة. بدأت بتعقيم الجرح أولاً، ثم شرعت في خياطته بتركيزٍ عالٍ. أما هو، ففي غمرة ألمه، كان يغرق في عالم آخر؛ استمتع بلمساتها