Home / الرومانسية / الأشياء التي نجت / الفصل 15: لم يكن القبر فارغًا

Share

الفصل 15: لم يكن القبر فارغًا

Author: Juli
last update publish date: 2026-10-31 18:04:47

لم أذهب إلى المقبرة.

ليس لأن دانيال طلب مني ذلك، بل لأنني بدأت أفهم أن أكثر ما يخيفني في هذه الحكاية ليس الموتى، وإنما الأحياء الذين يقررون من يستحق أن يعيش باسمه الحقيقي.

أوقفت سيارة أجرة أمام مبنى مهجور، ودخلت مقهى صغيرًا في الجهة المقابلة. طلبت قهوة لم أشرب منها رشفة، ثم فتحت الملف الذي أعطاني إياه آدم.

كانت بداخله ثلاث وثائق.

الأولى تقرير المستشفى الخاص بدانيال.

الثانية شهادة وفاة باسمي، تحمل ختمًا رسميًا.

أما الثالثة، فلم تكن وثيقة طبية ولا قانونية.

كانت عقد زواج.

اسمي مكتوب في خانة الزوجة.

واسم دانيال في خانة الزوج.

لكن التاريخ كان قبل سبع سنوات، في اليوم الذي سبق الحريق.

تجمدت أصابعي.

لم يكن هناك شيء في ذاكرتي يشير إلى زواج، ولا إلى توقيع، ولا حتى إلى حفل صغير.

قلبت الصفحة بحثًا عن توقيعي.

وجدته.

كان توقيعي فعلًا.

رن هاتفي.

دانيال.

أجبت دون تحية.

«هل تزوجتني؟»

ساد الصمت.

ثم قال: «من أين حصلتِ على العقد؟»

«هذا ليس جوابًا.»

«نور، اسمعيني...»

«لا. أنت اسمعني. هل كنت زوجتك قبل أن تختفي سبع سنوات؟»

تنفس بصعوبة.

«نعم.»

أغمضت عينيّ.

لم أبكِ. لم أصرخ. شعرت فقط أن شيئًا في داخلي انكسر بهدوء، كأن قلبي تعب حتى من الاعتراض.

قلت: «هل أحببتني؟»

جاء صوته سريعًا، بلا تردد:

«أكثر مما كان ينبغي لي.»

«إذًا لماذا تركتني أعيش كل هذه السنوات وأنا أعتقد أنك مت؟»

لم يجب.

أغلقت الهاتف.

---

بعد عشر دقائق، دخل دانيال المقهى.

عرفني فورًا، لكنه لم يقترب حتى رفعت عينيّ إليه.

جلس قبالتي، وترك بيننا مسافة لم تكن موجودة في أي من لقاءاتنا السابقة.

وضعت عقد الزواج أمامه.

«أريد أن أعرف شيئًا واحدًا. هل كان زواجنا حقيقيًا؟»

نظر إلى الورقة، ثم إليّ.

«كان حقيقيًا بالنسبة لي.»

«وبالنسبة إليّ؟»

«كنتِ أنتِ من طلبتِ الزواج.»

ابتسمت بذهول.

«أنا؟»

«نعم. قلتِ إنك لا تريدين أن تكون علاقتنا سرًا، وإنك لن تنتظري رجلًا يخاف الاعتراف بكِ.»

كان صوته هادئًا، لكن عينيه لم تستطيعا إخفاء الألم.

«في اليوم التالي، اختفيتِ من حياتي. وبعد الحريق، أخبروني أنكِ متِّ.»

«ومن أخبرك؟»

«أخوكِ.»

تذكرت كلام آدم: إذا وجدتِه، لا تخبريه أنني ما زلت حيًا.

قلت: «هل تعرف أين أخي؟»

هز رأسه.

«لا أعرف مكانه الآن. لكنني أعرف لماذا أخفى زواجنا.»

«لماذا؟»

أخرج من جيبه ورقة صغيرة، ووضعها أمامي.

كانت رسالة بخط يدي.

دانيال، إذا حدث لي شيء، لا تحاول أن تعيدني إليك. أريدك أن تعيش، حتى لو اضطررت إلى أن تكرهني.

قرأت الكلمات مرتين.

ثم رفعت رأسي.

«متى كتبت هذه؟»

«قبل اختفائك بيوم.»

«لماذا لم تخبرني عنها؟»

«لأنني لم أكن أعرف إن كنتِ قد كتبتِها بإرادتكِ.»

سحبت الورقة نحوي.

كان هناك شيء آخر في أسفلها، بخط مختلف، لم أنتبه إليه من قبل.

جملة قصيرة:

والأهم، لا تسمح له بمعرفة أن الطفل لم يمت.

نظرت إلى دانيال.

«أي طفل؟»

لم يجب.

لكن هذه المرة لم يكن الصمت اعترافًا.

كان صدمة حقيقية.

---

رن هاتفه.

قرأ الرسالة، ثم وقف بسرعة.

«يجب أن نغادر.»

«لن أتحرك قبل أن أعرف.»

«وصلتني رسالة من المستشفى.»

«أي مستشفى؟»

أراني الشاشة.

كان اسم المستشفى الذي عولجت فيه بعد الحريق.

وتحت الاسم إشعار بفتح ملف قديم باسمي، قبل دقائق فقط.

لكن المرسل لم يكن موظفًا أو طبيبًا.

كان حسابًا يحمل اسمًا واحدًا:

نور.

ثم وصلت رسالة ثانية:

زوجكِ لم يخبركِ عن ابنتكما.

لم أستطع تحريك يدي.

نظرت إلى دانيال.

كان يحدق في الشاشة، وقد اختفى اللون من وجهه.

همست:

«دانيال... هل لدينا طفلة؟»

أجاب بصوت مكسور:

«لا أعرف.»

ثم أضاف، وهو ينظر إلى الرسالة الأخيرة التي ظهرت على هاتفه:

«لكن يبدو أن أحدًا يعرف أين هي.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأشياء التي نجت    الفصل 15: لم يكن القبر فارغًا

    لم أذهب إلى المقبرة.ليس لأن دانيال طلب مني ذلك، بل لأنني بدأت أفهم أن أكثر ما يخيفني في هذه الحكاية ليس الموتى، وإنما الأحياء الذين يقررون من يستحق أن يعيش باسمه الحقيقي.أوقفت سيارة أجرة أمام مبنى مهجور، ودخلت مقهى صغيرًا في الجهة المقابلة. طلبت قهوة لم أشرب منها رشفة، ثم فتحت الملف الذي أعطاني إياه آدم.كانت بداخله ثلاث وثائق.الأولى تقرير المستشفى الخاص بدانيال.الثانية شهادة وفاة باسمي، تحمل ختمًا رسميًا.أما الثالثة، فلم تكن وثيقة طبية ولا قانونية.كانت عقد زواج.اسمي مكتوب في خانة الزوجة.واسم دانيال في خانة الزوج.لكن التاريخ كان قبل سبع سنوات، في اليوم الذي سبق الحريق.تجمدت أصابعي.لم يكن هناك شيء في ذاكرتي يشير إلى زواج، ولا إلى توقيع، ولا حتى إلى حفل صغير.قلبت الصفحة بحثًا عن توقيعي.وجدته.كان توقيعي فعلًا.رن هاتفي.دانيال.أجبت دون تحية.«هل تزوجتني؟»ساد الصمت.ثم قال: «من أين حصلتِ على العقد؟»«هذا ليس جوابًا.»«نور، اسمعيني...»«لا. أنت اسمعني. هل كنت زوجتك قبل أن تختفي سبع سنوات؟»تنفس بصعوبة.«نعم.»أغمضت عينيّ.لم أبكِ. لم أصرخ. شعرت فقط أن شيئًا في داخلي انكسر ب

  • الأشياء التي نجت    الفصل 14: موعد مع موتي

    لم أصرخ. وضعت الصورة على الطاولة، وأجبرت نفسي على النظر إلى آدم بدلًا من النظر إلى اسمي المحفور على شاهد القبر. «فسّر هذا.» لم يحاول الجلوس أو تهدئتي. أخذ الصورة، قلبها، ثم أعادها إليّ. «أولًا، أريدكِ أن تجيبي عن سؤال واحد. هل أخبركِ دانيال يومًا أنه كان يعرف أنكِ ستختفين؟» «ماذا؟» «أجيبي يا نور.» «لا.» تنفّس آدم ببطء، كأنه كان يأمل أن أقول شيئًا آخر. «إذًا، ما زال يخفي عنكِ أهم جزء.» وقفت أمامه. «كفى. لن أسمح لك باستخدام اسمه لإجباري على تصديقك. أعطني دليلًا، أو دعني أغادر.» للمرة الأولى، بدا عليه الارتباك. ثم فتح درجًا في المكتب، وأخرج ملفًا طبيًا مختومًا. «هذا ليس ملفكِ.» قلب الصفحة الأولى نحوي. كان اسم دانيال مكتوبًا في أعلاها، وتحت الاسم تقرير يثبت أنه دخل المستشفى قبل سبع سنوات، في الليلة نفسها التي اندلع فيها الحريق. لكن ما جعلني أرفع عينيّ إليه لم يكن تاريخ الدخول. كان تاريخ الخروج. بعد الحريق بيومين، سُجّل دانيال على أنه فاقد للذاكرة مؤقتًا، وتحت الملاحظات عبارة قصيرة: المريض يرفض التعرف إلى أحد أفراد أسرته، ويصر على أن الفتاة ماتت. «أي فتاة؟» سألت. قال

  • الأشياء التي نجت    الفصل 13: الذي اختار اسمي

    «كان أخوكِ.»بقيت الجملة معلّقة بيننا، بينما كان دانيال يحدّق في الوثيقة كأنها تستطيع أن تمنحه إجابة لم يجدها طوال حياته.سألته: «هل تعرف ما الذي يعنيه هذا؟»«نعم.»«إذًا اشرح.»رفع عينيه إليّ. «أخوكِ لم يغيّر اسمي فحسب. لقد منحني هوية جديدة، ثم اختفى قبل أن أتمكن من معرفة السبب.»«ولماذا لم تخبرني؟»«لأنني لم أكن أعرف إن كان يريد إنقاذي أم استخدامي.»ضحكت بمرارة. «مذهل. كل شخص في حياتي لديه سبب نبيل للكذب عليّ.»لم يدافع عن نفسه. وهذا ما جعل غضبي أشد؛ فقد كنت أريد منه أن يجادلني، أن يمنحني شيئًا أكرهه بدلًا من ذلك الحزن الذي بدأ يتسلل إلى ملامحه.أعدت الوثيقة إلى الملف، ثم التفتُّ إلى يونس.«أنت قلت إنك جئت لمنعي من ارتكاب خطأ أخي. ما الخطأ الذي ارتكبه؟»لم يجب فورًا. أخرج من جيبه بطاقة صغيرة ووضعها أمامي.كانت بطاقة دخول إلى مزاد خاص، سيُقام بعد أقل من ساعة في فندق وسط المدينة.«أخوكِ ترك تعليمات واضحة. إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة، فعليكِ الذهاب إلى هذا المزاد.»«وما الذي سأجده هناك؟»«الشخص الذي اشترى صمت المحامي قبل موته.»نظرت إلى البطاقة، ثم إلى يونس.«ولماذا لم تذهب أنت؟»ابتسم ا

  • الأشياء التي نجت    الفصل 12: الثمن الذي لم يدفعه أحد

    لم أنظر إلى دانيال بعد قراءة العبارة.«لقد هرب لأنه كان يعتقد أنكِ السبب في موت الشخص الذي أحبّه.»رفعت رأسي نحو يونس.«من الشخص الذي مات؟»«هذا ما جئت لأخبركِ به.»«إذًا أخبرني.»أخرج يونس هاتفًا من جيبه، وفتح مقطعًا مصورًا، ثم وضعه أمامي على الطاولة.لم تكن هناك صور قديمة أو تسجيلات مشوشة. كان المقطع واضحًا، قصيرًا، ومؤرخًا قبل ثلاثة أيام فقط.ظهر رجل مسن يجلس خلف مكتب، يتحدث إلى الكاميرا بوجه شاحب.عرفته فورًا.كان المحامي الذي حضر جنازة أمي، وقرأ وصيتها أمامي، ثم أخبرني أن كل ما تركته لي لا يتجاوز المنزل وبعض الأوراق.قال الرجل في المقطع:«إذا وصل هذا التسجيل إلى نور، فهذا يعني أنني لم أتمكن من تسليمها الوثيقة بنفسي. أخفيت عنها الحقيقة بناءً على طلب والدتها، لكنني لم أعد مستعدًا لحمل هذا الذنب.»توقف لحظة، ثم تابع:«أخوكِ لم يكن الشخص الوحيد الذي أُخفيت هويته بعد الحريق. كان هناك طفل ثالث، وقد غيّر والدكِ اسمه رسميًا قبل أن يغادر البلاد.»توقّف المقطع.نظرت إلى يونس.«أين بقية التسجيل؟»«لا أملكها.»«أنت تمزح معي؟ جئت إلى هنا لتخبرني بنصف حقيقة؟»«جئت لأمنعكِ من ارتكاب الخطأ الذي

  • الأشياء التي نجت    الفصل 11 : لا تفتحي عينيكِ

    «نور... لا تدعيه يخبركِ بما حدث. أنتِ كنتِ هناك.»جاء الصوت من خلف الباب الأحمر، هادئًا على نحوٍ جعل الخوف يتسلل إلى عظامي.التفتُّ إلى دانيال. لم يكن ينظر إلى الباب، بل إليّ، وكأنه ينتظر أن أتذكر شيئًا يخشى هو نفسه أن يعود إلى الحياة.سألته: «من بالداخل؟»حرّك فكه قبل أن يجيب: «شخص كان يجب ألا يصل إليكِ أبدًا.»«غريب. يبدو أن الجميع يعرفون ما يجب أن يحدث في حياتي، باستثنائي أنا.»اقتربت من الباب، فمدّ يده نحو معصمي، ثم تراجع قبل أن يلمسني.لاحظت ذلك. ولا أعرف لماذا آلمني تردده أكثر مما كان سيؤلمني أن يمسكني.قال بصوت خافت: «إذا فتحتِ هذا الباب، قد تخسرين آخر شيء بقي لكِ من الماضي.»أجبته دون أن أنظر إليه: «أنا لا أبحث عن ماضٍ أستطيع احتماله يا دانيال. أبحث عن ماضٍ أستطيع تصديقه.»أدرت المقبض.لم يكن خلف الباب شخص ينتظرنا، بل غرفة ضيقة تتوسطها طاولة معدنية، وعلى جدرانها صور كثيرة لي؛ في طفولتي، وفي الجامعة، وفي أيام لم أكن أعرف فيها أن أحدًا يراقبني.لكن صورة واحدة جعلت أنفاسي تتوقف.كنت مستلقية على سرير مستشفى، شاحبة الوجه، ويدي الصغيرة موصولة بأنبوب شفاف. بجانبي امرأة تقف وظهرها للك

  • الأشياء التي نجت    الفصل 10 : الفتاة التي شهدت موتها

    «كنت أحاول إنقاذكِ من نفسكِ».ترددت كلمات دانيال في رأس نور، بينما ظلت عيناها معلقتين بالصورة القديمة.ثلاثة أطفال: دانيال، وآدم، وطفلة تشبهها إلى حد مخيف.لكن شيئًا واحدًا لم تستطع تفسيره: لماذا كُتبت على ظهر الصورة عبارة تطلب منهم ألّا يسمحوا لها بتذكّر ما حدث؟رفعت رأسها.«أريد أن أعرف ما الذي حدث في تلك الليلة».مدّ دانيال يده نحو الصورة، لكنها سحبتها بعيدًا.«لن تأخذها مني».«نور، اسمعيني...»«سبع سنوات وأنت تقرر ما الذي يحق لي معرفته. انتهى الأمر».رن هاتفها قبل أن يجيب.رقم مجهول.ترددت لحظة، ثم أجابت دون أن ترفع الجهاز إلى أذنها.«من معي؟»جاءها صوت امرأة هادئ:«إذا كنتِ قد رأيتِ الصورة، فلا تسمحي لدانيال بإقناعكِ بأنكِ كنتِ طفلة مريضة».تصلبت ملامح نور.«من أنتِ؟»«شخص كان حاضرًا حين قرروا محو ذاكرتكِ».وقبل أن تتمكن نور من طرح سؤال آخر، أضافت المرأة:«افتحي الظرف الذي تركته أمكِ داخل غلاف شهادة ميلادكِ. ستجدين فيه ما لم يجرؤ أبوكِ على إخباركِ به».انقطع الاتصال.لم تتحرك نور لثوانٍ. ثم اندفعت نحو خزانتها، وأخرجت صندوق الأوراق القديمة الذي احتفظت به منذ وفاة أمها.قلبت شهادات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status