مشاركة

الفصل 2

مؤلف: وضوح الروح
عدت إلى المنزل وحيدة. غمرني الشعور بالوحدة في لحظة واحدة.

كان كوب الحليب الذي سخّنه لي حسين على الطاولة لا يزال يتصاعد منه البخار.

احتسيت رشفة، فاحترق طرف لساني، فشهقت من الألم دون وعي.

وتسللت الغريزة القديمة إلى داخلي على نحو شبه لا إرادي...

استدرتُ، وقوّست شفتيّ بامتعاض طفولي، منتظرةً أن يحتضنني أحدهم بين ذراعيه، ويطبع قبلة على شعري ليواسيني.

الدلتا، الغاما، البيتا... أيٌّ منهم كان سيكفي.

لكن لم يكن هناك أي أحدٍ ليستجيب لي.

غرزت أظافري في راحة يدي بقوة، حتى آلمني الأمر بشدة.

ثم نهضت فجأة، واندفعت نحو الخارج.

اندفعت خارج الباب.

عبرت مسلك القرية الذي بدأ يغرق في عتمة الغسق.

مررت بالوحل، مواجِهةً رياحًا قارسة تخترق العظام.

تعثّرت وسقطت عدة مرات.

لكنني لم أتوقف، وواصلت الركض.

حين وصلت أخيرًا إلى وجهتي، كنت في حال يُرثى لها.

طرقت الباب بقوة.

لكن الذي فتحه لم يكن حسين.

كان الدلتا.

انحدر نظره نحو ركبتيّ المخدوشتين، وثوبي الممزّق، وأثر الدم المنساب على ساقي.

ومضت في عينيه لحظة شعور يصعب تفسيره.

ثم تلاشت تلك النظرة فورًا.

"ماذا تفعلين هنا؟"

كان الدلتا أول من دخل حياتي من المستذئبين.

كان لاذع اللسان، عسير الإرضاء، وشديد الحماية.

في الأيام التي كان لا يزال يحبني فيها، كان يوبخني بلا توقف، يلومني لأنني أهرب وحدي دائمًا.

"أنتِ متهورة جدًا يا لبنى."

"تندفعين دائمًا دون عقل، ولا تفكرين قبل أن تتصرفي."

كانت كل كلمة توبيخ منه تبدو قاسية وجارحة.

لكن رغم ذلك، كان دائمًا يتبعني بصمت من الخلف.

وقبل أن أدرك أنني تسببتُ بمشكلة، كان يرتب كل الفوضى نيابة عني بالفعل.

أحيانًا، كان توبيخه يدفعني للبكاء تحت الغطاء في غرفتي.

وكان يتسلل بصمت إلى غرفتي، يمسح دموعي بأطراف أصابعه الخشنة.

ثم يطبع، بشكلٍ أخرق، قبلة على جبيني. وكأنه يندم على كل كلمة قاسية قالها.

تجاهلته تمامًا، ونظرت من فوق كتفه إلى داخل المنزل.

حين أدرك الدلتا أن الشخص الذي أبحث عنه ليس هو، شدّ فكّه بتوتر.

قبض على إطار الباب بقوة، وضحك ضحكة ساخرة.

"حسين." نادى دون أن يلتفت: "لم تُزل الرائحة عن جسدك تمامًا، أليس كذلك؟ لبنى تتبّعت الرائحة إلى هنا." ثم أضاف بنبرة تهكمية: "ماذا لو اكتشفت ديما الأمر؟"

كانت رياح الشتاء قارسة، ولم أتمكن حتى من أخذ عباءتي عند خروجي.

حين خرج حسين أخيرًا، كنت أرتجف من البرد بشدة.

كانت أزرار قميصه نصف مفتوحة، وشعره أشعث.

وعلى الموضع الذي يلتقي فيه عنقه بكتفه، كانت هناك علامة قُبلة طازجة واضحة.

انقبضت معدتي فجأة.

رمق حسين الدلتا بنظرة ممتعضة، ثم أدار عينيه نحوي أخيرًا.

وفي تلك اللحظة الخانقة، لمحتُ ومضة من نفاد الصبر تعبر وجهه.

سرى برد قارس في صدري فورًا.

تراجعتُ خطوة للخلف بلا وعي.

وفي تلك اللحظة، سقط دفء مفاجئ على كتفيّ.

رفعت رأسي.

كان الدلتا قد وضع عباءته على كتفيّ دون أن ينبس بكلمة.

اقترب حسين نحوي حينها.

تحوّلت ملامح وجهه وأصبحت أحنَّ، وعادت إلى ذلك الشكل الذي عرفته يومًا، ذاك الدفء الذي جعلني أقع في حبه بلا رجعة.

وكانت تلك النظرة الحانية شديدة الإقناع، لدرجة أنني بدأت أشكّ فيما إن كان نفاد الصبر الذي رأيته قبل قليل مجرد وهم.

"لبنى." همس بلطف: "ما الذي حدث لكِ؟"

اختنق حلقي فجأة.

"حسين، أنا... لن أشتكي بعد الآن أبدًا. أقسم لك. لن أحدث ضجة وأطلب تناول ذلك التوت الموجود في عمق الغابة بعد اليوم. ولن أشتكي من أن السرير غير طري بما يكفي. وحين تكون متعبًا، لن أُزعجك بثرثرتي بعد الآن. أنا..."

كنت أتحدث بسرعة مذهلة، يمكن القول إنني كنت أهذي كالبلهاء.

لم ألاحظ حتى أن الدلتا الواقف بجانبي قد تجمّد في مكانه.

"لا أريد سواك. أنت فقط. أرجوك، حسين. لا تتركني وحدي."

لم يُبدِ حسين أي رد فعل، وظل نظره معلّقًا على ركبتيّ المجروحتين.

تملّكني القلق، فمددت يدي لأمسك بيده، وقلت بصوت يخنقه البكاء: "قلتَ إنك ستبقى معي إلى الأبد، لا يمكن أن تكذب عليّ..."

لكنني لم أُمسك بشيء.

فقد سحب يده بعيدًا، بحركة سلسة، رقيقة، لكنها في الوقت ذاته قاسية على نحو مرعب.

"الجو بارد جدًا في الخارج." قال بصوت خافت: "لندخل أولًا، سنتحدث في الداخل، اتفقنا؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الأميرة تودع قطيع أنياب الصقيع الشمالية   الفصل 12

    اندفعتُ نحو غرفتي دون أدنى تردد.وما إن توقفت عند باب الغرفة، حتى خنق المشهد أمامي أنفاسي.كان خالد قد تحوّل إلى ذئب فضّي ضخم.يخوض قتالًا شرسًا مع الدلتا والغاما وحسين.وفجأة، لمحتُ حسين ممسكًا بخنجر فضّي، وعيناه محمرّتان.انتهز فرصة انشغال خالد بمصارعة الاثنين الآخرين، وتسلّل خلسة خلف ظهره.لمع الخنجر ببريق بارد، وكان على وشك أن يغرزه في ظهر خالد."توقف!"لم أتمالك نفسي وصرختُ، وغمرني الخوف فورًا.في تلك اللحظة، تجمّد الجميع في أماكنهم.توقف خنجر حسين في منتصف الهواء.توقفت حركة خالد، وعاد فورًا إلى هيئته البشرية.ذلك الألفا القوي المهيب في العادة، بدت على وجهه الآن ملامح ضعف تام.تعثّر وارتمى بين ذراعيّ.لفّ ذراعيه حول خصري، وقال بصوت واهن: "حبيبتي، أنا خائف جدًا، إنهم يريدون قتلي."لو رآه أحد من قطيع أنياب الصقيع في تلك اللحظة، لشكّ أن هذا ليس ألفاهم المهيب المعروف.استفاق الثلاثة من شرودهم، وارتجفوا غضبًا."لبنى، لا تدعيه يخدعكِ! إنه يتظاهر فقط! يا للوقاحة!"شدّ حسين قبضته على الخنجر، وعيناه تتوهّجان غضبًا: "لم نُصبه بأذى إطلاقًا! نحن من أُصبنا فعلًا!"لكن في تلك اللحظة، نظرتُ إلى

  • الأميرة تودع قطيع أنياب الصقيع الشمالية   الفصل 11

    أغلقتُ الباب، ورفعتُ عينيّ لأتفحّص الغرفة.كانت الغرفة نظيفة بشكل غير معتاد.لا ذرة غبار على الأرضية.المكتب مرتّب، والفراش مطويّ بعناية شديدة.وعلى رف الطعام في الزاوية، توت طازج وحليب.لا حاجة للتفكير كثيرًا لأعرف من فعل هذا.إنه الدلتا، أو حسين، أو الغاما.لكن قلبي لم يتحرّك قيد أنملة، ولم يشعر بأي تأثر.استدرت، وأمسكت بقطعة القماش في الزاوية.شيئًا فشيئًا، محوتُ من الغرفة كل أثر لا يخصّني.سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، يحمل رقّة مكبوحة.فتحتُ الباب.كان خالد واقفًا هناك.وكان يحمل الصغيرين في حضنه.رفع خالد يده، ومدّ لي صندوقًا."سمعت أنه كان يبحث عن أعشاب مضادة للسموم، وصادف أني أعرف مكانها، فأحضرتها له.""شكرًا له لأنه أرسلك إليّ في ذلك الوقت."أخذتُ الصندوق منه، ولمست يدي دفء كفّه."شكرًا لك، يا عزيزي."كان دائمًا مهتمًّا بكل ما يخصّني هكذا.مرّر يده على شعري، وفي عينيه دلال لا حدود له.مدّ الصغيران يديهما، وتشبّثا بطرف ثوبي برفق.ابتسمتُ بعينيّ، ولمستُ جبينيهما بطرف إصبعي.في صباح اليوم التالي.اصطحبتُ خالد والصغيرين للقاء أخي.كان أخي جالسًا في الفناء، ملامحه متوترة.وقعت عيناه

  • الأميرة تودع قطيع أنياب الصقيع الشمالية   الفصل 10

    اصطدم الباب بعنف وهو يُفتح، واقتحم حسين الغرفة.كان أكثر نضجًا مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، لكن جسده نحل بشكل غير طبيعي.كانت العروق الحمراء في عينيه تبدو مرعبة.خلفه، دخل الدلتا والغاما.كلاهما تغيّر بشكل هائل أيضًا، فقد اختفت عنهما كل حيوية الماضي.نظراتهما فارغة، ووجهاهما شاحبان، وتفوح منهما هالة سكون خالية من أي حياة.وقعت أنظارهم عليّ، فارتجفت أجسادهم.ارتسمت على وجوههم ملامح عدم التصديق، لكن عيونهم كانت غارقة بالشوق.جلستُ هناك، بملامح هادئة، ونظرة باردة.ثلاث سنوات من السعادة، محت كل ألم الماضي.تخطّيتُ ما مضى منذ زمن، وأصبحتُ رزينة واثقة من نفسي.وهذا التغيّر فيّ، جعلني أبدو أكثر غرابة عليهم، وامتلأت عيونهم بالحيرة.في اللحظة التالية، ارتعشت أنوفهم قليلًا، وتغيّرت ملامحهم فجأة.شمّوا رائحة جسدي، رائحة تخصّ ألفا قويًا.كانت تلك الرائحة طاغية، تحمل علامة حيازة قوية.أدركوا الأمر فورًا.أصبح لديّ شريك بالفعل.لم أُخفِ شيئًا، ولم أكن بحاجة إلى الإخفاء أصلًا.فكل أثر على جسدي كان يشهد على حبّي وقربي من شريكي.رفعت عينيّ، وقلت بنبرة هادئة: "مضى وقت طويل."ثم التفتُّ إلى أخي، وليّنتُ

  • الأميرة تودع قطيع أنياب الصقيع الشمالية   الفصل 9

    بعد ثلاث سنوات"تبعتماني طوال الطريق، اخرجا الآن."برز ظلّان صغيران بخجل.إنهما صغيرَيّ.اندفعا نحوي، وتشبّثا بساقيّ بإحكام، وقالا بدلال: "أمي، خذينا لنعود معكِ.""لا أريد أن أُفارقكِ، ولو للحظة واحدة."جثوت أمامهما، وربّتُّ على رأسيهما بحنان، وقلت مبتسمة: "أكيد أن والدكما هو من علّمكما هذا الكلام."مضت ثلاث سنوات كاملة منذ رحيلي عن القطيع.العواصف الثلجية في عشيرة المستذئبين الشمالية محت كل ذرة ضعف كانت فيّ.لم أعد لبنى تلك التي كانت تبكي عند كل مشكلة، وتتوق دومًا إلى أن يرافقها أحد.تعلّمت الاستقلالية، وتعلّمت كيف أحمي نفسي، وكيف أقف على قدميّ وحدي.والأجمل من كل ذلك، أنني التقيتُ بخالد الدهشوري.شريكي المقدّر، أقوى ألفا في عشيرة المستذئبين الشمالية.سُمعت خطوات خلفي، تحمل ذلك الضغط المألوف.خرج خالد من الظلال.مدّ يده، وضمّني بإحكام بين ذراعيه، بقوة مليئة بالرغبة في التملك."أذكر أن قطيعك القديم، كان فيه ثلاثة يطمحون أن يكونوا شركاءك."لم أُخفِ عنه شيئًا من ماضيّ من قبل.لكنني لم أتوقع أن يترك مهامه المزدحمة، ويتبعني خفية."لو مرّ يوم واحد دون أن أراكِ فيه، سأُصاب بالجنون."كلمات ال

  • الأميرة تودع قطيع أنياب الصقيع الشمالية   الفصل 8

    في الساحة، كان المستذئبون قد تجمعوا بالفعل بأعداد كبيرة.تكدّست الإناث معًا، وعلى وجوههن ملامح القلق.ضممن أيديهن يصلين، وتمتمن بصوت خافت لإلهة القمر.يكرّرن الدعاء أن يحالفهن الحظ، وألّا يقع عليهن الاختيار.وصل حسين ورفيقاه بخطى متعجّلة، وملامحهم مشتعلة بالقلق.جالت أعينهم في الحشد الكثيف، يبحثون جيئة وذهابًا.تفحّصوا كل وجه، وبحثوا في كل زاوية.لكنهم، لم يجدوا أثرًا لي في أي مكان.فقد الغاما أعصابه تمامًا، وتعثّرت خطواته.أمسك بأحد المستذئبين القريبين منه، بنبرة متعجّلة وحادّة."هل رأيتَ لبنى؟"خاف المستذئب من نظرته الحمراء المشتعلة.هزّ رأسه نفيًا مرارًا.أمسك بآخر وسأله، فحصل على الإجابة نفسها.من بين الحشد، سُمعت سخرية خافتة."مع حمايتكم الثلاثة لها، حتى لو وقعت عليها القرعة، أظن أن لبنى ستذهب طواعية، أليس كذلك؟"كانت هذه الكلمة كصفعة مدوّية، انهالت بقسوة على وجوه الثلاثة.شدّ الغاما قبضته حتى غرزت أظافره في لحمه، دون أن يشعر بالألم.في تلك اللحظة، تجمّعت بعض الإناث معًا، يتهامسن."هؤلاء الثلاثة، قلوبهم وأعينهم لم تعد ترى سوى ديما، توقفوا عن حب لبنى منذ زمن، فكيف يهتمون بها الآن؟"

  • الأميرة تودع قطيع أنياب الصقيع الشمالية   الفصل 7

    بدأ الفجر يخيّم بضوئه الشاحب.أسرع الدلتا نحو المكان، ورأى حسين من بعيد.كان مسندًا ظهره إلى باب غرفتي، وقد بدا عليه الإرهاق التام.وعند قدميه، صندوق خشبي أنيق مليء بالهدايا.كانت الهالات السوداء المحيطة بعينيه شديدة، والعروق الحمراء أسفل عينيه بارزة.من الواضح أنه أمضى الليل بأكمله واقفًا عند الباب."أنت... سهرت تحرسها طوال الليل؟"خفّف الدلتا من نبرة صوته.رفع حسين رأسه ببطء، عيناه باهتتان لكن يعتريهما ترقّب."أريد أن أراها في أقرب وقت."داعب الصندوق الخشبي بلطف، وقال بنبرة حانية: "كل هذه هدايا حضّرتها للبنى.""أريد أن أعوّضها عن كل ما قصّرتُ فيه بحقها."صمت الدلتا، ثم أخرج ببطء هديته.كانت حجرًا مصقولًا بعناية على شكل قلب، منقوشًا عليه اسمي.وأخرج الغاما الذي وصل حينها قلادة صوفية من جيبه.كانت من نفس التصميم الذي كنتُ أحبّه سابقًا، لكنها بدت بحرفية أدقّ.تبادل الثلاثة النظرات، ورأى كلٌّ منهم في عيون الآخرين شعورًا بالذنب.جاؤوا اليوم ليعتذروا، ويطلبوا مسامحتي.لكن أقدامهم عند الباب، بدت وكأنها مثقلة بالرصاص.لم يجرؤ أحد على طرق الباب أولًا، خشية أن يرى نظرتي الباردة مجددًا.نفد صبر

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status