ANMELDEN"لا تنظري إلى عينيّ، لا تصدري صوتاً، ولا تلمسي شيئاً لا يخصكِ.. وإلا كان هلاككِ." قواعد ثلاث صامتة كانت تفصل بين "سيلينا" والموت في قصر الرماد. ثلاث سنوات مضت وهي تختبئ خلف قناع الخادمة البكماء، تخفي وجهها المشوه، وجسدها المحرم، وصوتها السحري الذي لو انطلق لاهتزت له عروش المستذئبين. كانت تظن أن عرين "فولكان" — الألفا الطاغية الأعمى والأكثر دموية وقسوة — هو الملاذ الآمن للاختباء من ماضٍ سلبها طفلها الوليد وترك روحها محترقة. لكن الأمان في قصر الرماد وهمٌ يتبدد مع أول ليلة يثور فيها وحش الألفا الهائج. "فولكان" لا يرى بعينيه، لكنه يرى بفيروموناته الخارقة، وحاسته الشرسة التي لا تخطئ. في ليلة حالكة، تتقاطع أنفاسهما، وتجتذب رائحة دمائها الملكية النقية وحشه الثائر كالترياق الوحيد للعنته الجسدية الحارقة. من هنا تبدأ العلاقة الجسدية المستحيلة؛ علاقة مبنية على شغف مظلم مستعر لا يرحم. لمسة منه تجعل الوشم الملعون على عنقها يشتعل ألماً ولذة، وقربها منه هو الخلاص الوحيد لعقله المتداعي. إنه يشتهي دماءها وصوتها، وهي تخشى أن يفتك لمسه بهويتها. هي تراه الوحش الطاغية الذي تضطر للخضوع له بجسدها المرتجف لتنجو، وهو يرى فيها "الظلال" التي تملك مفتاح روحه وعينيه. شغف محرم، حسي، وتصادمي بين خادمة تتظاهر بالخنوع ومستذئب يعشق الإخضاع، يتطور من رغبة جسدية مظلمة لتهدئة الوحش، إلى قصة عشق عنيفة تهدد بحرق الماضي والانتقام للطفل المسلوب.
Mehr anzeigen"هل أنتِ متأكدة يا صوفيا؟" سألتُ بصوت منكسر، بينما كانت يداي ترتجفان وأنا أمسح حواف الصحون الفضية الثقيلة التي تكدست أمامي.
كان قلبي يخفق بسرعة، مفعماً بالرعب. "متأكدة جداً يا سيلينا، الألفا فولكان يمر بنوبة غضب بركانية الليلة." أجابتني صوفيا بنبرة متقطعة وهي ترتب أواني المطبخ بحركة محمومة. التفتَتْ نحوي وعيناها الواسعتان تعكسان خوفاً حقيقياً استقر في حدقتيها، ثم تابعت: "الخطأ في حضرته الليلة لا يعني سوى شيء واحد... الموت. القطعان المجاورة تتربص بنا على الحدود، واللعنة تنهش عقله وجسده بلا رحمة، وحشه هائج الليلة ولا يرحم أحداً يقف في طريقه." أومأتُ برأسي، ودموعي المتحجرة تحجب الرؤية عن عيني. أنا خادمة بلا صوت في قصر الرماد. عدتُ بنظري إلى الصحون الفضية، أحاول تركيز كل طاقتي في تنظيفها كي لا يلاحظ أحد الاضطراب الذي يجتاح جسدي. كانت جدران المطبخ السفلي مبنية من صخور سوداء سميكة، تنضح بالرطوبة وتفوح منها رائحة الحطب المحترق والبهارات الحادة التي تملأ الأجواء. هذا المكان المقبب تحت الأرض كان أشبه بالسجن، لكنه بالنسبة لي كان الحصن الوحيد الذي يفصلني عن الهلاك. قبل ثلاث سنوات، كنتُ أعيش حياة مختلفة تماماً. حياة مليئة بالدفء والأمل قبل أن يحل الجحيم بساحتنا. أتذكر ذلك اليوم وكأنه حدث بالأمس؛ حين اقتحم الألفا الخائن قريتي مع جنوده، حرقوا البيوت، وسفكوا الدماء، وسلبوني كل ما أملك. لم يكتفِ بتدمير موطني، بل ترك عنقي مشوهاً بوشم ملعون غائر، عقدة سحرية سوداء التهمت صوتي وحبست وحشي الداخلي في سجن من الصمت الأبدي. والأبشع من ذلك كله، أنه سرق مني طفلي الوليد. انتزعه من بين يديّ وأنا عاجزة عن الصراخ، مدعياً أنه مات، تاركاً إياي جثة تتحرك بلا روح. قدمتُ كل ما أملك لأختفي عن الأنظار، غيرتُ معالم حياتي، وابتلعتُ كبريائي لأعيش كخادمة بكماء لا اسم لها ولا أثر وسط مئات الخدم. كنتُ أظن أن عرين الألفا فولكان — الحاكم الطاغية الأعمى والأكثر دموية — هو المكان الآمن الذي لن يخطر على بال أحد أن يبحث فيه عني أبداً. فالجميع يهرب من قصر الرماد خوفاً من بطشه، بينما أنا وحدي من لجأتُ إليه طائعة. "سيلينا! خذي هذه الأواني وتحركي بها نحو الردهة العلوية فوراً، رئيسة الخدم تصرخ في الخارج." قطعت صوفيا حبل أفكاري وهي تضع صينية برونزية ثقيلة بين يديّ. نظرتُ إليها بنظرة مستجدية، لكنها هزت كتفيها بقلة حيلة. حملتُ الصينية الثقيلة، وشعرت ببرودة المعدن تخترق جلدي المرتجف. تحركتُ بخطوات وئيدة نحو السلالم الحجرية المؤدية إلى الأعلى. مع كل درجة أخطوها، كان الهواء يصبح أكثر ثقلاً وكثافة. لم يكن هواءً عادياً، بل كان مشبعاً بفيرومونات خانقة بدأت تتسرب من جناح الألفا، معلنة أن الطاغية قد بدأ بالتحرك، ومحولة أروقة القصر إلى ساحة توتر يستحيل التنفس فيها. عندما وصلتُ إلى الردهة الكبرى، كان المشهد مرعباً. عشرات الخدم والحراس يقفون بصفوف منتظمة كالتماثيل الحجرية، ملامحهم متيبسة، وأنفاسهم محبوسة. الأضواء المنبعثة من المشاعل الجدارية الكبيرة كانت تتراقص على الجدران، ترسم ظلالاً مشوهة تعكس الأجواء الجنائزية التي خيمت على المكان. ساد الصمت بغتة في الردهة الكبرى. كان صمتاً حاداً ومفاجئاً قطع حتى حفيف الملابس وجلبة الأواني الخفيفة، كأنما ضربت المكان صاعقة غير مرئية جمدت الدماء في العروق. انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة المؤدية إلى جناح القيادة العلوية، واهتزت أساسات القصر بأكملها تحت وطأة خطوات ثقيلة، منتظمة، تحمل نبرة دموية طاغية لا تخطئها أذن مستذئب أو بشر. لقد وصل الألفا فولكان. كان مرآه يحبس الأنفاس ويجبر العقول على الانحناء طوعاً أو كرهاً. جسده الشاهق الضخم، العاري الصدر، بدا وكأنه نُحت من صخر بركاني أسمرته نيران المعارك المستعرة. عضلات صدره وبطنه كانت مفتولة بصرامة، وتنساب فوقها ندوب غائرة، متقاطعة كأوسمة حرب دموية، تروي حكايات الموت والتمزيق الذي وزعه بيديه العاريتين على كل من تجرأ على تحديه. كانت بشرته تشع بحرارة لافحة غير طبيعية، وكأن وحشه الداخلي يحترق بالداخل، وينبعث منه فيض مرعب من فيرومونات الهيمنة الشرسة. كانت تلك الطاقة نقية وكثيفة لدرجة أنها أجبرت الجميع في الردهة على الجثو على ركبهم تلقائياً، وإلصاق جباههم بالأرض الباردة. لم يكن هناك خيار آخر؛ فالبقاء واقفاً في حضرته يعد إعلاناً للعصيان. فوق عينيه الحادتين، كان يلتف شريط عريض من الحرير القرمزي الداكن، مربوطاً بإحكام خلف رأسه ليخفي وراءه سر لعنته: العمى الجزئي الذي أصابه نتيجة سحر أسود قديم. لكن تلك العصابة الحريرية لم تكن لتنقص من كونه المفترس الأعلى في هذه الممالك؛ بل كانت تضفي عليه غلافاً من الغموض المخيف. كان وحشه الداخلي قد طور حواساً بديلة خارقة، حواساً ترى دقات النبض، وتتحسس موجات الخوف المتصاعدة، وتستنشق النوايا الدفينة دون حاجة لضياء الشمس أو نور البصر. كان يتحرك بين الصفوف بثقة مطلقة، ثقة صياد يعرف أين تقع فريسته بدقة متناهية. ألصقتُ جسدي بالأرض الصخرية الباردة، ووضعتُ الصينية البرونزية بجانبي بعناية فائقة كي لا تصدر أي صوت قد يلفت الانتباه. ضغطتُ بكفيّ على البلاط الخشن حتى ابيضت أصابعي من شدة الضغط. كانت هالته الدموية ثقيلة جداً، تضغط على صدري كصخرة عاتية تمنع رئتيّ من التمدد واستنشاق ما تبقى من الهواء. في تلك اللحظة بالذات، شعرتُ بالوشم الملعون المحيط بعنقي يبدأ بالوخز العنيف. بدأت تنبعث منه حرارة لاسعة غريبة، نبضات حرارية متلاحقة تنهش جلدي تحت الخمار الأسود. كأن الطاقة الوحشية المستعرة التي يشع بها جسد فولكان قد تواصلت سحرياً وتفاعلت مع العقدة الخاملة في جسدي. سرت في أوصالي قشعريرة ألم حارقة امتزجت بخوف وجودي مرعب؛ خوف من أن يكتشف هذا الطاغية أمري، أو يشعر بالسحر الأسود المخبوء في جسدي قبل أن أحقق غايتي، وأصل إلى طفلي المستباح. تيبس الكون في عيني تماماً عندما توقفت تلك الخطوات الرعدية فجأة. انقطع كل صوت في الردهة، ولم أعد أسمع سوى أزيز دمي الهادر وهو يتدفق بعنف في أذنيّ. من موقعي المنحني ووجهي القريب من الأرض، أبصرتُ الحافة السفلية لسرواله الجلدي الأسود الثقيل تتوقف على بعد إنشات قليلة جداً من رأسي. كانت المسافة قريبة لدرجة أنني استطعت رؤية الغبار العالق بحذائه الثقيل. احتبست أنفاسي في حلقي، ودهم الرعب كل خلية في جسدي، وشعرت بأن عضلاتي قد أصيبت بشلل تام من فرط الخوف. رفع فولكان رأسه عالياً في الهواء، وتحركت عضلات صدره العريض بقوة وصرامة وهو يسحب زفيراً طويلاً، متبوعاً بشهيق عميق غير طبيعي. تكررت الحركة، وكأنه يمتص كل ذرات الأكسجين المحيطة بنا. في تلك اللحظة، شعر الحراس المحيطون به بالتوتر، وظنوا أن هجوماً ما وشيك الحدوث. لكن وحشه الداخلي، الذي كان يزأر غضباً طوال الساعات الماضية ويمزق عقله بسبب آلام اللعنة، سكن فجأة بطريقة مباغتة وغير مفهومة له. انقبض فكه الحاد وتوترت عروق عنقه القوية بينما كانت حاسة شمه الخارقة تلتقط خيطاً رفيعاً غامضاً من رائحة لم يعهدها في قصر الرماد من قبل. لم تكن رائحة دم خادمة عادية، ولا رائحة طعام أو حطب. كانت رائحة عذبة، نادرة، تشبه عبير زهور برية سُحقت تحت المطر في ليلة ربيعية. رائحة دماء ملكية نقية، دافئة ومثيرة، تخفي نفسها بذكاء وراء طبقات غبار المطبخ، ورماد الحطب الحارق، وعرق الخوف الذي يفرزه الخدم. تلك الرائحة اللذيذة لمست شيئاً خامداً في أعماق روحه الممزقة، وطردت — ولو للحظات معدودة — النيران الحارقة التي كانت تنهش عقله وجسده الملعون. شعر براحة مفاجئة خففت من وطأة الصداع الذي كان يمزق رأسه. مال بجسده الضخم نحو الأسفل بنحو بطيء ومقصود، متتبعاً هذا الأثر السحري الذي كان ينبعث بوضوح من جسدي. انحنى فوقي كصخرة عظيمة أوشكت أن تسقط، مستنشقاً الهواء بالقرب من رأسي وجسدي المنحني كحشرة ضعيفة تحت قدميه. طالت الثواني حتى بدت لي كأنها دهور من العذاب والانتظار في غياهب الجحيم. كنتُ أشعر بأنفاسه الساخنة اللاهبة كالجمر تخترق قماش خماري السميك لتلفح جلد عنقي المشوه مباشرة. دقات قلبي المتسارعة كانت تدوي في صدري كطبول حرب عنيفة، وأنا أعلم علم اليقين أن المستذئبين — وخصوصاً الألفا المهيمن — يستطيعون سماع النبض واحتساب سرعته وتحديد مدى ذعر الفريسة من خلاله. كان يعلم أنني مرعوبة، لكنه لم يكن يعلم من أكون. تمتم فولكان بنبرة منخفضة أجشة حملت حشرجة وحشية أرعشت الحجارة من حولنا، وتساءل في سره عن كنه هذه الظلال الصامتة التي تجثو أمامه وتفرز هذا العبير الساحر الذي يهدئ وحشه. تلمست أصابعه الضخمة نصل خنجره المثبت على خصره، وكأنه فكر لثانية في كشف وجهي ومعرفة هويتي. لكنه، وضغطاً من أصوات قادة القطيع المترددة في قاعة الاجتماعات، والواجبات الصارمة لليلة ذكرى العرش التي لا تنتظر، أطبق فكه بقوة وتراجع خطوة إلى الوراء. استدار بحركة سريعة وحاسمة، مكملاً طريقه ب هدوء غاضب نحو قاعة العرش العلوية، وسط تنهيدات ارتياح مكتومة انطلقت من صدور الحراس والخدم الذين ظنوا أن العاصفة قد مرت. خلفني فولكان وراءه وأنا أتهاوى ببطء على الأرض الصخرية بجسد يرتجف بلا سيطرة. شعرت بأن قواي قد استُنزفت بالكامل في تلك الدقائق القليلة. بدأتُ ألتقط أنفاسي المفقودة بصعوبة بالغة، وعينائي تتسعان من فرط الصدمة. أسرعت صوفيا نحوي وتناولَت الصينية من يدي وهي تهمس بذعر: "سيلينا! هل أنتِ بخير؟ ظننتُ أنه سيقطع رأسكِ الليلة!" لم أستطع إجابتها، بل اكتفيتُ بالنظر إلى الممر المظلم الذي اختفى فيه جسده الضخم. كنتُ مدركة بيقين مرعب، يقين يهز كل أركان وجودي، أن أول شرخ في قناع صمتي الذي حافظتُ عليه لسنوات قد كُسر تماماً... وأن الوحش الطاغية قد استنشق أثري الملكي، ولن يتوقف حتى يلتهم ظلالي بالكامل.كان الجناح الملكي يغلي فوق صفيح من التوتر الحسي الخانق؛ فالأجواء لم تعد مجرد مساحة مغلقة، بل تحولت إلى ساحة معركة غير مرئية، تتصادم فيها الأنفاس وتتقاطع فيها النظرات المشتعلة. كانت سيلينا واقفة بجسدها المنهك، تسند ظهرها إلى الجدار الحجري البارد كأنها تستمد منه قوة تحميها من السقوط، بينما كانت يداها ترتعشان بعنف بعد أن سقطت اللفافة الجلدية الملعونة تحت قدميها. كل زاوية في عقلها كانت تصرخ باسم "دوريان"، وكل جرح قديم في روحها انفتح ل ينزف ذكريات الحرق والدمار واللوعة الأمومية التي لا تبرأ. لم يكن "فولكان" رجلاً عميئاً بالكامل، بل كان وحشاً يقود الخفاء بحواسه المرعبة؛ وحين اضطربت رائحة سيلينا العذبة، تحولت في ثوانٍ معدودة إلى عبير حاد من الخوف الخالص والاضطراب الفيروموني الذي خرق سكون الغرفة. التقطت أذناه الحادتان تسارع نبضات قلبها الهائج، تلك الضربات المتلاحقة التي كانت تقرع ك طبول مذعورة في صدرها النحيل، مستجدية الخلاص. لم يعد قادراً على كبح جماح وحشه الحبيس؛ فالغيرة الشرسة انبعثت في عروقه كسم حار، غيرة من أن تكون هذه الأنثى التي أعلن ملكيته عليها تتأثر وتضطرب لأجل طاغية آخر
كان الصباح الذي تلا ليلة الدماء والرماد أثقل مما تحتمله جدران القصر العتيق؛ إذ لم تكن رائحة الموت التي خلفها بتر يد القائد المتمرد "جاريت" قد تبددت بالكامل من الرواق الأكبر، بل ظلت عالقة في الهواء كالعنة أبدية تذكر الجميع بأن وحش الألفا "فولكان" لا يرحم من يقترب من حدوده أو يلمس ظلاله الخفية. وفي غمرة ذلك السكون المحتقن، حفرت خطوات ثقيلة وغريبة مجراها عبر البوابة الحديدية الضخمة لقصر الرماد، معلنةً وصول زائر لم يكن القطيع يترقب مجيئه إلا في أسوأ كوابيسه.كان رسولاً متشحاً بسواد غريب، ممتطياً جواداً برياً هائجاً يقطر زبداً، ولم تكن سماته تشبه ذئاب الرماد الشرسة، بل كان يحمل في عينيه الصقريتين الباردتين وفي نبرة صوته المتعالية فيرومونات تنتمي إلى الشمال؛ إلى أراضي الألفا الخائن "دوريان"، خطيب سيلينا السابق وممزق وعودها. تقدم الرسول بثقة مستفزة وسط قاعة الاستقبال، بينما كان حراس القطيع يطوقونه بمخالب بارزة وأنياب تكاد تنفجر غضباً، منتظرين إشارة واحدة من سيدهم الجالس على عرشه العظمي العالي ليجعلوا من هذا الدخيل أشلاءً تذروها الرياح.وقف فولكان كالجبل الأشم، وعيناه القرمزيتان تحد
انقشعت العاصفة الدموية في قاعة العرش، لكن صداها ظل يتردد في أعماق سيلينا كدوي رعد لا يهدأ. كانت الممرات المؤدية إلى البرج الغربي مهجورة، يلفها صمت مطبق خيم على الحراس والخدم الذين آثروا الاختباء في جحورهم خوفاً من بقايا غضب الألفا. سارت خلفه، كظلها المعتاد، ترقب جسده الشاهق الذي كان يتحرك بخطوات رعدية ثقيلة تنم عن وحش لم يهدأ روعه بالكامل بعد. ومع كل خطوة، كان عبير دماء "جاريت" القرمزية الممتزج بفيرومونات "فولكان" الحارة يملأ الهواء، مخلفاً وراءه هالة من الرعب والشغف المظلم الذي يكاد يخنق الأنفاس.دلفا إلى الجناح الملكي، وأغلق الباب الخشبي الثقيل خلفهما، ليعزلهما عن العالم الخارجي ويحبسهما في شرنقة من العتمة والحرارة اللافحة. لم يتحدث فولكان، بل توجه مباشرة نحو أريكة الأبنوس الضخمة، وجلس بجسد متصلب كصخرة بركانية، وعيناه القرمزيتان لا تزالان تشعان ببريق وحشي كاسر رغم سكون الحجرة. تنفست سيلينا الصعداء خلف خمارها، لكن دقات قلبها لم تتراجع؛ فالصراع النفسي الذي كان يمزق أحشاءها داخل قاعة العرش تحول الآن إلى توتر حسي عنيف يكاد يسلبها القدرة على الوقوف.تقدمت بخطوات ناعمة، خفيفة كا
كانت قاعة العرش الكبرى في "قصر الرماد" أشبه برحم من الحجر البارد، تزحف في أرجائه ظلال متطاولة تغذيها نيران المشاعل المشتعلة على الجدران الصخرية. كان الهواء كثيفاً، مشحوناً برائحة الصوف الرطب، والحديد الصدئ، وفيرومونات الهيمنة الشرسة التي كان ينفثها قادة القطعان المجتمون حول الطاولة المستديرة الضخمة. بالنسبة لسيلينا، لم يكن الوقوف خلف عرش الألفا "فولكان" مجرد وفاء ببنود تلك الصفقة المظلمة التي أبرمتها معه في عتمة الفجر؛ بل كان وقوفاً على حافة نصل حاد، غطته بوشاح صمتها المعهود وخمارها الأسود الذي يحجب ملامح وجهها المشوه.أخذت مكانها في الظل تماماً، خطوة واحدة خلف كتفه العريض الشاهق. كان جسد فولكان كالجبل المستعر، يشع حرارة لافحة تكاد تخترق قماش ثيابها البسيطة. لم يكن يرتدي عصابته الحريرية اليوم؛ أراد أن يواجه قادة قطيعه بعينين مكشوفتين ليثبت سطوته، لكن سيلينا كانت تعلم السر المرعب الخفي خلف تلك النظرات القرمزية الثابتة. كانت عيناه، رغم اتساعهما الحاد، محجوبتين بجدار من العمى الجزئي الذي خلفته اللعنة، فلم يكن يرى أمامه سوى ضباب رمادي متقطع، وتكتلات هلامية تتحرك بلا ملامح واضحة. كان
Rezensionen