LOGIN
كانت ياسمين تحدّق في هاتفها منذ نصف ساعة، إصبعها يتردد فوق أيقونة زرقاء كُتب تحتها اسم يبدو بريئًا: "توأمة القلوب". لم تكن التسمية عشوائية؛ فالتطبيق يعد مستخدميه بإيجاد "التوأم الروحي" عبر خوارزمية تحلل الأصوات ونبرات الكلام وحتى إيقاع التنفس أثناء الحديث، وتدّعي إعلاناته أنها الأدق في سوق مزدحم بعشرات التطبيقات المشابهة التي تتنافس جميعها على الوعد نفسه. بدا الأمر أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه أصبح في هذا الزمن جزءًا من الحياة اليومية، مثل تطبيقات الطقس وحجز التاكسي، شيء يفتحه الناس دون تفكير كبير، ثم يجدون أنفسهم غارقين فيه لساعات طويلة لا يشعرون بمرورها.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والمدينة خلف نافذتها تلمع بأضواء الإعلانات الهولوغرافية التي تعرض وعودًا بريقها لا ينطفئ: "جِد حبك الحقيقي في دقائق"، تتراقص فوق ناطحات السحاب البعيدة بألوان زرقاء وبنفسجية متغيرة، تنعكس على زجاج نافذتها كأنها لوحة سائلة لا تهدأ أبدًا. ياسمين، المهندسة التي أنهت للتو مشروعًا مرهقًا في شركتها استمر أشهرًا طويلة من السهر والتفاصيل الدقيقة، شعرت بثقل غريب في صدرها لم تعرف مصدره بالضبط، شيء أشبه بالفراغ الذي يعقب إنجاز عمل مهم دون أن يكون هناك من يشاركها فرحته أو حتى يسألها كيف سارت الأمور. كان عمرها قد قارب التاسعة والعشرين، ورقم كهذا في مجتمعها الصغير المتشبث بعادات قديمة كان يُنطق أحيانًا وكأنه حكم نهائي لا استئناف فيه، جملة تُقال بنبرة أسى مصطنعة في كل مناسبة عائلية، وكأن الزمن يعدّ عليها أنفاسها.
في العشاء الأخير عند والديها، لم تكن الأسئلة المعتادة غائبة: "وإيه أخبار الجواز يا ياسمين؟"، "بنت خالتك اتجوزت الشهر اللي فات، وهي أصغر منك بسنتين"، "إحنا مش هنعيش لك طول العمر عشان نطمن عليكِ يا بنتي". كانت كل جملة تسقط عليها كحجر صغير، لا يكسر شيئًا بمفرده، لكنه يتراكم حتى يصبح ثِقلاً خانقًا يجعلها تعتذر بصداع مصطنع لتغادر مبكرًا قبل أن تنهار أمامهم أو تقول كلامًا لا تقصده. لم تكن ياسمين تكره فكرة الزواج في حد ذاتها، ولم تكن ترفضها كموقف مبدئي كما ظن بعضهم، لكنها كانت تكره أن تُختزل حياتها كلها في هذا السؤال الواحد المتكرر، وكأن كل إنجازاتها المهنية التي تعبت من أجلها، وكل الليالي التي أمضتها تتعلم وتبني نفسها بمفردها بعيدًا عن أي مساعدة أو دعم مالي من أحد، لا تساوي شيئًا أمام غياب خاتم بسيط في إصبعها.
جلست في سيارتها بعد ذلك العشاء لدقائق طويلة قبل أن تحرك المحرك، تنظر إلى انعكاسها في المرآة الأمامية، وتتساءل بصمت متى تحوّلت حياتها إلى مسابقة توقيت لا تعرف قواعدها بالضبط، ومتى أصبح النجاح المهني الذي طالما افتخرت به مجرد تفصيل هامشي في نظر من حولها، بينما الزواج وحده هو ما يُحسب ويُقاس ويُقارن به.
ضغطت أخيرًا على الأيقونة، بعد تردد طويل شعرت خلاله أن يدها تتصرف بإرادتها الخاصة بعيدًا عن تحفظات عقلها. ظهرت واجهة أنيقة، بألوان هادئة تميل إلى درجات البنفسجي الفاتح والأزرق الليلي، وصوت اصطناعي رقيق رحّب بها بحرارة مدروسة بعناية: "أهلاً ياسمين، دعينا نبدأ رحلتك نحو القلب الآخر". طلب منها التطبيق أن تتحدث بحرية لمدة دقيقتين عن نفسها، بينما يحلل النظام نبرتها ومفرداتها وحتى فترات صمتها القصيرة بين الجمل. شعرت بحرج بسيط وهي تتحدث إلى هاتفها في غرفتها المظلمة، تتلعثم في الجملة الأولى وتضحك من نفسها بارتباك، وتوقفت مرتين لتعيد صياغة كلامها قبل أن تسمح للتسجيل بالاستمرار. لكنها استسلمت للفكرة تدريجيًا، وبدأت تتكلم عن عملها، عن حبها للقراءة في ليالي الشتاء الباردة وهي ملفوفة ببطانية ثقيلة، عن خوفها الغامض من المستقبل الذي لا تعرف ملامحه، وعن شعورها أحيانًا بأنها تسير في طريق رسمه لها آخرون أكثر مما رسمته لنفسها.
بعد دقائق، وبينما كانت شاشة "جارٍ التحليل" تدور ببطء أمامها في دوائر ضوئية متتابعة، ظهرت لها أخيرًا نتيجة: توافق بنسبة سبعة وتسعين بالمئة مع مستخدم يحمل اسم "سليم". لم تكن صورته واضحة تمامًا؛ ظل خفيف على وجه رجل يبدو في الثلاثينيات، ابتسامة نصف مكتملة توحي بغموض محبب أكثر مما تكشف عن ملامح واضحة، ونبذة قصيرة كتبها بعناية بالغة تكاد تكون مصقولة أكثر من اللازم: "أبحث عن شخص يفهم أن الصمت أحيانًا أصدق من الكلام". شعرت ياسمين بشيء يشبه الفضول الممزوج بالحذر، وأعادت قراءة الجملة مرتين قبل أن تسمح لنفسها بالابتسام، وكأنها تختبر وقعها على قلبها في كل مرة.
فكّرت للحظة في رغد، صديقتها المقربة منذ سنوات الجامعة، التي كانت دائمًا تحذّرها من هذه التطبيقات بنبرة من جرّبت واكتوت شخصيًا، وتحكي لها قصصًا متكررة عن رجال اختفوا فجأة بعد أسابيع من الحديث الدافئ المتصل، أو تبيّن أنهم يكذبون حتى في أبسط التفاصيل عن أنفسهم كأعمارهم الحقيقية أو حالتهم الاجتماعية. لكنها في تلك اللحظة بالذات لم تشأ أن تسمع تحذيرًا آخر، ولا أن تُثقل قرارها الصغير بصوت عاقل قادم من الخارج يفسد عليها لحظة أمل نادرة. أرادت فقط أن تشعر، ولو للحظة واحدة سارقة من ليل طويل ومرهق، أن هناك من يراها كإنسانة كاملة ذات قيمة، لا كرقم متأخر على قائمة الزواج تتناقله ألسنة الأقارب بشماتة خفية في كل تجمع عائلي.
كتبت رسالتها الأولى، بأصابع مترددة راجعتها ثلاث مرات قبل الإرسال، تحذف كلمة وتضيف أخرى، خشية أن تبدو متحمسة أكثر من اللازم أو باردة أكثر مما تقصد: "مرحبًا سليم، أعجبتني نبذتك". لم يمر دقيقتان حتى جاء الرد، سريعًا بما يكفي ليشعرها بأنه كان ينتظر فعلًا أمام شاشته: "وأنا انتظرتك أكثر مما تتخيلين". كانت الجملة بسيطة، لا تحمل بلاغة خاصة أو صياغة معقدة، لكنها لامست شيئًا في داخلها ظنّته قد جفّ منذ زمن طويل، شيء أشبه بالدفء الذي لم تعد تتوقعه من كلمات غريب على شاشة باردة. أغلقت الهاتف وهي تبتسم لأول مرة منذ أسابيع طويلة مثقلة بالروتين، ووضعته على الوسادة المجاورة كما لو كان كائنًا حيًا يستحق الرعاية، غير مدركة أن هذه الرسالة الصغيرة العابرة ستكون بداية طريق طويل ومعقد، مليء بالمنعطفات التي لم تكن لتتخيلها حتى في أشد كوابيسها.
في تلك الليلة لم يغالبها النوم بسهولة كعادتها. استلقت على سريرها تحدّق في السقف الأبيض، تعيد على مسامعها جملة سليم كما تُعاد أغنية قديمة عالقة في الذهن، وتحاول أن تقنع نفسها بأنها مجرد كلمات مجاملة صاغتها خوارزمية ماهرة مصممة خصيصًا لتُبقي المستخدمين معلّقين بالشاشة أطول فترة ممكنة. لكن قلبها، ذلك العنيد الذي طالما أنصتت لعقلها دونه في قرارات كثيرة سابقة، كان يهمس بشيء آخر تمامًا يصعب تجاهله. تناولت الهاتف مرة أخرى بيد نصف نائمة، وتأملت الإشعار الصغير الذي ما زال يضيء في أعلى الشاشة، ثم أعادته إلى مكانه بابتسامة متمردة خفية. قالت لنفسها إن الحذر يمكن أن ينتظر حتى الصباح، وإن من حقها، لليلة واحدة فقط، أن تصدّق أن أحدًا ما ينتظرها فعلًا في هذا العالم الواسع، وأن الأمل، مهما كان هشًا، ليس جريمة تستحق كل هذا القلق المسبق.
خارج نافذتها، استمرت أضواء المدينة في الوميض بلا توقف، إعلانات متلألئة تتغير كل بضع ثوانٍ بلا كلل، وكأنها تراقب في صمت آلاف القصص المشابهة التي بدأت بالطريقة نفسها بالضبط، في غرف مظلمة مشابهة، على وسائد مشابهة، بقلوب متعبة من الانتظار الطويل تبحث عن أي ضوء دافئ وسط عتمة مدينة لا تتوقف أبدًا عن الحركة ولا تكترث لمصير عابر واحد بين ملايين العابرين فيها
لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي
لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي
مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص
في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه
لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا
جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء بهدوء لا يليق بحجم ما حملته. لم تكن هناك عاصفة ولا نذير، بل مساء عادي من مساءات الخريف، برائحة أوراق مبللة بمطر خفيف، وأضواء الإعلانات الهولوغرافية تتراقص فوق الشارع كما تفعل كل ليلة. كانت ياسمين قد قررت، بعد أشهر من الانتظار والتردد، أن "الحب الحقيقي" الذي تعيشه يستحق أن تتجاوز من أجله كل الحدود التي وضعها المجتمع، وكل التحذيرات التي سمعتها. لم يكن قرارها مفاجئًا بقدر ما كان تراكمًا بطيئًا لشهور من العزلة العاطفية والحاجة الملحة لأن تشعر بأنها مرغوبة ومميزة، كقطرات صغيرة تتجمع في وعاء إلى أن تأتي قطرة لا تختلف عن سابقاتها فيفيض.في تلك المرحلة، كانت ياسمين قد التقت بسليم أخيرًا، بعد أشهر طويلة من التأجيل، في لقاء واحد قصير غامض، لم يشبه ما تخيلته، لكنها أقنعت نفسها أن "الواقع دائمًا أقل بريقًا من الخيال". كان اللقاء في حديقة فندق هادئ على أطراف المدينة، تحت مصابيح خافتة تلقي على الأشياء ضوءًا أصفر مبهمًا. وصل متأخرًا نصف ساعة، بقبعة مسدلة ووشاح يخفي نصف وجهه، معتذرًا بأن عينيه تتأذيان من الضوء القوي. تحدث قليلًا وبصوت منخفض، وكان في نبرته ذلك الدفء المأل







