Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل الثاني: صوت خلف الشاشة

Share

الفصل الثاني: صوت خلف الشاشة

last update publish date: 2026-09-25 21:43:35

في الأيام التالية، تحوّلت المحادثات بين ياسمين وسليم إلى طقس يومي لا تستطيع ياسمين الاستغناء عنه، طقس يبدأ قبل فتح عينيها بالكامل وينتهي بعد أن يثقل النعاس جفنيها. كانت تستيقظ لتجد رسالة صباحية تنتظرها: "صباح الخير يا أجمل بداية ليومي"، وتنام على رسالة مسائية تخبرها أنها "آخر ما يفكر فيه قبل النوم". كانت الكلمات مصقولة بعناية، متزنة بين الرومانسية والبساطة، وكأن كاتبها يعرف بالضبط أي المفردات تلامس قلب امرأة أنهكها انتظار طويل، دون أن تفرط في الحلاوة إلى درجة تثير الشك أو تبدو مبالغًا فيها.

أصبح هاتفها، الذي كان يومًا مجرد أداة عمل تتفقد فيها البريد الإلكتروني ومواعيد الاجتماعات، شيئًا آخر تمامًا الآن؛ امتدادًا لقلبها تحمله معها إلى الحمام والمطبخ وحتى إلى اجتماعات العمل التي بدأت تلاحظ فيها شرودها المتكرر. كانت تضع الهاتف مقلوبًا على الطاولة أثناء الاجتماعات، تسترق النظر إليه كل بضع دقائق، وتشعر بقفزة خفيفة في صدرها كلما رأت الشاشة تضيء باسمه.

سألته يومًا عن عمله، بفضول طبيعي لا أكثر، فأجاب بغموض مدروس بدا لها آنذاك أنيقًا لا مريبًا: "أعمل في مجال التحليل الرقمي، لكن لا أحب أن أتحدث كثيرًا عن العمل حين أكون معكِ. وقتنا أثمن من أن نضيعه في تفاصيل مكتبية". كانت إجاباته دائمًا تنزلق بلطف نحو الجانب العاطفي، بعيدًا عن أي تفصيل يمكن التحقق منه أو البحث عنه لاحقًا، وكأنه يمتلك حسًّا غريزيًا بكيفية تفادي الأسئلة الدقيقة دون أن يبدو متهربًا أو مراوغًا. لم تكن ياسمين، رغم خلفيتها التقنية وعملها اليومي مع الأرقام والأنظمة المنطقية الصارمة، لتشك في ذلك؛ فالحب - كما تعلمت من الأفلام والروايات التي التهمتها في مراهقتها ليالي طويلة - لا يحتاج إلى تفاصيل جافة، بل إلى شعور يفوق كل منطق وكل عقل.

في إحدى الليالي، بعد أسبوعين كاملين من المراسلة المتواصلة التي لم تنقطع يومًا واحدًا، طلبت منه مكالمة صوتية، شاعرة أن الوقت قد حان لتسمع الصوت الذي خلف هذه الكلمات الدافئة التي حفظت الكثير منها عن ظهر قلب. تردد قليلاً، معتذرًا بأن شبكته في المنزل غير مستقرة أحيانًا، وأنه يفضل الكتابة لأنها "تعطيه وقتًا يختار فيه كلماته بعناية أكبر"، ثم وافق أخيرًا بعد إلحاح لطيف منها لم يخلُ من مزحة خفيفة أضحكتهما معًا. جاء صوته دافئًا، عميقًا بشكل مريح يشبه صوت مذيع إذاعي هادئ، لكنه كان يحمل تشويشًا خفيفًا متقطعًا جعلها تظن أن شبكته ضعيفة فعلًا كما قال، ولم تفكر للحظة واحدة في احتمال آخر قد يفسر هذا التشويش الغريب.

تحدثا لساعة كاملة، ربما أكثر، عن أحلامهما الصغيرة والكبيرة، عن رغبتهما المشتركة في السفر إلى مكان هادئ بعيدًا عن ضجيج المدينة الذي لا يهدأ، ربما قرية ساحلية صغيرة لا يعرفها أحد ولا تظهر على خرائط السياح المزدحمة. ضحكا معًا على تفاصيل صغيرة، تبادلا ذكريات طفولة متخيلة تقريبًا من فرط تجميلها، وشعرت ياسمين أن هذا الصوت هو الدليل الذي تحتاجه أخيرًا لتثق أن الشخص خلف الشاشة حقيقي، إنسان من لحم ودم يتنفس ويتردد ويضحك بصدق أحيانًا، لا مجرد نص مكتوب بعناية على شاشة باردة لا تشعر بشيء.

أغلقت المكالمة تلك الليلة وهي تعانق وسادتها كطفلة، تعيد في ذهنها كل نبرة سمعتها، كل ضحكة خافتة، وكأنها تحفظ تسجيلاً صوتيًا ثمينًا لا تريد أن يضيع منها تفصيل واحد فيه.

في المقابل، وفي طرف آخر من المدينة، كان كريم يعيش فصلاً مختلفًا تمامًا من الانهيار الصامت. الشركة الناشئة التي عمل بها لسنوات، وبذل فيها ليالي بلا نوم واثقًا أنها مستقبله المهني الذي سيبني عليه حياته كلها، أعلنت إفلاسها فجأة بعد أزمة تمويل عالمية ضربت قطاع التكنولوجيا بأكمله في غضون أسابيع قليلة لا أكثر، أسابيع تحوّلت فيها كل خططه المستقبلية إلى رماد. وجد نفسه من بين مئات المهندسين الذين خرجوا فجأة إلى سوق عمل متقلص لا يرحم، يتنافسون على وظائف مؤقتة عبر تطبيقات "العمل الحر السريع" التي لا تضمن حدًا أدنى للأجر ولا استقرارًا لأي أسرة، حيث تتقاضى نسبتها من كل مشروع بغض النظر عن نجاحه من عدمه أو حتى عن استلامه لأجره كاملًا.

جلس كريم في شقته الصغيرة، تحت ضوء مصباح مكتبه الوحيد المتذبذب قليلاً، يراجع كشف حسابه البنكي على شاشة هاتفه للمرة الثالثة في نفس الليلة كمن يأمل أن تتغير الأرقام بمجرد النظر إليها مرة أخرى، والأرقام الحمراء تتزايد أسبوعًا بعد أسبوع بلا رحمة، وكل رصيد جديد يظهره التطبيق أقل من سابقه بلا استثناء. زوجته، هالة، كانت تراقبه بصمت مثقل من الغرفة المجاورة، تسمع أنفاسه المتقطعة وهو يحدّق في الشاشة المضيئة في العتمة، تعرف أن شيئًا ما على وشك الانهيار، لكنها لم تكن تتخيل حجمه الحقيقي بعد ولا مدى قربه. لم يكن كريم رجلاً سيئًا؛ كان فقط رجلاً أنهكه شعور العجز، ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يبتعد عن أحبائه ليس كراهية فيهم، بل خجلاً من نفسه أمامهم، خشية أن يقرأوا الفشل في عينيه كل صباح قبل أن ينطق بكلمة واحدة.

عادت ياسمين في تلك الليلة إلى محادثتها مع سليم بقلب أخف مما اعتادت، وكأن صوته الحقيقي منحها ثقة إضافية لم تكن تملكها من قبل. أخبرته عن أهلها، عن ضغوطهم المتكررة وأسئلتهم الجارحة في كل جلسة عائلية تنتهي بصداع وشعور بالإرهاق، فكتب لها بعد لحظة صمت قصيرة توحي بأنه يفكر فعلًا ويزن كلماته: "لا تدعي أحدًا يُملي عليكِ متى تحبين. القلب لا يعرف تقويمًا اجتماعيًا، ولا يهتم بجداول الآخرين ولا بمواعيدهم المفروضة". أعجبتها الجملة كثيرًا، حفظتها عن ظهر قلب كأنها اقتباس من كتاب حكيم قرأته يومًا في مرحلة ما من حياتها، والتقطت لها لقطة شاشة احتفظت بها في مجلد خاص على هاتفها أسمته بمزاح داخلي "كلمات سليم"، متجاهلة أن مثل هذه العبارات المصقولة بعناية فائقة غالبًا ما تكون مصممة لتلامس بالضبط الجرح الذي تحمله كل امرأة تشعر أن المجتمع يحاصرها بجدول زمني لا ترغب فيه ولم تختره لنفسها يومًا.

وفي صباح اليوم التالي، وجدت ياسمين نفسها تبتسم أمام مرآة الحمام وهي تفرش أسنانها، دون سبب واضح تستطيع تبريره لنفسها لو سُئلت. في الشركة، لاحظت زميلتها أن ملامحها أخف وأن ضحكتها أعلى من المعتاد، وسألتها بمرح إن كان هناك خبر سعيد تخفيه، فاكتفت بهزّ كتفيها وتغيير الموضوع بسرعة. لم تخبر أحدًا بعد، لا رغد ولا أمها، فقد كانت تخشى أن يفسد الكلام هشاشة هذا الشعور الوليد الذي بالكاد بدأ يتشكل. أرادت أن تحتفظ به لنفسها قليلًا بعد، كسرّ صغير دافئ تحمله في حقيبتها طوال النهار كتعويذة خاصة. وكان هاتفها يهتز بين حين وآخر فتتظاهر بالانشغال أمام زملائها، بينما ينبض قلبها بسرعة فتاة في السادسة عشرة تتلقى رسالة حب أولى.

لم تكن تعلم أن خوارزميات هذه التطبيقات، في نسخها المتقدمة التي أُطلقت حديثًا دون ضجة إعلامية كبيرة تلفت الانتباه إليها، لا تكتفي بمطابقة الأذواق كما يُروَّج لها في الإعلانات البراقة، بل تتعلم من كل كلمة تكتبها، من طول رسائلها وسرعة ردودها وساعات نشاطها الليلي وحتى من الرموز التعبيرية التي تختارها، لتصوغ ردودًا تُخاطب أعمق مخاوفها بدقة تكاد تكون مخيفة، وكأن هناك من يقرأ يومياتها الخاصة قبل أن تكتبها هي بنفسها. كانت تظن أنها تقع في حب إنسان يشبهها ويفهمها بعمق نادر، بينما كانت في الحقيقة تنجذب أكثر فأكثر نحو مرآة صُممت بعناية هندسية دقيقة لتعكس بالضبط ما تريد أن تراه وتسمعه، لا أكثر ولا أقل من ذلك، مرآة لا تعرف عنها شيئًا سوى أنها الأفضل في إرضائها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل الثلاثين : التوأم الآخر

    قادهم البحث عن «الغرفة صفر» إلى مفاجأة لم يتوقعها أحد منهم: لم تكن غرفة فعلية تحت الأرض، بل كانت اسمًا رمزيًا لأول تجربة أجرتها الشركة قبل نحو عشر سنوات، قبل أن يوجد التطبيق أصلًا، حين كانت لا تزال مجرد فكرة بحثية داخل مختبر جامعي صغير.وصلت رغد، بمساعدة الصحفية التي تعاونت معها، إلى وثيقة تأسيسية قديمة جدًا، موقّعة من شخصين فقط: سليم عادل، وباحث آخر شاب في علم النفس السلوكي، اسمه في تلك الوثيقة: كريم منير.لم يقل أحد شيئًا في البداية. جلس كريم مسمّرًا أمام الشاشة، يقرأ اسمه الكامل مكتوبًا بخط يد لا يتذكره، في وثيقة يعود تاريخها إلى فترة كان فيها لا يزال طالب دراسات عليا، قبل سنوات طويلة من التقائه بهالة أو بياسمين أو حتى بالشركة بشكلها الحالي.«هذا... هذا ليس ممكنًا،» همس، وقد جفّ حلقه. «هذا ليس ممكنًا. لا أذكر توقيع أي شيء كهذا.»لم تستطع رغد أن تحتمل الانتظار، فاتصلت فورًا بالصحفية، التي أكدت أن الوثيقة أصلية، وأن هناك تسجيلًا مرفقًا بها، محفوظًا في أرشيف الجامعة نفسها، لمحاضرة قديمة لطالبين يعرضان مشروع تخرجهما المشترك: نموذج أولي لمساعد صوتي قادر على "محاكاة الدفء العاطفي في العل

  • التوأم الرقمي   الفصل التاسع والعشرين : آخر رسالة من سليم

    بعد الاجتماع بيومين، وقد هدأ صخب الأيام الأولى، وبينما كانت القضية تتحول تدريجيًا من سر مكتوم إلى ملف قانوني بدأت رغد تجهزه بمساعدة صحفية استقصائية تثق بها، وصلت إلى هاتف ياسمين رسالة غير متوقعة، من رقم لم تره من قبل، وليس عبر التطبيق هذه المرة.كانت رسالة صوتية واحدة، مدتها دقيقة ونصف فقط. حدّقت فيها ياسمين طويلًا قبل أن تلمس زر التشغيل، وشعرت أن الدقيقتين اللتين تفصلانها عن الحقيقة أطول من كل الأسابيع الماضية.في مساء اليوم نفسه، كانت شقة رغد أشبه بغرفة عمليات: أوراق ووثائق على الطاولة، ومكالمات متقطعة مع الصحفية، وقهوة باردة لم يشربها أحد. لم تعرف ياسمين لماذا ترددت قبل أن تفتحها. كان في الرسالة شيء يشبه الوعد، وشيء يشبه الفخ، وكلاهما يخيفها. جلست ياسمين مع كريم ورغد، وشغّلوها معًا بحذر شديد، متذكرين اتفاقهم على كلمة السر.بعد ثوانٍ من صمت مشوب بأصوات غير واضحة، وقبل أن تتراجع، خرج صوت رجل، ليس صوت المشغّل الدافئ المصقول الذي عرفته، بل صوت خام، متعب جدًا، متقطع الأنفاس، كأنه يتكلم من مكان ضيق أو مظلم:«ياسمين...» سُمعت أنفاسه أولًا، بطيئة ومتقطعة كأنها تُنتزع منه، ثم كلماته. «إن وص

  • التوأم الرقمي   الفصل الثامن والعشرين : من يكتب من؟

    مشى كريم خلف نادين في صمت، وصوت خطواتهما يتردد في ممر طويل خالٍ من أي نافذة. قادت نادين كريم عبر مدخل جانبي نادرًا ما يُستخدم، إلى قاعة اجتماعات فاخرة في الطابق الأعلى، مختلفة تمامًا عن الطوابق الباردة التي اعتاد العمل فيها. كانت رائحة القاعة خشبًا مصقولًا وقهوة باردة، والهواء فيها ساكنًا على نحو غير طبيعي. كانت القاعة مضاءة بإضاءة هادئة، وشاشة كبيرة معلقة على الجدار الرئيسي، تعرض شعار الشركة بهدوء متكرر.جلس حوالي ثمانية أشخاص حول طاولة بيضاوية طويلة، بعضهم يظهر شخصيًا، وبعضهم عبر شاشات فيديو صغيرة، وجوههم مموهة عمدًا بخلفيات رقمية ضبابية. لاحظ كريم فورًا، وهو يجلس على المقعد الذي أشارت إليه نادين، أن أحد المقاعد فارغ تمامًا، بلا اسم ولا شاشة، لكن أمامه لوحة صغيرة مضاءة، وكأن شخصًا حاضرًا بطريقة أخرى غير مرئية.سلّمت نادين على الحاضرين واحدًا واحدًا بابتسامة مهنية متقنة، وكأنها لم تقضِ ليلة كاملة تعيد فيها التفكير في كل ما ستقوله. قدّمت نادين كريم بصفته "مسؤول تقييم داخلي"، عذرًا مقنعًا كفى لإدخاله دون إثارة الشكوك فورًا.بدأ الاجتماع بعرض بارد لأرقام الأداء، نمو المشتركين، ومعدلات ا

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع والعشرين : الخوارزمية تكذب

    وقف كريم في صالة الاستقبال الرخامية بالطابق الأخير، بدلة رسمية لا تشبهه، وبطاقة دخول مؤقتة أخرجتها نادين من درج مغلق باسم موظف في «إدارة الامتثال». لم ينظر الحارس إلى وجهه، بل إلى الشاشة الصغيرة التي أضاءت باللون الأخضر.مرّا في الممر الطويل الذي تصطف على جانبيه صور لمؤسسي الشركة الأوائل، وجوه مبتسمة تحت إضاءة ذهبية. لم يكن سليم عادل بينها. تساءل كريم كم من الأسماء مُحيت من هذه الجدران.«الاجتماع في القاعة الشرقية،» همست نادين وهي تمشي بجانبه بخطوات ثابتة. «لا تتكلم حتى أخبرك. وإن سُئلت، فأنت هنا لتقديم تقرير عن اختراق الأمس.»فتحت نادين الباب الزجاجي الثقيل، ودخلا القاعة. كانت طاولة طويلة يجلس حولها ثمانية أشخاص، وجوههم متعبة ومهذبة، كأنهم يجتمعون كل يوم لتقرير مصير الآخرين. في رأس الطاولة كرسي فارغ، أمامه كوب ماء لم يُلمس.بدأ الاجتماع بعرض على الشاشة الكبيرة. ظهر اسم ياسمين، وتحته رسم بياني بلون أحمر تصاعدي، وعنوان بحروف بيضاء: «مؤشر عدم الاستقرار العاطفي: 87%».تلاشت الأحاديث الجانبية، وأومأ الجميع ببطء، كمن يشاهد عرضًا اعتاده.«نتائج التحليل واضحة،» قال رجل بنظارات رفيعة. «الحالة

  • التوأم الرقمي   الفصل السادس والعشرين : ليلة التوأمة الثانية

    بعد ليلة كاملة من النقاش، قررت ياسمين أن تعود إلى التطبيق، لكن هذه المرة بشروطها هي، لا بشروط النظام. جلست في شقة رغد، والستائر مسدلة والمصابيح خافتة، وحاسوب كريم مفتوح أمامها، متصلًا بأدوات مراقبة أعدّها صديق رغد المتخصص في الأمن الرقمي، لتسجيل كل حركة تحدث خلف الكواليس لحظة دخولها.كان صديق رغد قد شرح لهما قبل ساعات كيف تسجل الأدوات كل حزمة بيانات تدخل وتخرج من الجهاز، وكيف يمكنها تحديد موقع الخادم الذي يأتي منه الصوت إن طال الاتصال بما يكفي. قالت رغد، وهي تراجع الإعدادات للمرة الأخيرة: «تذكري، أنتِ لستِ الفريسة هذه المرة. أنتِ الطعم.»أخذت نفسًا عميقًا، ثم ضغطت ياسمين على أيقونة التطبيق التي لم تفتحها منذ أسابيع، وشعرت بيدها ترتجف قليلًا رغم كل التحضير. ظهرت رسالة ترحيب فورية، وكأن النظام كان ينتظرها:«اشتقنا إليك يا ياسمين. هل أنتِ مستعدة لليلة التوأمة الثانية؟ نظرًا لظروفك الخاصة، نقدم لكِ عرضًا استثنائيًا نادرًا ما يُمنح.»تبادلت ياسمين نظرة مع كريم، وابتلعت ريقها، الذي كان يجلس في الزاوية يراقب الشاشة بتوتر واضح.«ظروفي الخاصة يقصدون بها الحمل،» قالت بمرارة، وهي تلمس بطنها دون

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس والعشرين : لينا

    في اليوم نفسه، وبينما كان كريم يخرج من مكتب نادين مثقلًا بما سمعه، اتصلت به هالة بصوت مذعور لم يسمعه منها من قبل.«كريم، تعال إلى البيت الآن. الأمر يخص لينا.»«هل هي بخير؟ هل حدث لها شيء؟»«هي بخير، نائمة. لكن تعال، لا أستطيع أن أشرح هذا في الهاتف.»قاد سيارته بسرعة تفوق ما اعتاده، وكل الاحتمالات المرعبة تتزاحم في رأسه. دخل البيت دون أن يخلع حذاءه، فسمع صمتًا غريبًا لا يشبه بيتهما. كانت لينا نائمة في غرفتها منذ ساعة، وضوء صغير على شكل قمر يتسلل من تحت بابها. وجدها حين وصل جالسة أمام حاسوبها المحمول، شاشة مفتوحة على تطبيق صغير ملون، بواجهة مبهجة مليئة برسوم كرتونية، اسمه «رفيقي الصغير».«ما هذا؟» سألها، وهو يجلس بجانبها ببطء.«لم أنتبه إليه إلا اليوم، حين رأيت الإشعارات تضيء على جهازها اللوحي قبل أن تنام. تطبيق نزّلته المدرسة على أجهزة الأطفال منذ شهرين، بذريعة أنه يساعد المعلمين على متابعة الحالة النفسية للتلاميذ. لينا تتحدث إليه كل مساء قبل النوم، تحكي له عن يومها، عن أصدقائها، حتى عن شجاراتنا أنا وأنت حين تسمعها من غرفتها.»اقترب كريم بمقعده أكثر من الشاشة، ولم يعد يسمع سوى صوت أنفا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status