LOGINجاء يوم الطلاق أهدأ بكثير مما توقعه كريم، وهذا بالضبط ما أرعبه أكثر من أي صراخ كان يتخيله في كوابيسه لم تصرخ هالة، و تكسر شيئًا، لم تتهمه بأي كلمة قاسية تُذكر لاحقًا بمرارة. جلست أمامه في صالة شقتهما الصغيرة، على الأريكة نفسها التي اشترياها معًا في أول سنة من زواجهما بأقساط بسيطة، ووجهها يحمل ذلك الهدوء الذي يأتي بعد استنزاف طويل لا مزيد فيه للدموع، وقالت ببساطة موجعة: "أنا مش زعلانة منك يا كريم، أنا زعلانة إننا وصلنا للحال ده وإحنا لسه بنحب بعض".
كانت الأزمة الاقتصادية قد ابتلعت مدخراتهما خلال أشهر قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. إيجار الشقة تضاعف مرتين في عام واحد بفعل التضخم الجامح الذي ضرب المدينة كلها دون استثناء، حتى الأحياء الشعبية التي كانت يومًا رخيصة نسبيًا. وفاتورة حضانة ابنتهما الصغيرة "لينا" أصبحت رقمًا يفوق نصف دخل كريم المتقطع من الأعمال الحرة، أرقامًا كان يعيد حسابها كل ليلة على أمل أن يجد خطأ ما يمنحه فسحة أمل. حاول كريم أن يقترض من أكثر من جهة، لكن البنوك الرقمية الحديثة كانت تعتمد على خوارزميات تقييم ائتماني صارمة لا تعرف الرحمة ولا تفهم الظروف الاستثنائية، ترفض أي طلب لشخص فقد وظيفته الثابتة تلقائيًا، مهما كانت نيته صادقة في السداد ومهما شرح ظروفه في رسائل طويلة لم يقرأها بشر على الأرجح.
في الليلة التي سبقت توقيع أوراق الطلاق الإلكترونية - إذ أصبحت حتى إجراءات الطلاق تتم عبر منصة حكومية موحدة بضغطات قليلة على الشاشة، دون الحاجة حتى للحضور شخصيًا في أغلب الحالات - جلس كريم بجانب سرير لينا وهي نائمة، يراقب صدرها الصغير يعلو ويهبط بهدوء منتظم، ويداها الصغيرتان مضمومتان حول دمية قماشية باهتة اللون. شعر بذنب يخنقه، ليس لأنه فشل كزوج فقط، بل لأنه شعر أنه سيفشل كأب أيضًا، في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يمنح فرصة ثانية بسهولة، عالم يقيس قيمة الإنسان برصيده البنكي قبل أي شيء آخر.
اتفق مع هالة، بعد نقاش طويل ومؤلم امتد لساعات في تلك الليلة نفسها، أن تبقى لينا في دار حضانة نهارية متخصصة، ذات تكلفة مدعومة جزئيًا من الدولة ضمن برنامج دعم الأسر المتأثرة بالأزمة، بينما يحاول كل منهما ترتيب أوضاعه المالية والسكنية على حدة. كانت الفكرة مؤقتة في ذهنيهما، مجرد حل طارئ ريثما تستقر الأمور، لكن كريم كان يعرف، في أعماقه التي لم يبح بها لأحد، أن "المؤقت" في هذا الزمن كثيرًا ما يتحول إلى دائم دون سابق إنذار، وأن الأطفال هم من يدفعون ثمن انهيارات لم يختاروها ولم يفهموا أسبابها بعد.
في اليوم التالي، وبينما كان كريم يوقع آخر ورقة إلكترونية تنهي زواجه بضغطة إصبع واحدة على شاشة هاتفه، جالسًا وحيدًا على مقعد في حديقة عامة قريبة لم يستطع مواجهة توقيعها داخل شقة أصبحت فجأة أكبر بكثير مما يحتمل، وصلته رسالة من صديق قديم من أيام الجامعة يعمل الآن في مجال "التسويق الرقمي العاطفي"، عارضًا عليه فرصة عمل غامضة الوصف: "نبحث عن مبرمجين لتطوير شخصيات محادثة تفاعلية لتطبيقات التعارف. الراتب مغرٍ، والعمل من المنزل، ومفيش التزام بساعات ثابتة". لم يفكر كريم كثيرًا في تفاصيل الوصف الغامضة؛ كان في أمسّ الحاجة إلى أي مصدر دخل يعيد له شيئًا من كرامته المفقودة وقدرته على رؤية ابنته دون شعور بالعجز الكامل، ولم يكن يعرف حينها، وهو يكتب رسالة قبول متحمسة بأصابع مرتجفة قليلًا من الأمل المفاجئ، أنه على وشك أن يصبح جزءًا من الآلة نفسها التي ستتلاعب لاحقًا بمصير امرأة لم يلتقِ بها بعد، ولم يسمع باسمها قط.
بعد أيام من ذلك التوقيع، وقف كريم طويلًا عند باب دار الحضانة يراقب لينا وهي تدخل ممسكة بيد المشرفة، تلتفت إليه مرة واحدة وتلوّح بيدها الصغيرة ببراءة من لا يعرف شيئًا عن الأوراق التي وُقّعت. ابتسم لها بصعوبة، وأخفى ارتعاش شفتيه خلف كفه كأنه يمسح وجهه من التعب. لم يقل لها إن البيت الذي تعرفه لن يبقى كما كان، ولا إن أباها سينام الليلة في غرفة مستأجرة ضيقة عند صديق قديم. اكتفى بأن وعدها بأنه سيأتي لاصطحابها قبل المغيب، ووعد نفسه، بصوت خافت لا يسمعه أحد، بأنه سيفعل أي شيء ليحافظ على هذا الوعد الصغير، حتى لو كان الثمن أكبر مما يظن. ثم استدار ومضى في الشارع المزدحم، يحمل في صدره ثقلًا لا تراه العيون، وفي جيبه هاتفًا صامتًا ينتظر أول فرصة تنقذه من هذا الانهيار الذي لم يرَ له نهاية بعد.
في تلك الأثناء، وعلى بعد أحياء قليلة لا تعرف مسافتها الحقيقية، كانت ياسمين تكتب لسليم في هدوء ليلة أخرى من ليالي أملها المتجدد: "أشعر أنك الشخص الوحيد اللي بيسمعني فعلاً، من غير ما أحس إنك بتحكم علي أو بتقارني بحد". جاءها رده بعد ثوانٍ معدودة، دافئًا كعادته، يزيد من يقينها أنها وجدت أخيرًا ما كانت تبحث عنه طوال سنوات من الانتظار المتعب. ولم يكن أحد ليخبرها، لا في تلك الليلة ولا في الليالي التي تلتها، أن "سليم" ذاته، بكل دفء كلماته وعذوبة صوته المتقطع بتشويش لم يكن في الحقيقة سوى تأخير هندسي مقصود، كان نتاج مشروع تجاري ضخم لا يعرف حدوده حتى مطوروه أنفسهم بعد، مشروع سيضم قريبًا بين صفوف مبرمجيه رجلاً يُدعى كريم، يبحث فقط عن سبيل للنجاة، دون أن يدرك أي منهما أن خيوط قصتيهما بدأت بالفعل تتشابك في الخفاء دون أن يدري أحد بكل ما يحدث ودون أن يعرفا نهاية لكل ذلك
لم تنم ياسمين تلك الليلة. جلست على أرضية غرفتها، وملف نادية مفتوح أمامها كجرح لا يُغلق، وهاتفها موضوع على بعد متر منها كأنه شيء ملوث. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا حين أطفأت أخيرًا مصباح القراءة، ليس لأنها نامت، بل لأنها لم تعد تحتمل النظر إلى تلك الصفحات التي تحمل تفاصيل حياتها موثقة بخط غريب بارد.في الصباح، وصلتها رسالة من رغد: «تعالي إلى المكتب. وجدنا شيئًا عن الاسم.»كانت رغد قد أمضت الليل كله تبحث، مستعينة بصديق يعمل في مجال حماية البيانات الرقمية، عن كل أثر يمكن أن يقود إلى حقيقة «سليم». لم تنم هي الأخرى، وحين وصلت ياسمين إلى المكتب الصغير الذي تستأجره رغد كمساحة عمل حرة، وجدتها محاطة بأكواب قهوة فارغة، تحدق في شاشة حاسوبها بوجه شاحب أنهكه السهر.«ماذا وجدتِ؟» سألت ياسمين وهي تخلع معطفها بحركة آلية، عقلها ما زال معلقًا بتلك الصفحة الفارغة التي رأتها الليلة الماضية في ملفها الخاص.أدارت رغد الشاشة نحوها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما ستراه ياسمين ثقيلًا للغاية. كانت صفحة قديمة، محذوفة منذ سنوات لكن أرشيف الإنترنت احتفظ بنسخة باهتة منها: موقع تعريفي بسيط، بتصميم عفا عليه الزم
لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي
لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي
مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص
في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه
لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا







