เข้าสู่ระบบقدمت عفراء رأسها المجهد نحو مصدر الصوت، وعيناها الرماديتان تلمعان وسط الظلام بألمٍ ممزوج بتحدٍّ مجنون. وقالت بحشرجة صوت مسموم:
"لقد... طُعنت يا ابن هَزّام... والسُّم الذي يفور في دمك... يحرق أحشائي أنا أيضاً!" جثا مُهاب على ركبتيه أمامها مباشرة. خارت قواه لأول مرة أمام امرأة. وضع يده الضخمة المدماة على فكها، ورفعه لينظر في عينيها عن قرب شديد. كانت أنفاسهما المجهدة تتلاحق وتختلط، وضربات قلبيهما المتسارعة تسير على إيقاع واحد مرعب! قال بصوت خفيض بحشرجة القوة المحتضرة: "تتألمين؟... ممتاز. إذن تعلمين أن أي محاولة غدر منكِ... ستحرقكِ معي في نفس النار." ابتسمت عفراء رغم ألمها الحارق، وقربت شفتيها المشتعلتين بالحُمّى من أذنه وهسست: "إن أردتَ أن تنقذ نفسك وتعيش لتقتل المزيد منا... عليك أن تُخرج السُّم من جرحك الآن... لأنني إن ماتت روحي تحت هذا السُّم، فستسقط جثة هامدة بجواري فوراً." تراجع الجَهْم قليلاً، ونظر إلى جرح كتفه، ثم إلى جرحها. سحب خنجره الصغير من حزامه، وقرب نصله من نار الشمعة المتبقية في الخيمة حتى أحمرّ الحديد وغدا جمراً متوهجاً. نظر إليها بنظرة حادة لا رحمة فيها، وقال: "سأكوي الجرح كي أقطع السُّم... واستعدي، فالنار التي ستلامس جلدي... ستكوينِ بها أنتِ أيضاً!" قبل أن تصرخ أو تعترض، وضع نصل الخنجر المحمى بالنار مباشرة على جرح كتفه المفتوح! تعالت صرخة مدوية في أرجاء الخيمة... لم تكن صرخته هو، بل كانت صرخة عَفْراء التي انتفض جسدها المكبّل بالسلاسل كأن اللعنة تحرقها حية، بينما اكتفى الجَهْم بالضغط على أسنانه حتى كادت تتكسر، وعيناه المظلمتان تتأملان ألمها بهوسٍ سوداوي لا يرحم. انهمرت دموع الغضب والألم من عيني عَفْراء، بينما كان دخان اللحم المكتوي ينتشر في هواء الخيمة الخانق. انقبضت عضلات "الجَهْم" بالكامل، وسقط الخنجر المحمّى من يده ليرنّ فوق البساط. كانت انفاسهما تتلاحق كأنهما خاضا معركة أسطورية للتو. سكن السُّم في عروقهما، لكن الحرارة المتبقية من الجرح المكتوي كانت تبثّ طاقة غريبة ومجنونة في المكان. تطلع مُهاب إلى عفراء الشاحبة، والتي كانت تسند رأسها على العمود الخشبي متخدرة الجسد من شدة الصدمة. قام ببطء، بخطوات متثاقلة، وسحب مفتاح الأغلال الحديدية من حزامه. اقترب منها، ولأول مرة، لم تكن حركاته مدفوعة بالعنف. انحنى وفتح القيد عن معصميها المدميين. سقطت السلاسل بصوت ثقيل. فتحت عفراء عينيها ببطء، ونظرت إلى يدها الطليقة بذهول، ثم رفعت بصرها إليه وقالت بنبرة مبحوحة: — "لماذا فككت قيدي؟ ألم تكن خائفاً من أن أغرس خنجراً في صدرك وأنت في لحظة ضعفك هذه؟" جلس الجَهْم على العشب القريب منها، متكئاً على سيفه، وعيناه السوداوان تتأملانها في الظلام كأنهما بئر بلا قاع: — "لأن الأغلال لم تعد في معصمكِ يا كاهنة... الأغلال أصبحت في صدركِ وصدري. إن أردتِ قتلي، فالخنجر أمامكِ... اغرسيه، واختبري إن كانت روحكِ ستتحمل الموت معي في نفس اللحظة." صمتت عفراء. نظر كل منهما إلى الآخر في هذا الصمت القاتل. كان كل منهما يدرك الحقائق المرّة: لا يمكن لأحدهما العيش بدون الآخر بعد الآن. الكراهية بين قبيلتيهما أعمق من أودية الرماد. الخطر القادم لن يكون من الخارج فقط... بل من داخل قبيلة آل هَزّام نفسها! فجأة، اهتزت سدلة الخيمة، ودخل "جَسّار"، نائب الجَهْم، وعيناه تقطران شكاً وريبة وهو يرى قائد العشيرة يجلس ينزف بجوار الكاهنة الطليقة! قال جسّار بصوت مشحون بالخيانة والتأهب: — "أيها القائد... كبار شيوخ آل هَزّام يطالبون برأس هذه الساحرة فوراً. يقولون إن وجودها بيننا يملأ المعسكر باللعنات... وإن لم تقتلها بيدك، فسيقتلونها هم ويتولون أمرك!" ارتفعت نبرة جَسّار الحادة داخل الخيمة، وكان يضع يده على مقبض سيفه، بينما اعتلى وجهه تعبيرٌ يجمع بين الشك والرغبة في الانتزاع. في الخارج، كان همس الشيوخ وجلبة الفرسان تعلو؛ القوم يرون قائد العشيرة "الجَهْم" قد تغيّر، ويريدون رأس الكاهنة عَفْراء ليطفئوا غليل الثأر. رفع مُهاب رأسه ببطء شديد. لم يبتسم، ولم تظهر على وجهه أي علامة للارتباك رغم جرحه المكتوي الذي ينبض بالحرارة. وقف بطوله الشاهق، واستند على سيفه الضخم. كان ظله يغطي جسد عفراء القابعة خلفه تماماً، كأنه حصنٌ أسود يمنع عنها الموت. قال بصوت خفيض، لكنه يحمل وزناً يزن جبال الرماد: — "منذ متى يملي عليّ الشيوخ ما أفعله بأملاكي يا جَسّار؟ ومنذ متى يرفع نائبي صوته في حضرة الجَهْم؟" تراجع جَسّار خطوة إلى الخلف بفعل الهيبة المرعبة التي تطغى على المكان، لكنه تثبّت وقال بصوت يحاول أن يكون صليباً: — "ليست أملاكك وحدك يا مُهاب! هذه الكاهنة تقطر يداها بدم رجالنا، وجودها في وسط المعسكر لعنة. الشيوخ بالخارج ينتظرون... إما أن تخرج برأسها، أو سيعتبرونك خائناً لدم آل هَزّام!" ساد الصمت لثانية واحدة... ثانية كانت كافية لتجمد الدماء في عروق عفراء. وفجأة! وبسرعة لا تتناسب مع رجل مسموم ومجروح، سحب "الجَهْم" سيفه وغرسه في الأرض على بُعد إنش واحد من قدم جَسّار، وقدم يده اليسرى ليمسك بعنق نائبه بقبضة من حديد! أمال رأسه نحو جَسّار، وعيناه المظلمتان تبرقان بشرارٍ قاتل: "اخرج إلى الشيوخ... وقل لهم إن من يطالب برأس هذه المرأة، عليه أولاً أن يأتيني إلى هنا ليأخذ رأسي. وإن كان في آل هَزّام رجلٌ يظن أنه قادر على أخذ سيفي مني... فليتفضل إلى الخيمة الآن!" دفع جَسّار بقوة إلى الخارج، فسقط ساتر الخيمة خلفه وارتفع صخيب الجدال في الخارج بين الشيوخ والفرسان. التفت مُهاب إلى عفراء، وكانت أنفاسه تتصاعد بثقل. نظر إليها وقال بصوت حاد: "قومي على قدميكِ يا كاهنة... الشياطين التي أيقظتِها بسحركِ بالداخل، أيقظت شياطين قومي بالخارج. الليلة... إما أن نخرج معاً عبر الدم، أو نُحتَرَق جميعاً في هذه الخيمة." لم تكد كلمات "الجَهْم" تنتهي حتى صرخ صراخ الفرسان بالخارج، واشتعلت النيران في أطراف الخيمة! ارتفعت ألسنة اللهب لتلتهم شعر الإبل الأسود، وصارت المشاعل الملقاة تحول المكان إلى أتونٍ من النار والدخان. تحطم العمود الأوسط للخيمة، وتداعى السقف المشتعل! سحب مُهاب سيفه الثقيل بيد، وباليد الأخرى قبض على معصم عَفْراء ليشدها خلف ظهره. اندفعا معاً خارج الخيمة المحترقة ليجدا أنفسهما في قلب حلقة من الفرسان المتمردين يقودهم جَسّار وشيوخ آل هَزّام الراغبون في الثأر والدم! صرخ جَسّار وسيفه مصلت في الهواء: "لقد استولى سحر الكاهنة على عقل الجَهْم! أعدموهما معاً واغسلوا عار القبيلة!" اندفع ثلاثة فرسان دفعة واحدة نحوهم بالنبال والسيوف! في تلك اللحظة المشتعلة، لم تكن عفراء مجرد جارية خائفة. انحنت بلمح البصر وسحبت الخنجر العظمي الملطخ بدمائهما من على الأرض، وقفزت بجانب مُهاب. لم يتحدثا... لم تكن هناك حاجة للكلمات. كانت روحاهما المربوطتان بطقس "دم الجَهَم" تتحركان بإيقاع واحد معجز! كلما انحنى "الجَهْم" يساراً ليسدد ضربة سيف قاطعة تبتر رأس الفارس الأول، كانت عَفْراء تتحرك يميناً بتناغم مذهل ل تغرس خنجرها في عنق الفارس الثاني الذي حاول طعن ظهره! أحس مُهاب بحركة جسدها قبل أن تراها عيناه، كأن عينيها صاراتا عينيه، ونبض قلبها يُملي عليه مكان الخطر! صاح أحد الشيوخ بذهول وهو يرى قائد القوم يقاتل جنباً إلى جنب مع كاهنة أعدائهم: "إنها ليست جارية... إنهما يقاتلان كجسدٍ واحد!" استلّ جَسّار حقد السنوات، وانضمت إليه مجموعة من أعتى فرسان آل هَزّام لتطويقها. سدد جَسّار طعنة غادرة نحو صدر عفراء! رأى "الجَهْم" حركة السيف تتجه نحو قلبها... وفي تلك الكسرة من الثانية، شعر بألمٍ حاد يجتاح قفصه الصدري قبل حتى أن يلمس السيف جسدها! خفقانهما المشترك حذره من الموت الوشيك! اندفع مُهاب بجسده الضخم وتصدى للنصل بيده العارية! انغرس سيف جَسّار في كف "الجَهْم"، وتفجر الدم الحار. صرخت عَفْراء في نفس اللحظة بألمٍ جارف في يدها هي الأخرى، لكنها استغلت ثبات سيف جَسّار في يد قائدها، وانقضت كالنعامة الشرسة لتغرس خنجرها العظمي في كتف جَسّار، مجبرةً إياه على التراجع والصراخ! انتزع مُهاب السيف من يده المدماة، ورفعه نحو السماء، ووجهه الملطخ بالدماء والرماد يبدو كأنه إله الحرب القادم من الجحيم. صرخ بصوت زلزل الوادي بأكمله: "أنا الجَهْم! من أراد أن يختبر سيفي... فليتقدم، أو ليطأ رأسه في التراب أمام سيّده!" عمّ الصمت المرعب بين فرسان آل هَزّام. سقطت سيوف العديد منهم خوفاً وذهولاً من هذه القوة المرعبة التي تجمع بين السيف والسحر. تراجع جَسّار وهو ينزف، واختفى بين الظلال مع الشيوخ المذعورين. وقف مُهاب وسط المعسكر المحترق، ينفس بجهد، وركبتيه تكادان تخوراش. والتفت ليرى عَفْراء تقف بجواره، ثوبها ممزق، يداها ملطختان بدمه ودم أعدائه، وتنظر إليه بعينين تلمعان بين الدخان. اقترب منها بخطوات متثاقلة، ومسك فكها بيد الملطخة بالدم، وقال بنبرة تتأرجح بين الهوس الشديد والكره العميق: "لقد أنقذتِ حياتي بالخنجر... وقتلتِ قومي معي." ردت عليه وهي تضع يدها فوق يده المدماة، ونبضات قلبيهما تتسارع كطبول الحرب: "لم أُنقذ حياتك يا ابن هَزّام... أنا حرسْتُ سمي الذي يجري في عروقك. نحن الآن هاربون من قومي... ومن قومك." الآن أصبحت القبيلتان (آل هَزّام وآل ذُهْل) تطاردانهما كخائنين! كان الجواد الأسود "أدهم" ينهب الأرض نهباً تحت وابل من زخات المطر المالح الذي بدأ يتساقط على جبال الرماد. خلف مُهاب، كانت عَفْراء تتشبث بخصره بقوة، رأسها ملقى على ظهره العريض، وأنقاسهما تتصاعد كالبخار وسط برد الليل القارس. كان الجرحان في كتفيهما وينبضان بنفس الألم الشديد، لكن حرارة الجسدين الملتصقين كانت الشعلة الوحيدة التي تقاوم الصقيع. توقف الجواد عند مدخل شق جبالي ضيق يُعرف بـ "ممر النُّسّار"—وهي منطقة مجهولة لا تطأها أقدام عشائر الصحراء خوفاً من قطّاع الطرق والمنبوذينانبثق الفجر الأحمر من خلف صخور "جبال الرماد" كجرحٍ سحيق يقطر دماً في خاصرة السماء. كان المطر القاسي ينهمر برداءة، يغسل الجدران الفولاذية لـ "حصن الصخيرة" ويحول التراب عند أقدام الأسوار إلى وحلٍ داكن يتصاعد منه بخارٌ بارد. لم يكن هذا الصباح أشبه بسوابقه؛ فقد خيمت على الحصن هيبةٌ ثقيلة تُشبه الصمت الذي يسبق العواصف الكاسرة.في داخل جناح العرش العتيق، كان لهيب الموقد الحجري قد تحول إلى جمراتٍ عقيقية متوهجة تخبو ببطء.استيقظ مُهاب "الجَهْم" قبل تسلل أول شعاعٍ للنور. كان يجلس على طرف الفراش المغطى بفراء الذئاب، بجسده الملتئم بندوب الحروب والقتال. كان ينظر ببطء ورصانة إلى عَفْراء الممتدة بجانبه، والتي كانت تسبح في نومٍ عميق وشفيف؛ شعرها الفاحم ينثال كالشلال الأسود على كتفها العاري، وبشرتها الخمرية تتوهج بدفء الحميمية التي انصهرت فيها أجسادهما في الليلة الماضية.مد "الجَهْم" كفه العريضة القاسية، وتلمس بسبابته خط انحناءة ظهرها الناعم برفقٍ نادر لا يتناسب مع طبيعته الشرسة. في تلك اللحظة الخاطفة، شعر عبر "عهد الدم" ببطء أنفاسها ورقة نبضها؛ لم يعد يشعر بالرباط كقيدٍ سحري يكبله، بل كدرعٍ روحان
كانت الليلة تسري برودةً ووحشة في قاعة العرش الخاصة داخل "حصن الصخيرة". خفتت طبول الحرب في الصحن الأسفل، وغرق الحصن المنيع في صمتٍ ثقيل إلا من حفيف الرياح الأثيرية التي تنوح بين الصخور، وصوت طقطقة الخشب المحترق في الموقد الحجري الضخم الذي كان يرسل ظلالاً قرمزية دافئة على الجدران العارية.توارى الخوف والفرسان، وبقيت القاعة حكراً على جسدين ربطهما القدر برباطٍ أعمق من الموت نفسه.كان مُهاب "الجَهْم" قد خلع درعه الفولاذي الثقيل وعباءته الصوفية. يقف أمام الموقد بسرواله الجلدي وقميصه الكتان المفتوح عند الصدر، مبرزاً العضلات المفتولة والندوب الشائرة التي رسمت على جسده خريطة معارك لا تنتهي. كان يمسك بقطعة قماشٍ يمسح بها نصل سيفه العريض ببطء ورصانة، لكن تركيزه لم يكن على الصلب البارد... بل كان معلقاً بالحضور المشتعل الذي يملأ أركان الغرفة.على الطرف الآخر، عند حوض الماء الدافئ المعطر بأوراق الشيح والرماد، كانت عَفْراء تقف أمام المرآة النحاسية. فكت عقدة ردائها الكاهني الأسود، ليتساقط الثوب الرطب ببطء وثبات سالباً ظلال الكتفين، ويكشف عن بشرتها الخمرية الصافية ونعومة جسدها الممشوق الذي تعالت عل
كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة فوق "حصن الصخيرة"، الحصن العتيد الذي بات يتوسط جبال الرماد كعملاقٍ من الصخر الفولاذي الشاخص نحو السماء. لم تكن الرياح التي تهب عبر الممرات الصخرية سوى صدى لمعارك صامتة لم تُخمد نيرانها بعد. على الرغم من انقضاء أيامٍ على انجلاء غبار معركة "صحراء الرماد المالح" وسحق فرسان "عشيرة السِّباع"، إلا أن رائحة الدم المحترق والرماد المالح كانت لا تزال تعلَق بأسوار الحصن، وتُذكّر الجميع بأن الملك الذي يُبنى على جثث الأعداء يحتاج إلى حراسةٍ لا تنام.في أعلى برجٍ من أبراج الحصن الشاهقة، كان مُهاب "الجَهْم" يقف شاهقاً، مستنداً بكفيه القويتين على الشرفة الحجرية. كان يرتدي عباءته الصوفية السوداء المبطنة بجلد الفهد، وتحتها درعه الفولاذي الذي يحمل ندوب السيوف والحروب القديمة. كانت عيناه النافذتان كالصلب البارد تسبران غور الوادي المظلم الممتد تحت قدميه. لم يكن يرى الحصن مجرد ملاذٍ حربي، بل كان يراه النواة الأولى لشيءٍ أعظم وأخطر... «سلطنة الدم الأسود».تحرك الجَهْم ببطء، ويده اليسرى تلامس مقبض سيفه الضخم. كان يتنفس بإيقاعٍ منتظم، لكنه كان يشعر بتلك النبضة الخفية التي تسري
«مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بَتْرَ العَهْدِ الَّذِي كُتِبَ بِالدَّمِ... يَنْسَى أَنَّ السيُوفَ تَنْكَسِرُ عَلَى أَعْتَابِ القُلُوبِ الَّتِي تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تُقَاتِلُ المَوْتَ مَعًا!» دوت طبول الحرب في ساحة حصن الصخيرة، واشتعلت المشاعل فوق الأسوار العالية لتضيء ليل جبال الرماد الداجي. كانت الخطط تُحاك في قاعة العرش الحجري. انطرحت خريطة المنطقة الجلدية فوق المائدة، وحولها يقف "الجَهْم"، عَفْراء، وطَلاَل الموت، بينما كان العرّاف طَارِق يذرع القاعة جيئة وذهاباً، ينقر بأصابعه المشوهة على عوده العظمي. أشار طَلاَل بيده الضخمة نحو ممر ضيق على الخريطة يُدعى "مخنق الموتى"، وقال بصوته الجهوري: — "عشرة آلاف فارس لا يستطيعون التحرك في الجبال بكامل قوتهم... سيضطر 'الصَّمْصَام' لتقسيم جيشه والتسلل عبر هذا المخنق الضيق. إن حاصرناهم هناك، أكلناهم لقماً سهلة!" ردت عَفْراء بصوتٍ هادئ وعينين تتوهجان بالدهاء الكاهني: — "الصَّمْصَام ليس أحمقاً يا أخي... هو يعرف أننا نتوقع منه دخول المخنق. لذلك سيرسل طليعة من فرسانه للتضحية بهم، بينما يلتف هو بجيشه الرئيسي عبر 'صحراء الرماد المالح' لضرب
فإن 'عهد الجَهَم' سيصل إلى ذروته: إما أن يُفك الرباط وتعودا غريبين كما كنتما... أو تتحد أرواحكما إلى الأبد في جسدٍ وسيفٍ واحد!"تلاقت أعين مُهاب وعَفْراء. في تلك اللحظة الخاطفة، أحسا بشيء أعمق من الخوف؛ كأن الساعات القليلة التي قضاها معاً في الدم والحروب قد نسجت بينهما رابطاً يتجاوز طقس السحر وحقد القبيلتين.قال مُهاب بنبرة خفيضة، وعيناه النافذتان تصطدمان بحدقتيها الرماديتين:"أتخافين من عودة حريتكِ يا كاهنة؟ أن ترجعي كما كنتِ... بلا الجَهْم في صدركِ؟"ردت عفراء وهي تضع كفها على صدره المدمى فوق موضع النبض المشترك، وقالت بصوت يقطر شجاعةً وسوداوية: "أنا لم أعد أعرف من أكون بدون هذا الألم يا ابن هَزّام... الحرية التي تبعدني عن نَبْضِك، هي مجرد سجنٍ آخر أرفض لدخوله!"دخلوا إلى قاعة المحراب العظمى. كانت الجدران مغطاة بطلاسم حمراء تتوهج بالظلام، وفي المنتصف يربض "مذبح الأضحية"—حوضٌ حجري عملاق يمتلئ بدمٍ قديم لا يجف.لكن المحراب لم يكن فارغاً!يقف خلف المذبح شيخان طاعنان في السن يرتديان مسوحاً سوداء، ويمسكان بـ "شعال كاهنات آل ذُهْل" و**"تمائم آل هَزّام"**. هما شيوخ الظلام الذين ح
تداخل صليل الحديد مع صخيب الرياح المحملة بالرماد.ارتدّ الجَسَدان للوراء خطوتين. كان طَلاَل يحمل قوة غاشمة وعاطفة أعمى يُحرّكها الحقد والنخوة الثائرة، لكن مُهاب وعَفْراء كانا يقاتلان بيقين سحري أعمق؛ يرى كل منهما حركة الآخر في ذهنه قبل أن تحسبها جوارحه!انقض طَلاَل مجدداً بضربة جانبية متوحشة تستهدف خصر مُهاب.في تلك الوهلة، استشعرت عَفْراء مسار الهجوم عبر نبض الحميّ المتبادل في صدرها! بدون تفكير، اندفعت كالسهم وغرست خنجرها العظمي في حلقة الدرع المتمفصلة تحت إبط أخاها طَلاَل! "آغغغ!"صرخ طَلاَل بألمٍ مفاجئ، وتشتت تركيزه لجزء من الثانية! كانت كافية لـ "الجَهْم"؛ استغل الثغرة ووجه ركلة حارقة ومباشرة إلى صدر طَلاَل، أطارت به متدحرجاً على حجارة الوادي المسنونة!صدمة ذهول أخرست مئات الفرسان من آل ذُهْل المقنعين بالظلال! قائدهم الذي لا يُقهر يترجل على الأرض أمام عيني كاهنتهم وخصمهم الأزلي!رفع طَلاَل رأسه والدم يقطر من فمه، ينظر إلى أخته بعينين متقدتين بجنون الخيبة والغضب، وقال بصوت حشرج بالدماء: "تغرسين نصلكِ في جسد أخيكِ... من أجل هذا الغريب الذي استعبدكِ؟"وقفت عَفْراء بينه وب