Share

الفصل 3

Author: كهرمان وخردل
هرعت بخطوات متعثرة إلى مقبرة والدتي، لأجد تامر يقف هناك ويوجه العمال لنبش القبر.

"توقفوا!!"

اندفعت نحوهم بقوة، ودفعت العاملين بعنف بعيدًا، ثم انتزعت مجرفة ووقفت أحمي قبر والدتي بكل ما أوتيت من قوة.

سحب تامر رشا وابنها خلفه، وأطلق ضحكة ساخرة:

"منى، ألم تقولي إن كل شيء قابل للتأجير طالما تتقاضين المال؟"

"لقد حولت لك إيجار مقبرة والدتك بالفعل، فما الذي تفتعلينه الآن من مشاكل؟"

ارتجف فكي من شدة الغضب، وكدت أفقد توازني وأسقط أرضًا:

"تامر، هل تملك ذرة من الإنسانية؟"

هز تامر كتفيه بلامبالاة:

"أنا أتصرف وفقًا للقواعد التي وضعتها بنفسك، فكيف لا أكون إنسانًا؟"

"أم أنك ترين أن كل المشاعر مقدسة ولا تقدر بثمن، باستثناء علاقتنا الزوجية التي تعتبرينها رخيصة كالتراب ويمكن استبدالها بالمال؟"

انغرست أظافري في كفي بقوة، وبلغ كرهي له حدًا جعلني لا أشعر بالألم الجسدي.

عجزت عن فهم كيف للرجل الذي جثا على ركبتيه يومًا بجانب سرير والدتي المريضة، وأقسم ألا يخذلني طوال حياته، أن يتحول إلى هذا الكائن القاسي والبارد اليوم؟

وقفت رشا وهي تحمل صورة لكلبها الراحل، وقالت وتغرق عيناها بالدموع:

"انتهى الأمر يا تامر. على الرغم من أن كلبنا كان بمثابة فرد من عائلتي أنا وفادي، إلا أن الحيوان يظل حيوانًا في النهاية، وليس من اللائق الاستيلاء على مقبرة والدة الأخت منى".

وعندما رأى دموعها تسيل، قال تامر بنبرة حادة وصارمة:

"منى، افسحي".

قلت وأنا أضغط على أسناني بغضب: "في أحلامك!"

خطا نحو جانبي، وانحنى ليهمس في أذني بصوت خافت:

"ستخضع دانة للعملية الجراحية في الشهر المقبل، لذا من الأفضل أن تكوني مطيعة وهادئة خلال هذه الفترة".

تصلب جسدي من البرودة، وعجزت عن تصديق ما تسمعه أذناي.

"أليست دانة ابنتك أيضًا؟"

"هل تهددني بحياة ابنتك لحمك ودمك؟"

مد تامر يده، وأزاح خصلات شعري المنسدلة خلف أذني برقة متناهية.

لكن الكلمات التي نطق بها كانت على النقيض تمامًا في قسوتها:

"بلى، لكن فادي هو ابني الحقيقي أيضًا".

"في الليلة التي سبقت زواجي منك، جاءت رشا لزيارتي واستعادة الذكريات. أفرطنا في الشرب، وارتكبنا خطأً دون قصد..."

"أنت ودانة حصلتما على المال والمكانة الاجتماعية المرموقة، لذا عليكما أن تكونا أكثر تعقلًا وتفهمًا".

تصبب جسدي عرقًا باردًا، وسمعت طنينًا متواصلًا في أذني.

وأخذت مشاهد سقوط ابنتي فجأة بسبب النوبة القلبية تتكرر في عقلي مرارًا وتكرارًا.

أنزلت المجرفة من يدي ببطء.

وشعرت كأن قدمي قد صب فيهما الرصاص، فتحركت بخطوات ثقيلة ومتصلبة لأتنحى جانبًا.

وعندما رأى فادي ذلك، اندفع نحو القبر بابتسامة خبيثة وصاح: "رائع! لقد أخلت العجوز المكان لكلبنا العزيز!"

ثم انتزع الصورة بالأبيض والأسود لوالدتي من الشاهد، وأمسك بوعاء الرماد وهمّ بتهشيمه على الأرض!

"لا!!"

أصبح عقلي خاليًا من أي تفكير، وارتميت نحو القبر بسرعة خاطفة.

ولأحمي وعاء الرماد، ارتطم رأسي بقوة بشاهد القبر الصلب.

ودارت الدنيا بي، وغطت عيني غشاوة من الدماء الحمراء الداكنة.

ومع ذلك، تحطم وعاء رماد والدتي بين ذراعي، وتناثر الرماد على الأرض.

وازداد فادي حماسًا وإثارة عند رؤية ذلك، فرفع قدمه وبدأ يدوس على الرماد المتناثر بقوة وعنف مرة تلو الأخرى.

تظاهرت رشا بالتقدم لمنعه.

"فادي! لماذا لا تتصرف بعقل؟ إن الدوس على هذه القاذورات سيتسخ بسببه حذاؤك وثيابك، وسيتعين على عمك تامر غسلها لك مجددًا!"

وبينما كانت تسحب فادي بعيدًا، تعمدت سكب الشاي بالكامل فوق رماد والدتي الراحلة!

"آه!"

نظرت رشا إلى ما اقترفته يداها، وقالت بنبرة تفيض بالأسف المصطنع:

"يا أخت منى، لم أكن أقصد أبدًا إهانة والدتك الراحلة وتدنيس رمادها، ما العمل الآن؟"

اختبأت خلف تامر، وكانت علامات الشماتة والانتصار واضحة تمامًا على وجهها.

"منى!"

أسرع تامر ليمسك بيدي ويساعدني على النهوض، وحاول بيده المرتعشة مسح الدماء التي تسيل من جبهتي.

"هل يؤلمك الجرح؟ هل تشعرين بالدوار؟"

وأمام هذا المشهد المأساوي، تلاشت كل ذرة عقل وحكمة لدي.

دفعته بعيدًا بقوة، ورفعت حقيبتي لأضرب بها رأسي رشا وابنها بكل ما أملك من غضب!

"سأقتلكما!!"

لكن قبل أن أتمكن من الاقتراب منهما، فاجأني تامر بركلة قوية أسقطتني أرضًا!

سقطت على الأرض بعنف دون أدنى استعداد، وشعرت بألم يعتصر جسدي كأن عظامي قد تحطمت.

امتلأ وجه تامر بالاستياء الشديد، ووقف يحمي رشا بغضب عارم:

"منى الكعبي، أرى أنك قد فقدت عقلك تمامًا!"

"الاعتداء على امرأة وطفل في وضح النهار! أرى أنه من الضروري إرسالك إلى قسم الشرطة لتهدئي وتستعيدي رشدك لبضعة أيام!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الدموع تسقط بصوت، لكن الحب بلا وفاء   الفصل 17

    وفي العام الذي بلغت فيه ابنتي سن السابعة عشرة، تصدر اسمها الأخبار مجددًا بعد بيع إحدى لوحاتها بباهظ الثمن.ولدعم مسيرتها الفنية ومستقبلها الإبداعي، اتخذت قراري أنا وماهر بالعودة للاستقرار في الوطن، وأسسنا معرضًا ومتحفًا فنيًا خاصًا باسمها.ليكون بمثابة أصل مادي مميز يضمن لها مستقبلاً رغدًا ومكانة اجتماعية مرموقة حتى لو قررت التوقف عن الرسم في المستقبل.وبفضل الشهرة الكبيرة والاهتمام الإعلامي، بدأت ابنتي في تنظيم المعارض الفنية بانتظام.وفي أحد الأيام، وبينما كانت تساعد أحد الزوار في البحث عن حقيبته المفقودة عبر تسجيلات كاميرات المراقبة، أشارت بإصبعها نحو قامة تظهر في الفيديو وقالت باستغراب:"أمي، تأملي حركة هذا الرجل؛ إنه يحضر يوميًا ويكون أول من يدخل المعرض في الصباح، وآخر من يغادر القاعة في المساء عند الإغلاق"."ومع ذلك، لم يحاول الاقتراب مني لمرة واحدة لطلب التقاط صورة تذكارية أو الحصول على توقيعي كبقية المعجبين"."ما الذي يسعى إليه برأيك؟ هل يعقل أنه متسلل يخطط لسرقة إحدى اللوحات الفنية الثمينة؟"نظرت بتمعن إلى تلك القامة غير الواضحة في تسجيل الكاميرا، وانقبض قلبي بقوة وشعرت بالتوت

  • الدموع تسقط بصوت، لكن الحب بلا وفاء   الفصل 16

    فقد نجح ماهر في بناء بيت شجري صغير وأنيق بين أغصان الأشجار الكثيفة المجاورة لمنزلنا.اندفعت ابنتي بصيحات بهجة وحماس لتدخل البيت الشجري وتفتح بابه الخشبي؛ لتكتشف أن كل ركن وزاوية فيه يكتظان بشتى أنواع الزهور اليانعة والورود الملونة العطرة.خطا ماهر نحو جانبي، وهمس بصوت رقيق تفيض به العاطفة:"لقد أخبرني جيرانك أن زوجك السابق حاول استرضاء دانة وبناء بيت شجري لها كاعتذار وتكفير عن ذنبه"."وبما أن الأطفال يحبون هذه الألعاب والمساحات الترفيهية الفسيحة، ورفضت أنت هداياه المتطفلة، فقد اتخذت قراري ببنائها بنفسي وتقديمها لابنتنا الحبيبة"."هذا البيت الشجري المميز هو هديتي البسيطة لدانة لتمرح فيه، وتلك الزهور العطرة والورود الملونة هي هديتي لك تعبيرًا عن حبي الصادق"."منى، هل توافقين على الارتباط بي ومشاركتي حياتك؟ أعدك بأن أبذل قصارى جهدي وأسخر كل طاقاتي لضمان راحتكما وسعادتكما الدائمة".وانهمرت دموعي بغزارة دون استعداد، لكنها كانت دموع فرح وسعادة غامرة طالما تمنيت الشعور بها.وتأملت ابنتي وهي تقفز بنشاط وحيوية ببهجة داخل غرفتها الجديدة، ثم مسحت دموعي بيدي وأومأت برأسي موافقة على طلبه النبيل.وب

  • الدموع تسقط بصوت، لكن الحب بلا وفاء   الفصل 15

    وكانت ابنتي ترحب بزيارته وتفرح بحضوره لبيتنا.فبمجرد عودتها من المدرسة ورؤية ماهر جالسًا معنا، تسرع بالالتصاق به ومطالبته بمشاركتها في تركيب المجسمات وترتيب قطع الصور المبعثرة بصبر وحب، بل ولم تكن تفوت عطلة نهاية الأسبوع دون أن تلح علي لأخذها لزيارته في متجر الزهور وقضاء الوقت معه هناك.وأمام ملاحقة ابنتي المستمرة له وتشبثها به، قلت له بنبرة خجولة ومحتشمة:"أنا آسفة حقًا يا ماهر، يبدو أن دانة تسبب لك الإزعاج وتشتت انتباهك عن تنسيق الزهور وإدارة المتجر، أليس كذلك؟"لكن ماهر ابتسم بلطف وأجاب بأريحية تامة:"كيف يعقل ذلك؟ أنا أسعد كثيرًا بوجودها ومشاركتها لي"."فوجود طفلة بريئة وحيوية كدانة يضفي بهجة وحركة مميزة على أرجاء المتجر. وإلا لبقيت وحيدًا طوال اليوم بين الزهور الصامتة، وأصابني السأم والملل الشديدين!"ولم تكن ابنتي تسبب أي فوضى أو إزعاج في المحل؛ بل كانت تتطوع لمساعدته في تنسيق الأوراق الملونة، وربط الشرائط الأنيقة على باقات الورد بصبر وحرص، وتقف بثقة لتشرح للزبائن مواصفات النباتات وطرق العناية بها بأسلوب مقنع ومهذب للغاية ينال إعجابهم.وقام ماهر بصنع نسخة من مفاتيح المتجر وقدمها ل

  • الدموع تسقط بصوت، لكن الحب بلا وفاء   الفصل 14

    وبفضل تحذيرات الجيران وصرامتهم، لم يجرؤ تامر على الظهور أو الوقوف بالقرب من بوابة منزلنا مرة أخرى.وتعبيرًا عن امتناني وتقديري لموقفهما النبيل، أعددت مأدبة عشاء تفيض بأشهى الأطباق والوجبات اللذيذة، ودعوتهما لزيارتنا وقضاء السهرة معنا بالمنزل.كما حزمت لهما كميات وافرة من الخضروات الطازجة والنباتات التي زرعتها بيدي ليأخذاها معهما عند المغادرة.وقبل أن تغادر الزوجة، صمتت لبرهة تفكر بعمق ثم وجهت لي نصيحة تحذيرية هامة:"منى، بحسب معرفتي بطبيعة هذا النوع من الرجال الأنانيين والمصرين على رغباتهم، أرى أنه لن يتراجع أو يستسلم بسهولة"."وبما أنه واجه الرفض والصد التام من جانبك وحرم من الاقتراب من المنزل، أخشى أن يغير خطته ويحاول اعتراض طريق دانة والحديث معها في مدرستها، لذا كوني حذرة ومترقبة طوال هذه الفترة!"أصابني توتر وحذر في الحال.وبعد تفكير طويل وقلق طوال الليل، تقدمت بطلب لإجازة مؤقتة من عملي، واتخذت قراري بمرافقة ابنتي بسيارتي وإيصالها وإعادتها من المدرسة يوميًا دون إهمال، ولم أجرؤ على تركها تغيب عن نظري أو تبتعد عني لخطوة واحدة طوال اليوم.وفي أحد المساءات، بينما كنت أجفف شعر ابنتي بعد

  • الدموع تسقط بصوت، لكن الحب بلا وفاء   الفصل 13

    التفت بذهول ودهشة شديدين، لأكتشف أن ابنتي قد ترجلت من السيارة خفية دون أن أشعر بحركتها.كانت تقف بجانبي وتمسك بطرف ثيابي بقوة، وتنظر إلى تامر بملامح تفيض بالبراءة والجهل الواضح.وعند سماع كلمات ابنتنا البريئة وتساؤلها، شحب وجه تامر وتلاشت الدماء من ملامحه في الحال."دانة، ما الذي تقولينه يا حبيبتي؟""أنا والدك الحقيقي، هل ما زلت تشعرين بالغضب والاستياء من تقصيري وتصرفاتي السابقة، لذا تناديني بالعم؟""دانة، أنا أعترف بخطئي الشديد وأرجو رضاك، هل يمكنك أن تسامحيني ليعود الوداد بيننا؟"تراجعت ابنتي بخطوة خائفة ومترددة إلى الوراء، واختبأت خلف ظهري تمامًا لحماية نفسها من نظراته:"يا عم، والدي قد فارق الحياة وتوفي منذ زمن طويل"."وخلال فترة تخديري وجراحي الصعبة في المستشفى، جاء لزيارتي في حلمي وربت على كتفي ووعدني بحمايتي ورعايتي دائمًا"."فكيف يعقل أن تكون أنت والدي؟"وتذكرت على الفور تحذيرات الطبيب المعالج ونصيحته بتجنب تعريضها لأي صدمات نفسية، فخشيت أن تسبب رؤيته تدهورًا في حالتها المستقرة. فسارعت بتغطية أذنيها بيدي ووقفت أحميها بجسدي بالكامل لحجب رؤيتها ومنعها من سماع كلماته."أسمعت ما قا

  • الدموع تسقط بصوت، لكن الحب بلا وفاء   الفصل 12

    كان هو تامر.خفق قلبي بعنف كطبول الحرب، لكنني حافظت على هدوئي التام وتماسك ملامح وجهي.استدرت نحو ابنتي وأوصيتها بصرامة:"ابقي داخل السيارة ولا تنزلي منها أبدًا، سأعود بعد قليل".وبعد أن كررت عليها التحذير مرارًا، ترجلت وتوجهت نحو البوابة."ما الذي أتى بك إلى هنا؟"لم نلتق منذ شهور، وبدا تامر هزيلًا ونحيفًا للغاية مقارنة بالسابق.هو الذي كان يولي مظهره الخارجي اهتمامًا بالغًا، ولا يخرج إلا بشعر منسق وثياب أنيقة، صار يرتدي بدلة فضفاضة تبدو واسعة على جسده النحيل، وتحيط بعينيه هالات سوداء داكنة من شدة التعب، حتى لحية ذقنه لم تكن حليقة بعناية."منى، هل تلك التي تجلس في السيارة هي دانة؟"قال تامر بنبرة تفيض بالانفعال، وحاول تجاوزي للتقدم نحو السيارة:"لقد كنت موقنًا بأن دانة بخير ولم يصبها مكروه!""اسمحي لي برؤيتها والاطمئنان عليها، كيف أصبحت صحتها بعد العملية؟"أغلقت قفل البوابة الحديدية بسرعة خاطفة، ووقفت خلفها أحذره بنبرة حادة وصارمة:"ابتعد عن ابنتي فورًا"."إن لم تغادر المكان في الحال، فسأتصل بالشرطة للإبلاغ عنك!""أرجوك لا تتصلي بالشرطة يا منى".مد تامر يديه المرتعشتين عبر قضبان البوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status