เข้าสู่ระบบبدأت الطفلة وسلمى تتعرفان على بعضهما البعض كأن الزمن توقف حولهما.
- أنا اسمي يثرب. قالتها الصغيرة بخجل، وهي تعبث بطرف ثوبها البسيط. ابتسمت سلمى بعفوية، بدا الاسم في أذنيها كجرس دافئ - يثرب... اسمك جميل قوي. ثم أشارت إلى نفسها بلطف - وأنا سلمى. تأملت يثرب ملامحها الغريبة عنها، لكن حديثها ودفء نبرتها بدّدا كل خوف، بينما داخل سلمى كانت هناك عاصفة صامتة. تفكرت للحظة وهي تنظر إلى الطفلة لا أحد سيهتم إن اختفيت... لا أحد سيبحث، الجميع غارق في دوامة حياته. لقد أفنيت عمري من أجلهم، ومن أجلي؟ لا شيء. شعرت بشيء ينهار داخلها... لكن ضحكة يثرب الصغيرة أعادت لها شيئًا من الحياة. جلست إلى جوارها تحت شجرة وارفة، كانت الشمس تتسلل من بين الأغصان، والضحكات الطفولية تتعالى كأنها موسيقى سماوية. - انتي دايمًا بتضحكي كده؟ قالت سلمى وهي تبتسم، لترد يثرب بضحكة خافتة - لأ... دي أول مرة أضحك كده من زمان. وفجأة... خرج عليان. كان وجهه يحمل ابتسامة خفيفة في البداية، تلك الضحكة الصغيرة التي فرت من قلب يثرب كانت كافية لتحرك شيئًا قديمًا بداخله. لكنه سرعان ما تذكر... قوانين كالاتيا. تلاشت ابتسامته، وشدّ قامته كمن يتذكر أنه حاكم لا إنسان. اقترب بخطوات محسوبة ونبرة صارمة - يثرب! من سمح لك بالخروج دون إذن؟! تجمدت الطفلة مكانها، وانطفأت ملامحها كشمعة هبّ عليها ريح الخوف. أما سلمى، فقد ارتبكت بشدة، تحاول تبرير الموقف لكنها عجزت... الكلمات خانتها. رفعت يثرب رأسها بتحدٍ خافت - هي سلمى... صاحبيّة. معرفتش إن ده غلط. نظر إليها عليان طويلاً، ثم إلى سلمى، وكأنه يقرأ شيئًا في عينيها. - أنتِ لا تعلمين قوانيننا، لكن هذا لا يعفيك. ويثرب... تعلمين أن الخروج وحدكِ محظور. خفضت الطفلة نظرها، وكأنها شعرت بالذنب. لكن صوته هدأ، كأن شيئًا داخله لان أمام صورة الضحكة التي لا تزال عالقة في ذهنه - سأجد طريقة تسمح لكما بالبقاء معًا... دون كسر القوانين. نظرت سلمى إليه بدهشة، لم تتوقع أن يتحول موقفه من القسوة إلى اللين بهذه السرعة. شعرت كأنها أمام رجل يعيش صراعًا بين قلبه وحكمه... بين القانون والإنسان. لأول مرة، شعرت أن كالاتيا ليست مجرد جزيرة... بل عالم مشحون بالرماد والشرر، وكل من فيه يحاول أن يجد لنفسه بصيص دفء، ولو في ضحكة طفلة. ✨✨✨✨✨✨✨✨ استيقظت نهى هذا الصباح بعزيمة لم تعرفها منذ سنوات. كانت عيناها مثقلتين بذكريات الخذلان، لكن قلبها نابض برغبة البدء من جديد. لم تعد تخشى شيئًا، حتى نظرات محمود المشككة التى كانت تطاردها، لم تعد تملك السلطة على قرارها. خرجت من المنزل، استقلت تاكسيًا، وجلست تُحدّق عبر النافذة في الشوارع العابرة. لم تستطع منع نفسها من التفكير بعُمر. ابن خالتها، وحبها القديم. حب لم تتجرأ على الاعتراف به يومًا. كان دائمًا أقرب من الجميع... وأبعدهم عنها. تُرى، هل كان يشعر بشيء أيضًا؟ هزت رأسها لتنفي، وكأنها تطرد فكرة مؤلمة تعرف نهايتها. وصلت البناية التي تحتضن شركة عمر، مبنى زجاجي شامخ وسط حي الأعمال، يضج بالحياة والنجاح. ألقت التحية على موظفي الاستقبال، وجلست تنتظر في الردهة. المكان أنيق، مرتب بعناية. الأرائك الجلدية السوداء، الطاولات الخشبية المزينة بأصص النباتات الصغيرة، والهواء مشبع برائحة العطر الفاخر والمجهود. نادت عليها السكرتيرة بابتسامة، لتقوم وتمضي نحو المكتب الذي تعرفه جيدًا من صور المناسبات العائلية. فتحت الباب بخجل، وقبل أن تنطق، نهض عُمر من خلف مكتبه، ابتسامة واسعة تملأ وجهه. "نهى! مش معقول...!" قالها بصوت مدهوش، كمن رآها تُبعث من زمن جميل. وقف يحدق فيها لحظة، ثم اقترب وصافحها بحرارة، وأضاف بنبرة مرحة -فينك من زمان؟ على فين جايالنا؟ ولا جاية تفتشي علينا؟ ضحكت، ورفعت نظرها إليه -جيت أدور على شغل، وقلت أبدأ من المكان اللي بحسه آمن. رمقها بنظرة مطوّلة، تلك النظرة التى تحفظها جيدًا، لكنها لم تجرؤ على تفسيرها يومًا. -نهى... الشركة كلها تحت أمرك، اختاري اللي تحبيه، واحنا نمشي عليه. قالها بثقة، لكن عينيه كانت تقول شيئًا آخر تمامًا. شيئًا أعمق... وأصدق. تورد وجهها، ولم تستطع الرد سريعًا.... أهو كرم ولا اهتمام؟ صداقة ولا أكتر؟.... كان قلبها يخفق بشدة، لكن عقلها يرفض التورط في التفسير. أما هو، فظل يراقب ارتباكها، وحاول كتم تلك الفرحة التى اجتاحت قلبه. -هي جاية لي، ولا جاية تدور على نفسها؟ هل ممكن... تكون بتحبني؟ جلسا يتبادلان أطراف الحديث، كأن السنين لم تمر، وكأن الطفولة عادت لتطرق الباب. ✨✨✨✨✨✨✨✨ كان يطرق الباب بجنون، كأنما يريد أن يخلعه من مكانه، وصوته الجهوري يتعالى هو (من خلف الباب) - افتحي يا منى! افتحي الباب، خليني أشرح! لكنها لم تجبه، فقط ظلت خلف الباب، وصوت أنفاسها المتقطعة يكشف عن الغضب المكبوت. - أنا مش السبب! الطيارة وقعت بسبب عطل فني، أنا مليش ذنب، اسمعيني بس! ترد عليه بحزم. - لأ، إنت السبب... إنت السبب في كل الخساير... إنت اللي صممت تسافرها، وإنت اللي كنت دايمًا شايف رأيي لا قيمة ليه. ضرب الباب براحة يده وهو يتنفس بثقل - أقسم بالله ما كنت أعرف اللي هيحصل! ماكنتش هسمح إن بنتي تسافر لو كنت أعرف! بكت حتى جف الدمع - بنتك؟! افتكرها دلوقتي؟ بعد ما ضيعت حياتها؟ بعد ما رميت بكلامي عرض الحيط؟ بقت بنتك مش بنتك دى بنت أخوك لو كانت بنتك مكنتش رميتها سكت قليلًا، وكأن كلماتها طعنته، ثم قال بصوت مكسور - طب افتحي بس، خليني أتكلم... لتردبكل ما تبقى فيها من صلابة - لا... مش هفتح... ولا عاوزة أسمعك. اللي بينّا انتهى من يوم ما ضيعت بنتي.... أنا بطلب الطلاق... وعاوزك تمشي من حياتي زي ما مشيت بنتى من الدنيا ساد الصمت... إلا من صوت أنفاسه المتكسرة، ثم صوت خطواته المبتعدة ببطء، تاركًا خلف الباب قلبًا منكسرًا... وقرارًا لا عودة فيه. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ تناول الجميع طعام الإفطار في صمت مريح، وبين كل قضمة وأخرى، كانت النظرات تتبادل والإيماءات تعبر عن الرضا. رغم اختلاف الأصناف على الطاولة، من أطعمة لم يألفوها إلى نكهات لم يسبق لهم تذوقها، إلا أن الطعام كان شهيًا على نحوٍ مفاجئ، وكأن الجزيرة تُتقن حتى الطهو! وما إن بدأوا في احتساء المشروب الدافئ، حتى انفتح الباب بهدوء، ودلف ابن القمر بخطوات واثقة وابتسامة خفيفة على وجهه. - أرجو أن يكون الإفطار قد راق لكم... هزّ وليد رأسه تأكيدًا، بينما أجابه أدهم بابتسامة ممتنة - أكثر من رائع... لم نتوقع هذا التنوع. أومأ ابن القمر برضا، ثم اعتدل واقفًا وقال بنبرة رسمية تحمل شيئًا من العجلة - أعتذر لعدم قدرتي على البقاء... هناك الكثير من الأمور التي تتطلب حضوري.... أردت فقط أن أُمنحكم وقتًا للتفكير...سنتقابل مجددًا هذا المساء، وأتمنى أن تكون رؤيتكم أوضح بشأن كل شيء. ثم انحنى بخفة تحية لهم، وغادر كما دخل، تاركًا وراءه طيفًا من التساؤلات... ووجوهاً ما زالت تبحث عن إجابات في صحن إفطار غير مألوف.بعد مرور سنوات... كانت الشمس تميل نحو المغيب بوقار جليل، تسكب دماءها وألوانها الذهبية القانية على جدران قصر عليّان الشاهقة، فتغمره بضياءٍ ساحر يشبه حكايات الطمأنينة القديمة التي لا تُروى إلا في نهاية الرحلات الطويلة والمضنية. وسط الحديقة الغنّاء الشاسعة، كان طفلان يركضان ويمرحان فوق العشب الأخضر، ضحكاتهما الفتية تتعالى في الفضاء، تقطع سكون المكان ببهجة الحياة البكر التي لا تعرف ألم البدايات ولا مرارة الماضي. أحدهما كان يحمل ملامح "عليّان" الصارمة؛ جبينٌ مرفوع بكبرياء، ونظرة حادّة ثاقبة رغم غضاضة صغره. والآخر كان نسخة مصغرة من فراس؛ في سحر عينَيه سلام دافئ، وفي حركته وقار واتزان عجيب، وكأن طباع الأب الخَلقية والخُلقية قد انعكست في الجينات بقوة، لا بفعل السنوات. وفي منتصف تلك اللحظة الطفولية العابثة الصاخبة، خرجت "يَثرب" من البوابة الجانبية الكبيرة للقصر. كانت خطواتها أكثر اتزانًا ونضجًا، وملامحها باتت تحمل فتنة الصبا الطاغية وذكاء النشأة الأصيلة، وشيئًا من عناد الرجال وبأسهم في قوامها الممشوق. وقفت تضع يدًا على خاصرتها بنفاد صبر أنثوي، ونَفَسها يحمل بعضًا من ضجر المسؤولية الذي كبر
انتهت جنات من عملها اليومي، أغلقت شاشة الحاسوب بهدوء، وأعادت ترتيب الأوراق والملفات فوق مكتبها بدقة فائقة كعادتها الصارمة؛ كأنها بذلك لا تودع روتين العمل فحسب، بل تُنهي فصلاً كاملاً من يومها الرتيب، لتستعد بقلبٍ خافق لبداية فصلٍ آخر، فصلٍ أكثر دفئًا، وأشد شجنًا ورومانسية. توقفت عند عتبة الباب الخارجي للشركة، تتلفت حولها بعيون حائرة تبحث بشغف عن وجه مألوف بات يمثل لها الأمان كله. وما إن وقع بصرها على قامته الممشوقة، حتى توردت وجنتاها بحمرة قانية أشرقت في ملامحها، رغم حرارة الجو الخانقة ولظى الصيف. كان أمجد قد خرج للتو من باب مبنى الشركة، عيناه الذكيتان تمسحان الشارع وتبحثان عنها بلهفة وسط زحام المارة والسيارات؛ وما إن لمح طيفها الرقيق يقف بعيدًا، حتى انفرجت أساريره، ورفع يده عاليًا ملوّحًا بمرحه المعهود وصوته الرجولي الدافئ - يلا بينا يا جِنّتي... اتأخرنا قالها بنبرة عذبة لا تخلو من عمق الدفء، نبرة مشبعة بالانتماء، وبتفاصيل حبٍّ جارف يحاول جاهدًا أن يلبس ثوب العفوية والمزاح كي لا يفضح حجم تملكه. تلقفت جنات مقبض حقيبتها الصغيرة بأصابع مرتعشة، وسارت بجواره بخطوات خجولة متقاربة، مطرق
انتهت أيام شهر العسل العذبة الساحرة كحلم خاطف، وعاد بهاء إلى جدران مكتبه القديم، لكنه لم يعد ذلك الرجل المثقل بالهموم؛ بل كان يحمل بين جوانحه إشراقة طاغية، إشراقة رجل تزوّج حبيبته ونال مراده للتو بعد طول عناد مع القدر. كان يجرّ خلف خطواته هالة لا تخطئها العين من الرضا التام والسكينة، كمن عبر بسلام إلى الضفة الأخرى الآمنة من الحياة، ووجد فيها أخيرًا مستقره والسلام الذي طالما بحث عنه. استقبلته الجدران المألوفة بنكهة العمل والروتين اليومي، وبدت ابتسامات الموظفين والمهنئين خجولة، قاصرة أمام ذلك الوهج المشعّ بالعشق والسعادة في عينيه. لكن وسط كل هذا الاحتفاء والصخب الهادئ، كان هناك أمر آخر غريب يشد انتباهه الحاد... شيء خفي يتسلّل ببطء كالماء تحت الأبواب الموصدة، لا يُرى بالعين المجردة ولكن يُحسّ بالقلب والوجدان. ارتكن بهاء إلى كرسيه الوثير خلف مكتبه، وجعل يراقب عن كثب "جنات" وهي تتبادل أطراف الحديث مع "أمجد" في زاوية الغرفة؛ كانت بينهما نظرات عابرة، خاطفة، ولكنها أبعد ما تكون عن البراءة الزمالية المعتادة. كان ثمة صمت مشحون بكهرباء العاطفة يولد بين الجمل والعبارات، وابتسامات عذبة تولد عل
حدّقت به جنات لبرهة من الوقت بصدمة، ثم لم تتمالك نفسها وانفجرت ضاحكة من قلبها على طريقته الفكاهية ومحاولته الفاشلة فى التحدث باللغة العربية الفصحى الممزوجة بالعامية... ضحك أمجد معها ممتناً لزوال خوفها، لتنقلب اللحظة المأساوية في ثوانٍ من دموع وحيرة إلى دفء إنساني غير متوقّع، ثم تحركت بخطوات هادئة واستقلت السيارة بجواره لتنطلق بهما الشوارع. وفي الزاوية الأخرى من القاعة، بعيداً عن أعين المدعوين، كان هناك فتيل توتر آخر يوشك على الاشتعال... كان حسن يقف بجوار جلنار في ممر جانبي، ويبدو على ملامحه الضيق الشديد والإنهاك... وجهه كان مشدودًا بعنف، صوته منخفض حذر، لكن نبرته كانت متوترة للغاية وتشي بمصيبة. أما جلنار، فكانت عيناها تلمعان بالدموع المحبوسة كالآليء تحت ضوء الثريات، لكنها كانت تضغط على شفتيها وتحبسها بكبرياء جارف، فهى بطبيعتها القوية تكره تماماً أن تُرى ضعيفة أو مكسورة الجناح أمام أي كائن. اقترب منهما يوسف بخطوات سريعة بعد أن لاحظ انعزالهما، وقال بقلق ظاهر وعينين تتفحصان حالتهما - مالك يا حسن في إيه؟ جرى لكم إيه يا جماعة؟ أنت جايب جلنار ومطلعها من الجزيرة والعالم بتاعها علشا
كانت خطواتها هادئة فوق الأرض الخشبية، وئيدة، لكنها كانت تحمل في طياتها الخفية شيئًا من التوتر اللامرئي، ذلك الذي لا يلمحه العابرون وإنما يزلزل الوجدان. أمسكت مي بحقيبتها الجلدية الصغيرة بأصابع مرتجفة، تأكدت برعشة سريعة من وجود مفاتيحها ومحفظتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا ورفعت صوتها الناعم قليلًا وهي تمر بجانب غرفة الجلوس الدافئة، علّها تخفي بحروفها اضطراب نبضها - أنا طالعة يا تيتة... محتاجة مني أي حاجة وأنا راجعة؟ لم تنتظر الرد؛ إذ كانت دقات قلبها تستعجلها للرحيل، فامتدت يدها الرقيقة لتُمسك بمقبض الباب المعدني البارد... لكن، ما إن لامسته أناملها الغضة، حتى سرت قشعريرة مباغتة في جسدها، وشعرت بأن ثمة ثقلاً مقاوماً وحضوراً طاغياً يقف خلفه مباشرة. كان الباب لا يفتح، كأنما هناك قوة خفية تحجبه عن العالم. في تلك الأجزاء من الثانية، تجمدت اللحظة تماماً، وتراجع نفسُها الخائف للخلف خطوة متهيبة، قبل أن تدرك بحسها الأنثوي أن شخصاً ما يقف بالخارج مستنداً بكليته على الباب. وما إن فُتح الباب جزئيًا، وتسلل منه خيط الضوء الخارجي، حتى ارتبك نبض قلبها ارتباكاً عنيفاً، وهو ارتباك المفاجأة الممتزج بالصدم
استفاقت الجزيرة مع أول خيوط الفجر الواهنة على فاجعة مروعة تقشعر لها الأبدان، وتجمدت الدماء في عروق كل من شهدها... لم يكن صباحًا عاديًا، بل كان مستهل يومٍ كئيب حطّ بثقله فوق الصدور، حين تراءى للصيادين جسد طافٍ ينكفئ على وجهه فوق سطح المياه الراكدة؛ جسد مشوه المعالم، منتفخ ومحتقن بك كأن البحر غضب منه فلفظه إلى السطح بعد أن استهلكت أمواجه العاتية كل رمق فيه. تقدم أحد الرجال الأشداء بحذر شديد، تخترق خطواته الوجلة حاجز الصمت المطبق الذي خيّم على الشاطئ، مادّاً يده المرتجفة ليجذب الجثة الهامدة نحو الرمال. وما إن نجح بمشقة في إخراجها وتقليبها على ظهرها، حتى تراجع إلى الخلف بذعر وهلع، سقط على ركبتيه، وصرخ بصوت حاد مزق سكون الفجر - إنه مـديـد! يا لَلْهَوْل... إنه مديد انتشر الخبر المفزع بين العائلات كالنار في الهشيم، يتناقله الناس بهمس ذعور، حتى وصلت الكلمات الصادمة إلى مسامع الحاكم "عليان". كان واقفًا في هيبته المعتادة، شاردًا بذهنه أمام أفق البحر اللامتناهي، وعيناه الثاقبتان ترقبان حركة الأمواج بكبرياء، كأنما كان يستشعر بحدسه القيادي أن خطبًا جللًا قد وقع، أو كأنه كان ينتظر هذه النهاية تح
بدت كلماتها وكأنها طرقت على باب السماء، أو ربما على جدران قلوبهم جميعًا، لتصمت الأصوات للحظة، يتسلل خلالها الخوف إلى أعماق كل منهم.انتفض وكيل أعمالها غاضبًا من كلماتها، ينهـرها بعصبية وهو يلوّح بيده-إنتي بتقولي إيه؟ اتلمي، ده مش وقت الكلام ده!لكن رزان لم تصمت، بل استدارت إليه بعينين يشتعلان وجعً
نظر إليه الجميع بدهشة، مزيج من الغضب والذهول، وكأن كلماته طعنتهم وسط جراحهم.لكن وليد لم ينطق، فقط نظر إليهم جميعًا… يعلم أن القرار القادم ليس فقط إنقاذًا لحياتهم، بل إعادة حسابات لكل شيء ظنوا أنهم يعرفونه عن الحياة.تداخلت الأصوات…كلٌ يصرخ برأيه، كلٌ يرى النجاة من زاويته.ليلى تريد العودة… يوسف ي
تدخل عليه كالعاصفة، عيناها تقدحان شررًا، ونبرتها لا تحتمل التأجيل:-هتسافر مع البت دي برضه؟!يتوقف لحظة، يكز على أسنانه بغضب مكتوم، ثم يتابع تجهيز حقيبته وهو يرد بحدة دون أن يلتفت-هي مش بتطلع معايا... دي موظفة في الشركة، وبيني وبينها مفيش حاجة.لكنها تعرفه... تعرف نظراته، وأكاذيبه المغلّفة بالمنطق
كانت الغرفة كأنها تُحاكمه.جلس بهاء على الحافة القصوى للمقعد، ظهره مشدود، ويداه تتداخلان في ارتباكٍ ظاهر.كان الهواء ثقيلًا، كأن كل نفس يأخذه لا يكفيه، وعيناه مُعلقة بالرجل الذي جلس على الجانب الآخر، في وضع من يعرف أنه لا يُسأل، ولا يُجادل.-أنا بحبها... وبوعدك، لو وافقت، هتبقى أسعد بنت في الدنيا.







