LOGINلم يكن اختراق ذلك الجهاز العجيب أمرًا هيّنًا على الجنود، لكنهم لا يملكون كسر أوامر حاكمهم.
تطلعوا إلى الطائرة بتوجّس، خطواتهم حذرة ونفوسهم مشدودة، قبل أن يلجوا أبوابها كما علمهم وليد، يحملون الجثث واحدة تلو الأخرى، في صمت كأنهم يرفعون أسرارًا لا جثامين. لكن أثناء عبورهم بين المقاعد المهجورة، انطلقت شهقة واهنة كسكينٍ تقطع السكون. تجمدت الأقدام، وتلفتت العيون، ليقع نظرهم على امرأة منكمشة على نفسها، جاثية في وضع القرفصاء بين مقعدين، وجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه، وجسدها يرتجف كما لو كان يستعيد ذعر لحظاته الأخيرة. اقترب وليد منها بحذر، وركع إلى مستواها هامسًا بصوت مطمئن. رفعت رأسها ببطء، عضلاتها متيبّسة كأنها تنفك من أسرٍ طويل. نظرت إليهم بعينين تائهتين وهمست بصوت مرتجف -إحنا... إحنا مخطوفين؟ يحاول مراد تهدئتها بصوته الواثق -إهدي... إحنا هنا علشان نساعدكم، خلاص الخطر عدى. تنظر إليه بعينين دامعتين، كأنها تحاول التمسّك بكلمة نجاة. تطاوعه سلمى، تنهض ببطء وتسير بجواره، خطواتها متعثرة كأنها تخشى أن تسقط الحقيقة تحت قدميها. لكنهم ما إن تجاوزوا بضعة مقاعد حتى اخترق السكون صوتٌ خافت -كابتن... أنا هنا. تلفّت وليد بسرعة، يتبع مصدر الصوت بقلق، ليجد شابًا يَجلس محتضنًا مصحفه، بين ذراعيه كأنه طوق نجاة. عيناه لا تنظران إليهم بل إلى الفراغ، وصوته هادئ... لكنه يحمل شيئًا من الزيف، من الارتباك المكبوت +هو إيه اللي حصل؟ تجمد وليد لوهلة... قلبه يضج بالأمنيات ليت الجميع كانوا على قيد الحياة، ليت الكابوس لم يلتهم أحدًا.... لكنها يد القدر... لا تمنح دومًا الفرص الثانية. يأخذ نفسًا عميقًا، ثم يطلب منهم الخروج من الطائرة ليلتقطوا أنفاسهم بعيدًا عن روائح الموت وصدمة المكان. -اطلعوا معايا بره... هنشرحلكم كل حاجة بس نهدى الأول. خرج وليد معهم من الطائرة، وعيناه لا تكادان ترى ما حوله... كان ذهنه مشغولًا بشخصٍ واحد فقط... جدته. كيف حالها الآن؟ هل تشعر بالقلق؟ هل نامت البارحة دون أن تعلم أين حفيدها؟ لقد جاء في هذه الرحلة من أجلها، بحثًا عن علاج لمرضها، لكنه وجد نفسه في قلب مصيرٍ لم يختره. رفع رأسه نحو السماء، يتأملها كأنها السبيل الوحيد للبقاء متماسكًا، وهمس بدعاء مرتجف -يا رب... طبطب على قلبها، خفّف عنها خوفي، وارجعني لها بالسلامة، أنا لسه ما وفيتش بوعدي ليها. ✨✨✨✨✨✨✨ حلَّ الظلام، وغادر الجميع المطار بخطى مثقلة. منهم من تمسّك ببصيص أمل، يُقنع نفسه أن القادم قد يحمل خبراً سعيدًا، ومنهم من سقط في هوة اليأس، كأنّ الحياة فقدت معناها بانقطاع خبر أحبّائه. كانت جيلان لا تزال تبكي بحرقة، لم تجف دموعها منذ الصباح، تصرخ في وجه والدها بين تنهيدة وأخرى -إنت السبب فى إنه سافر ذلليته وعقدت الأمور أهو ساب الدنيا كلها بينما في الجانب الآخر، جلست نهى في صمتٍ ثقيل، لا تبكي... فقط تتذكر. عامان من الخذلان، من الخوف، من علاقات محمود المتعددة وكذبه المتكرر..... فتحت خزانة الملابس ببطء، أخرجت شريط حبوب منع الحمل، نظرت إليه لثوانٍ، ثم ألقته في سلة القمامة.ثم تمتمت بثبات -خلاص... مش محتاجاه، ومش هسمع كلام حد تاني. ولو رجع... هطلب الطلاق. أما جدة زياد، فقد عادت إلى غرفتها الصغيرة،... انكبت على سجادة الصلاة،.... الدموع تغسل وجهها،تتمتم بدعاءٍ لا ينقطع -يا رب، نجّيه... رجعه لي بالسلامة، ده حتة من قلبي... ✨✨✨✨✨✨ انتهوا من إخراج الجثث ودفنها، في طقس جنائزي خيّم عليه الصمت والوجوم. عاد وليد بصحبة سلمى وزياد، وجوههم شاحبة، وعيونهم زائغة كأنها عادت من عالم آخر. كان الحزن يثقل خطواتهم، وكأن كل حفرة حُفرت بالأرض قد حفرت أيضًا داخل قلوبهم. تحلّق الجميع حولهم، يحاولون انتشالهم من ذلك البئر المظلم من الصدمة، بالكلمات، باللمسات، حتى بالصمت المتفهم. لكن رغم المواساة، ظل سؤال كبير معلّق في الهواء، يطوف حولهم كما لو كان شبحًا خفيًا -ما مصيرنا نحن؟... ماذا ينتظرنا على هذه الجزيرة المنعزلة التي لا نعرف لها بابًا للخروج؟" نظراتهم التقت، وكل منها تبحث عن إجابة في الأخرى، لكن لا أحد كان يملكها... ولا حتى ابن القمر. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ بدأ الأمل يدب في القلوب المتعبة، أمل العودة إلى مصر، إلى حضن الوطن الذي بات حلمًا يراودهم بعد كل ما عانوه..... توافقوا جميعًا دون نقاش (لن نكرر تلك الرحلة أبدًا.) ظلوا في الغرفة حتى حلول المساء، لا صوت يعلو فوق صوت أمنيات العودة.... كانت الأحاديث تدور حول تفاصيل صغيرة من حياتهم السابقة، وكأنهم يتمسكون بها خشية أن تضيع منهم. وفجأة، قُطع سكون الغرفة بصوت الحراس وهم يعلنون -ابن القمر قادم. وقف الجميع تلقائيًا، متوترين بعض الشيء، حين دخل عليان بخطاه الواثقة. رمقهم بنظرة سريعة قبل أن يقول بنبرة هادئة مستنكرة -لماذا تقفون عند حضوري؟ أجابه أيمن بنبرة يغلبها الاحترام -تقديرًا واحترامًا لك. ابتسم عليان ابتسامة خفيفة وهز رأسه قائلاً -الاحترام لا يُقاس بالوقوف، بل يُثبت في القلوب ويُترجم بالأفعال. اتجه إلى مكانه وجلس على المقعد الحجري في صدر الغرفة، ثم تحدث بصوت مائل للتأمل -في الحقيقة، هذه المرة الأولى التي يستطيع فيها أحد اختراق هالات الجزيرة.... في كل مرة كان من يحاول يُعاد جثة هامدة، طافية على وجه الماء..... لا نجد تفسيرًا لنجاتكم سوى أنه توفيق من عند الله...أو ربما دعوة صادقة من أحدكم وصلت إلى السماء. ثم نهض واقفًا فجأة دون مقدمات، وتابع -لن أطيل عليكم، أعلم أنكم مرهقون وتحتاجون للراحة. سينام الرجال هنا في هذه الغرفة، والنساء في الغرفة المقابلة.... ناموا الآن، صفّوا أذهانكم، وسنلتقي بعد الظهيرة غدًا. أنهى كلماته ثم غادر، بخطى ثابتة وصمت مطبق، دون أن يترك مجالًا لأي سؤال أو نقاش، تاركًا خلفه وجوهًا مشوشة وقلوبًا تموج بالأسئلة ✨✨✨✨✨✨✨✨ تشرق الشمس، ترسل أشعتها الذهبية لتداعب المروج، معلنة بداية يوم جديد. استيقظ الجميع، وعلى وجوههم علامات الحيرة، لا يعرفون ما الخطوة التالية، ولا إلى أين يأخذهم هذا المصير الغامض. خرجت سلمى من غرفتها، باحثة عن ماء تغسل به وجهها، علّها تطرد ما تبقى من آثار الليل المُضطرب. وبينما تتجول في الحديقة الهادئة، لفت نظرها صوت باكٍ، خافت ومرتبك. اقتربت، فإذا بطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها الست سنوات، تبكي وهي ترتجف، تنظر إلى سلمى بعينين واسعتين فيهما خوف وتساؤل، وتهتف بصوت مبحوح: - مين إنتي؟! وإيه اللبس ده؟ أنا معملتش حاجة، والله! تجمدت سلمى للحظة، ثم تذكرت... لقد نسيت أن مظهرهم لا يشبه سكان "كالاتيا"، هم بالنسبة لأهل الجزيرة... أشباح أو كائنات غريبة! انحنت سلمى بلطف، محاوِلة تهدئة الطفلة - اهدي يا حبيبتي، أنا مش هأذيكي... أنا زيك، بس جاية من مكان تاني. نظرت الطفلة إليها بتوجس وهمست - مكان تاني؟ يعني إيه؟ ابتسمت سلمى، وجلست على ركبتها لتكون في مستواها - يعني فيه أماكن غير كالاتيا... بلاد تانية، فيها ناس بيلبسوا غيركم وبيتكلموا لغات تانية. بدأت ملامح الطفلة تلين، وتراجع الخوف قليلًا من عينيها. اقتربت خطوة وسألت، وقد تحوّل الفضول في صوتها إلى شيء من الحميمية: - يعني إنتي من بلد تانية؟ فيها أطفال؟ ضحكت سلمى برقة - طبعًا، وفيها بنات زيك، بيحبوا يلعبوا ويتكلموا... تحبي نكون أصحاب؟ أومأت الطفلة برأسها في خجل، واقتربت منها أكثر، لتتشابك أصابعها الصغيرة بأصابع سلمى... هكذا بدأت أول خيوط الأمل في التواصل بين العالَمَينراقب زياد خروجها المفاجئ والسريع من الغرفة، ولاحظ بنظرته الفاحصة كيف سُرقت البهجة العفوية من ملامحها في لحظة عابرة كأنها غيمة سوداء حجبت ضياء وجهها. لم يكن يدري على وجه التحديد ما الذي تبدل في الأجواء ليقلب حالها هكذا، لكن إحساسًا غامضًا بالضيق والوجوم تسرّب إلى صدره هو الآخر دون استئذان؛ كأن شيئًا أساسيًا في غيابها المفاجئ أخلّ بتوازنه النفسي، وكأن الفراغ البارد الذي خلفته وراءها في أركان الغرفة صار صاخبًا ومربكًا أكثر من وجودها الصامت العذب. اعتذر بلباقة من ليلى التي كانت تجلس إلى جوار الحاجة سمية، تغزل معه أطراف حديث ممتد بدا فاتنًا ومشوقًا لمن يراقبهم من بعيد، ثم نهض في عجل كمن أُخرج قسرًا من دفء اللحظة ليُلقى في برد القلق والترقب، وخرج يخطو في الممر الطويل يبحث عنها بعينين ق لقتين تضجّان بالأسئلة الحائرة. لم تمضِ سوى بضع دقائق من البحث في ممرات المستشفى الهادئة حتى وجدها أخيرًا. كانت واقفة وحيدة أمام إحدى النوافذ الزجاجية الكبيرة في نهاية الممر الطويل، يلفّها صمت كثيف وموحش كأنه رداء شفاف يُخفي تحت طياته ما لا يُقال من لوعة وانكسار. عيناها اللامعتان بطيف دموع محبوسة كانتا معلّ
جاء دوره أخيرًا… دلف إلى مجلس الحاكم "ابن القمر" بخطى متمهلة واثقة، ولكنها كانت تحمل بين طياتها من الصلف والوقاحة ما لا يُطاق ولا يُحتمل. ملامحه كانت جامدة كصخرة قديمة، ونظراته الزائغة لم تطرق الأرض احترامًا لهيبة المكان، بل كانت تواجه كل ركن بتحدٍّ فجّ ومستفز، وكأن الجدران العتيقة نفسها تُهينها عيناه الخبيثتان. عليان، الجالس في صدر المجلس بوقاره المعهود وهيبته المستمدة من أسرار الأجداد، لم يتحرك أنشًا واحدًا. كانت عيناه الثاقبتان تراقبان الداخل بنظرة حذرة فاحصة؛ لم تكن نظرة خوفٍ منه بأي حال، بل كانت تحسبًا وتقييمًا لما قد يجرّه وجود هذا الكائن من ويلات ومصائب. كان يعرفه جيدًا… يعرف أن هذا الرجل تحديدًا لا يعرف للندم طريقًا، وأن جدران السجن التي غُيب وراءها لم تكن سوى استراحة مؤقتة لطبع خبيث يزداد مع العزلة سوادًا وشراسة. نعم… إنه "مديد"، عم جنات، الطاغية الذي سرق ماضيها العذب بدم بارد، ويحاول الآن بكل ما أوتي من مكر أن يلوث مستقبلها النقي. وقف مديد أمامه في منتصف القاعة، رأسه مرفوعة بصلف، وعيناه تشعان وقاحة وتحديًا سافرًا، ثم نفث كلماته بجرأة لا يعرفها سوى من اعتاد الظلم وتشربت رو
كان وليد واقفًا هناك بملامحه الواثقة، وبجواره رجل وقور، يبدو في أواخر الخمسينات من عمره، يعلو وجهه خطوط الزمن وملامح هادئة، لكن عينيه الحائرتين كانتا تبحثان بشغف جارف وتوترٍ خفي بين جنبات المكان، كأنما يبحث عن أثمن شيء ضاع منه منذ سنوات طويلة. وقبل أن تتفوه جيلان بكلمة ترحيب واحدة، اخترق صمت المكان صرخة مفاجئة حادة، صرخة امتزجت فيها لوعة الدهشة بأشواق الحنين الجارف - بـابـا ارتمت رزان كطفلة صغيرة أضلت طريقها لسنوات في حضن الرجل الوقور؛ كانت تلهث، وتبكي بنحيب حار، وتحتضنه بكل ما أوتيت من قوة بين ذراعيها، وكأنها تخشى بكل جوارحها أن يختفي أو يتبخر كسراب إن هي أغمضت عينيها لثانية واحدة. احتضنها الأب هو الآخر بنفس القوة والاشتياق، وضمها إلى صدره كأنه يسترد روحه الضائعة، وجعل يربت على رأسها بحنو أبوي بالغ، ويهمس في أذنها بكلمات دافئة غير مسموعة، كأن كل تلك السنوات العجاف الماضية من الفراق والبعد قد اختُزلت وتلاشت تمامًا في هذا الحضن الواحد الحنون. قالت رزان من بين دموعها المنهمرة، بصوت متهدج هز قلوب الحاضرين - وحشتني يا بابا... وحشتني أوي، كنت فين طول السنين دي ساد الصمت المطلق في ال
استقرت حياتها شيئًا فشيئًا، وعادت إلى ممارسة عملها في عيادتها وهي تحمل بين ضلوعها ما يشبه السلام الداخلي السكيب... أما الأهم والأثمن في رحلتها تلك، فهو تلك الثقة المفقودة التي استردّتها أخيرًا بنضجٍ وعزم، بعد أن سرقها منها زيف الوعود وخذلان المقربين. عادت لها حرارة القلب العطوف، وعاد الدفء يكسو أيامها الرتيبة، لكنها في سريرة نفسها لا تنكر أبدًا… أنه من آنٍ لآخر، تتسلل إليها أشواقها الغامضة لأيام كالاتيا البعيدة، ولذلك الرفيق الغريب، الهادئ، الذي خفّف عنها بحضوره عبءَ الليالي الطويلة المظلمة. ليالٍ لم تكن تعرف لها وصفًا دقيقًا حتى الآن... أكانت جميلة بلمساتها أم عصيبة بمخاوفها؟ هينة في وقعها أم قاسية في شروطها؟ هي فقط تعرف بيقين أن لياليها هناك لم تكن تنتهي بسهولة، بل كانت تسحب من روحها الكثير. كانت تغرق في شرودها العميق، تنبش بأصابع ذاكرتها في تفاصيل تلك الأيام الخوالي، حين دوى صوت طرقات حادة، مباغتة، على باب العيادة، أعقبها مباشرة دخول الشخص الذي طالما تمنّت من أعماق قلبها أن تمحوه من ذاكرتها تمامًا، أن يُمحى من تاريخ حياتها كليًا كما تُمحى الأحلام السيئة والكوابيس المزعجة عند الصحو
إنت مجنون رسمي؟.... إنت واعي للّي بتقوله؟ عاوزني أفسخ خطوبة بنتي قبل فرحها بأسبوع واحد… وأجوزها لك إنت؟ بأي عين جايب البجاحة دي كلها؟ كانت تلك الكلمات كصفعة مدوية وبترت هدوء الصالة، خرجت من فم عاطف بصوت جهوري مضطرب، اختلطت فيه حدة الغضب العارم بذهول الصدمة التي شلت تفكيره. وقف الرجل الأربعيني يتأمل بهاء الذي اقتحم منزله فجأة، دون سابق موعد أو إنذار، واعتلى صوته كأنه قادم من معركة حامية الوطيس، لا يعرف أحد من الحاضرين إن كان قد خرج منها منتصرًا رافع الراية، أم مهزومًا يلم شتات نفسه. في المقابل، كان أمجد يجلس على طرف مقعده متوترًا كجمرة تشتعل، وقد شحب وجهه تمامًا وانسحبت منه الدماء، بينما اشتعلت عيناه بنيران غيرة عمياء وغضب حارق كاد يفتك بضلوعه. لم يحتمل الصمت طويلاً، فنهض واقفًا بعنفوان خطيب جُرحت كرامته، واقترب من بهاء بخطوات هجومية، لتتطاير كلماته من بين أسنانه كالسكاكين المسنونة - إنت مين أصلاً يا ابني؟ وتطلع لك صفة إيه عشان تدخل البيت ده؟ وإزاي تتجرأ من أساسه وتطلب خطيبتي ؟ فين دمك وفين رجولتك؟.. ده فرحنا وكتب كتابنا كمان أسبوع..... جاي تقولي في الآخر كل شيء نصيب؟.. ده مش نصيب ي
تجمّع الشباب من جديد بعد طول شتات، وهذه المرة كانت الأنفاس تلتقي داخل شقة وليد، حيث تسللت إلى قلوبهم المجهدة رائحة الذكريات الدفيئة التي لا تُنسى؛ ذكريات أيامهم الخوالي في منزل أيمن، حين كانت فكرة "العودة إلى الوطن" هي قضيتهم الكبرى، وشغلهم الشاغل، وأملهم المشترك الذي يغذونه بالدموع والدعاء. لكن جلسة الليلة كانت مختلفة، ذات طابع خاص؛ فقد انضم إليهم وجهان جديدان تماماً على المجموعة القديمة: جيلان وأمجد. لم يكونا في أعين الحاضرين مجرد ضيوف عابرين، بل كانا تحديداً في نظر بهاءتجسيداً حياً وباهراً لمعاني الوفاء النادر والتضحية الأسطورية التي أنقذت الحب من الضياع. استرخى يوسف في جلسته فوق الأريكة، ورمق حسن بنظرة مازحة تلمع بالخباثة الأخوية، وسأله مغمزاً - إيه يا أبو علي؟ طمنا.. أم العيال استقبلت العروسة الجديدة إزاي؟ الأجواء ولعت ولا مسيطر؟ هز حسن رأسه بأسى مضحك، وضغط على كفيه كأن السؤال قد نكأ جرحاً نازفاً في كبريائه - اسكت يا يوسف ولا تسألنيش… أنا عايش في مرستان رسمي والله.... أم العيال ساكتة بس عشان كلام الناس والمظاهر، وعايشة في دور الست المظلومة المكسورة المقبوضة، لكن في الكواليس
ما زال شادي مسجوناً داخل شرنقة الصدمة السميكة، يغرق في لُجّة تلك اللحظة المفجعة التي انتزعت منه كل شيء بدمٍ بارد. أسرته... روحه... ماضيه المنسوج بضحكاتهم، ومستقبله الذي شُيّد لأجلهم؛ كل شيء سُحب منه بغتة في غضون ثانية واحدة، وكأن الحياة قررت أن تنفض يدها منه، وتتركه معلقاً في فراغٍ سحيق، بلا سبب يب
وكيف لقلبٍ أن يحزن على سجانٍ كسره بوحشية، ومزّق نياطه بلا رحمة؟ لم تكن تلك النهاية مأساوية كما خُيِّل للجميع؛ بل كانت تحريراً صامتاً، وفكّاً لأسرِ سجنٍ خفيّ نال من أنوثتها، وسلبها كبرياءها يوماً تلو الآخر، حتى كادت تتلاشى. لم يكن غياب الطائرة وفقدانه فراقاً تَبكيه، بل كان طوق نجاةٍ أُلقي إليها من
أنهت نهى، بصمتٍ واجفٍ وأصابع مرتعشة، كتابة التقرير الذي كلفها به عمر. كان تقريراً دقيقاً، فاحصاً، وممتلئاً بتفاصيل إحدى الشركات المنافسة؛ بذلت في كل سطرٍ منه وقتاً وجهداً مضنياً، وكأنها تصبّ فيه كل تركيزها لتفرّ من التفكير في صاحب التكليف نفسه. لكنها، ورغم الإتقان، لم تجد الجرأة الكافية لتخطو الخطو
وقعت كلمة مستحيل كالصاعقة، دوَّت في الأرجاء كأنها رعدٌ مزّق سكون المكان، وخلّفت وراءها همهمات مستنكرة وعيوناً اتسعت دهشة، لكن لغط النفوس لم يدم طويلاً.نهض عليان، ابن القمر، بغتةً، والغضب يتفجّر من ملامحه القاسية. صوته كان كالقصف حين صاح- كيف تجرؤون على رفع أصواتكم في حضرة ابن القمر؟ اصمتوا... أو







