بيت / الآخر / الرحلة 301 / البارت الخامس والتسعون

مشاركة

البارت الخامس والتسعون

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-24 21:21:10

وقف الجميع على حد الشاطئ الفيروزي، وحانت أخيرًا اللحظة التي طال الهروب منها... لحظة الرحيل المرّ.

العيون لم تعد تبكي، فقد جفت المآقي من طول السهر والترقب، لكنها كانت تنطق بملء الصمت... تنطق بحنينٍ جارف عالق في الحناجر كغصة حادة، وبرغبةٍ مجنونة خفية في أن يلتقطوا الملامح الأخيرة للجزيرة، كأنهم يريدون حفر تضاريسها، وصخورها، وظلال نخلها في سويداء قلوبهم، لتبقى معهم حية الشذى إلى الأبد.

كل زاوية مألوفة… كل ركن شهد ضحكة أو دمعة… كل همسة ريح باردة عبرت أشجارها الكثيفة… كانت تحمل قطعة من أرواحهم ترك
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • الرحلة 301   122

    انتهت أيام شهر العسل العذبة الساحرة كحلم خاطف، وعاد بهاء إلى جدران مكتبه القديم، لكنه لم يعد ذلك الرجل المثقل بالهموم؛ بل كان يحمل بين جوانحه إشراقة طاغية، إشراقة رجل تزوّج حبيبته ونال مراده للتو بعد طول عناد مع القدر. كان يجرّ خلف خطواته هالة لا تخطئها العين من الرضا التام والسكينة، كمن عبر بسلام إلى الضفة الأخرى الآمنة من الحياة، ووجد فيها أخيرًا مستقره والسلام الذي طالما بحث عنه. استقبلته الجدران المألوفة بنكهة العمل والروتين اليومي، وبدت ابتسامات الموظفين والمهنئين خجولة، قاصرة أمام ذلك الوهج المشعّ بالعشق والسعادة في عينيه. لكن وسط كل هذا الاحتفاء والصخب الهادئ، كان هناك أمر آخر غريب يشد انتباهه الحاد... شيء خفي يتسلّل ببطء كالماء تحت الأبواب الموصدة، لا يُرى بالعين المجردة ولكن يُحسّ بالقلب والوجدان. ارتكن بهاء إلى كرسيه الوثير خلف مكتبه، وجعل يراقب عن كثب "جنات" وهي تتبادل أطراف الحديث مع "أمجد" في زاوية الغرفة؛ كانت بينهما نظرات عابرة، خاطفة، ولكنها أبعد ما تكون عن البراءة الزمالية المعتادة. كان ثمة صمت مشحون بكهرباء العاطفة يولد بين الجمل والعبارات، وابتسامات عذبة تولد عل

  • الرحلة 301   120

    حدّقت به جنات لبرهة من الوقت بصدمة، ثم لم تتمالك نفسها وانفجرت ضاحكة من قلبها على طريقته الفكاهية ومحاولته الفاشلة فى التحدث باللغة العربية الفصحى الممزوجة بالعامية... ضحك أمجد معها ممتناً لزوال خوفها، لتنقلب اللحظة المأساوية في ثوانٍ من دموع وحيرة إلى دفء إنساني غير متوقّع، ثم تحركت بخطوات هادئة واستقلت السيارة بجواره لتنطلق بهما الشوارع. وفي الزاوية الأخرى من القاعة، بعيداً عن أعين المدعوين، كان هناك فتيل توتر آخر يوشك على الاشتعال... كان حسن يقف بجوار جلنار في ممر جانبي، ويبدو على ملامحه الضيق الشديد والإنهاك... وجهه كان مشدودًا بعنف، صوته منخفض حذر، لكن نبرته كانت متوترة للغاية وتشي بمصيبة. أما جلنار، فكانت عيناها تلمعان بالدموع المحبوسة كالآليء تحت ضوء الثريات، لكنها كانت تضغط على شفتيها وتحبسها بكبرياء جارف، فهى بطبيعتها القوية تكره تماماً أن تُرى ضعيفة أو مكسورة الجناح أمام أي كائن. اقترب منهما يوسف بخطوات سريعة بعد أن لاحظ انعزالهما، وقال بقلق ظاهر وعينين تتفحصان حالتهما - مالك يا حسن في إيه؟ جرى لكم إيه يا جماعة؟ أنت جايب جلنار ومطلعها من الجزيرة والعالم بتاعها علشا

  • الرحلة 301   121

    كانت خطواتها هادئة فوق الأرض الخشبية، وئيدة، لكنها كانت تحمل في طياتها الخفية شيئًا من التوتر اللامرئي، ذلك الذي لا يلمحه العابرون وإنما يزلزل الوجدان. أمسكت مي بحقيبتها الجلدية الصغيرة بأصابع مرتجفة، تأكدت برعشة سريعة من وجود مفاتيحها ومحفظتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا ورفعت صوتها الناعم قليلًا وهي تمر بجانب غرفة الجلوس الدافئة، علّها تخفي بحروفها اضطراب نبضها - أنا طالعة يا تيتة... محتاجة مني أي حاجة وأنا راجعة؟ لم تنتظر الرد؛ إذ كانت دقات قلبها تستعجلها للرحيل، فامتدت يدها الرقيقة لتُمسك بمقبض الباب المعدني البارد... لكن، ما إن لامسته أناملها الغضة، حتى سرت قشعريرة مباغتة في جسدها، وشعرت بأن ثمة ثقلاً مقاوماً وحضوراً طاغياً يقف خلفه مباشرة. كان الباب لا يفتح، كأنما هناك قوة خفية تحجبه عن العالم. في تلك الأجزاء من الثانية، تجمدت اللحظة تماماً، وتراجع نفسُها الخائف للخلف خطوة متهيبة، قبل أن تدرك بحسها الأنثوي أن شخصاً ما يقف بالخارج مستنداً بكليته على الباب. وما إن فُتح الباب جزئيًا، وتسلل منه خيط الضوء الخارجي، حتى ارتبك نبض قلبها ارتباكاً عنيفاً، وهو ارتباك المفاجأة الممتزج بالصدم

  • الرحلة 301   119

    استفاقت الجزيرة مع أول خيوط الفجر الواهنة على فاجعة مروعة تقشعر لها الأبدان، وتجمدت الدماء في عروق كل من شهدها... لم يكن صباحًا عاديًا، بل كان مستهل يومٍ كئيب حطّ بثقله فوق الصدور، حين تراءى للصيادين جسد طافٍ ينكفئ على وجهه فوق سطح المياه الراكدة؛ جسد مشوه المعالم، منتفخ ومحتقن بك كأن البحر غضب منه فلفظه إلى السطح بعد أن استهلكت أمواجه العاتية كل رمق فيه. تقدم أحد الرجال الأشداء بحذر شديد، تخترق خطواته الوجلة حاجز الصمت المطبق الذي خيّم على الشاطئ، مادّاً يده المرتجفة ليجذب الجثة الهامدة نحو الرمال. وما إن نجح بمشقة في إخراجها وتقليبها على ظهرها، حتى تراجع إلى الخلف بذعر وهلع، سقط على ركبتيه، وصرخ بصوت حاد مزق سكون الفجر - إنه مـديـد! يا لَلْهَوْل... إنه مديد انتشر الخبر المفزع بين العائلات كالنار في الهشيم، يتناقله الناس بهمس ذعور، حتى وصلت الكلمات الصادمة إلى مسامع الحاكم "عليان". كان واقفًا في هيبته المعتادة، شاردًا بذهنه أمام أفق البحر اللامتناهي، وعيناه الثاقبتان ترقبان حركة الأمواج بكبرياء، كأنما كان يستشعر بحدسه القيادي أن خطبًا جللًا قد وقع، أو كأنه كان ينتظر هذه النهاية تح

  • الرحلة 301   118

    رَفّت عيناها بذعر مبهوظ وذهول شلّ تفكيرها. تابع الأب ضاحكًا وهو يغمز لوليد - ونسيّت أقولك كمان... إنه هو اللي هيوصلنا بنفسه لبيت عيلتنا علشان يتعرف على إخواتك الكبار. رفعت رزان يدها نحو صدرها وضغطت عليه بقوة، وكأنها تتحسّس قلبها المتمرد، لتتأكد بيقين أنه لا يزال ينبض في مكانه ولم يغادر ضلوعها من فرط الصدمة. أضاف والدها بنبرة ذات معنى - ونسيّت أقولك الكبيرة بقى... إنه من يومين بقى صاحب أخوكي رامي جدًا... والاتنين قضوها مكالمات وكانوا بيتكلموا عنك وعن تفاصيلك طول اليوم انطلقت ضحكات الحاضرين ممتزجة بالفرحة... إلا رزان..... لم تكن في وعيها لتضحك... كانت تذوب، تتلاشى، وتنصهر كقطعة سكر وسط فيضان مشاعرها. كان فمها مفتوحًا بغير تصديق، عيناها تائهتين في تفاصيل ملامحه الوسيمة، وداخل جوفها تدور أعاصير وآلاف المشاعر المتضاربة... دهشة صعقتها، فرحة عارمة خلعت قلبها، ارتباك أنثوي ساحر، دموع محبوسة أبت أن تنزل، ونبضات عنيفة ترتجف وتضرب صدرها كطبل حرب. تقدّم وليد منها بخطوات واثقة، متزنة كعادته، وعيناه تشتعلان بشغف وهيام لا يفارقان وجهها الشاحب، ثم انحنى قليلاً وقال بصوت منخفض، أجش، يحمل ذبذبا

  • الرحلة 301   117

    استفاقت جلنار على قشعريرة سرت في جسدها إثر برودة الفراش الخالي بجوارها. مدّت يدها الرقيقة تتحسّس الفراغ المخملي، تبحث بأصابع مرتجفة عن بقايا دفء غادرها باكراً، كمن يرجو جرعة أمان لم تجدها. تنهدت بلوعة، ثم نهضت ببطء شديد، تحاول أن توقظ عزيمتها المنكسرة لتواجه يوماً آخر تبدأه في بيت بارد، غريب، لا ينتمي لقلبها ولا يعترف بوجودها. خرجت من الغرفة متجهة إلى الصالة بخطوات متهيبّة، لتلتقي بوجه الأزمة الصارخ... وفاء. ألقت جلنار عليها تحية الصباح بصوت خافت، رخيم، يحمل نبرة رجاء صامت لسلام لم تذق طعمه هنا. لكن وفاء لم تكلف نفسها عناء الرد؛ بل اكتفت بتوجيه تلك النظرة السامة، مسحت تفاصيل جلنار من رأسها حتى قدميها باحتقار فجّ، كأنها تتفحص كائناً أدنى مرتبة من البشر. سارت وفاء خطوتين للأمام بصلف، قبل أن تستدير فجأة كأفعى تتهيأ للفتك، وصرخت بها بحدة جارحة مزقت سكون الصباح - ادخلي يا مدلّعة يا ست هانم.... المطبخ وراكِ عايز يتشطب ويدعك من أول وجديد، وفي جبل هدوم ملقى عالغسالة اغسليه وانشريه، واعملي حسابك في غدا تقيل... أنا رايحة عند ماما أشوفها، وساعتين وراجعة، ألاقي كل شبر في الشقة بيبرق... أنا مش

  • الرحلة 301   البارت السابع عشر

    ما زال شادي مسجوناً داخل شرنقة الصدمة السميكة، يغرق في لُجّة تلك اللحظة المفجعة التي انتزعت منه كل شيء بدمٍ بارد. أسرته... روحه... ماضيه المنسوج بضحكاتهم، ومستقبله الذي شُيّد لأجلهم؛ كل شيء سُحب منه بغتة في غضون ثانية واحدة، وكأن الحياة قررت أن تنفض يدها منه، وتتركه معلقاً في فراغٍ سحيق، بلا سبب يب

  • الرحلة 301   البارت السادس عشر

    وكيف لقلبٍ أن يحزن على سجانٍ كسره بوحشية، ومزّق نياطه بلا رحمة؟ لم تكن تلك النهاية مأساوية كما خُيِّل للجميع؛ بل كانت تحريراً صامتاً، وفكّاً لأسرِ سجنٍ خفيّ نال من أنوثتها، وسلبها كبرياءها يوماً تلو الآخر، حتى كادت تتلاشى. لم يكن غياب الطائرة وفقدانه فراقاً تَبكيه، بل كان طوق نجاةٍ أُلقي إليها من

  • الرحلة 301   البارت الخامس عشر

    أنهت نهى، بصمتٍ واجفٍ وأصابع مرتعشة، كتابة التقرير الذي كلفها به عمر. كان تقريراً دقيقاً، فاحصاً، وممتلئاً بتفاصيل إحدى الشركات المنافسة؛ بذلت في كل سطرٍ منه وقتاً وجهداً مضنياً، وكأنها تصبّ فيه كل تركيزها لتفرّ من التفكير في صاحب التكليف نفسه. لكنها، ورغم الإتقان، لم تجد الجرأة الكافية لتخطو الخطو

  • الرحلة 301   البارت الرابع عشر

    وقعت كلمة مستحيل كالصاعقة، دوَّت في الأرجاء كأنها رعدٌ مزّق سكون المكان، وخلّفت وراءها همهمات مستنكرة وعيوناً اتسعت دهشة، لكن لغط النفوس لم يدم طويلاً.نهض عليان، ابن القمر، بغتةً، والغضب يتفجّر من ملامحه القاسية. صوته كان كالقصف حين صاح- كيف تجرؤون على رفع أصواتكم في حضرة ابن القمر؟ اصمتوا... أو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status