Home / الآخر / الرحلة 301 / البارت الاول

Share

الرحلة 301
الرحلة 301
Author: Faten Aly

البارت الاول

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-16 07:13:25

كانت الغرفة كأنها تُحاكمه.

جلس بهاء على الحافة القصوى للمقعد، ظهره مشدود، ويداه تتداخلان في ارتباكٍ ظاهر.

كان الهواء ثقيلًا، كأن كل نفس يأخذه لا يكفيه، وعيناه مُعلقة بالرجل الذي جلس على الجانب الآخر، في وضع من يعرف أنه لا يُسأل، ولا يُجادل.

-أنا بحبها... وبوعدك، لو وافقت، هتبقى أسعد بنت في الدنيا.

خرج صوته مبحوحًا، محمّلًا بكل الرجاء الذي يملكه قلب شابٍ صادق.

رفع والد جيلان عينيه إليه ببرود، كان جسده مرتاحًا في المقعد، لكن ملامحه متوترة بغرورٍ خفي.

نظر إلى بهاء كما لو كان يقرأ سطرًا لا يعجبه.

-ايه بتحبها؟ الحب لوحده بيأكّل عيش؟هتلبسها وتغديها وتعشبها حب

ضحك بسخرية باهتة، ثم أضاف ببطء

-يا ابني إنت حتى مش قادر تجيب شبكة! هيبقى هتعيشها إزاى

انهارت الكلمات فوق قلب بهاء كأنها سكاكين.حاول التماسك، لكن صوته ارتجف رغمًا عنه

-أنا مش بطلب منك فلوس... أنا طالب بس إنك تديلي فرصة. الفرصة دي ممكن تغيّر حياتي.أنا مسافر وهشتغل ليل نهار وهبعتلك الفلوس اللى إنت عاوزها

أشار له الأب بيده كأن يصرفه، وقال بإصرار بارد

-لأ، ومش هتتغيّر قراري. جيلان مش هتتجوّزك. أنا مش شايفك راجل كفاية ليها.

للحظة، ساد صمت ثقيل...

ثم نهض بهاء، لا يدري كيف حملت قدماه جسده المرتعش.

خرج من المنزل كأن كل الأحلام تساقطت من على كتفيه.

ومع أول خطوة في الخارج، كانت تقف هناك...

جيلان.

ثابتة، تنتظره، وعيونها تتفحّص ملامحه المرتبكة، تبحث في وجهه عن أملٍ، ولو ضئيل.

وقفت أمامه، وسألته بعينين مرتجفتين

-عملت ايه قالّك لأ برضو؟

لم يرد.

مجرد دمعة لمعت في عينيه قالت كل شيء.

اقتربت منه، وضعت يدها على ذراعه، وقالت بهدوء، كمن يكتب عهدًا لا يُنكَر

-أنا مستنياك... حتى لو العمر كله..... واثقة فيك، وهافضل وراك لحد ما الأيام تغيّر اللي هو شايفه النهارده.

لم يستطع بهاء الرد، فقط رفع نظره إليها…

وفي عينيه بريق حزن، لكنه للمرة الأولى، شعر أن الحب قد يمنحه القوّة، ولو بعد حين.

✨✨✨✨✨✨✨✨

كان ضحك الأطفال يملأ أرجاء المنزل، يتناثر مثل الفرح في زوايا القلب، وحسن يلاعبهم برفق، يُدغدغ الصغير ويُحمل الكبرى على كتفيه، كأنما يحاول أن يختزن هذه اللحظات في قلبه قبل الرحيل. ومن بين ضحكاتهم، التفت نحو وفاء وسأل بنبرة تحمل ما بين الجد والمزاح:

– حضرتِ الشنطة يا وفاء؟ أنا مسافر بعد بكرة.

رفعت حاجبها ونظرت إليه بضيق خفيف، قبل أن ترد

– دي خامس مرة تسألني! آه حضرتها، ومقفولة كمان.

ثم سكتت لحظة، كأنها تختار كلماتها، قبل أن تردف

– بس بالله عليك يا حسن، خليك حريص... ما تصرفش إلا في الضروري. لمّ قرشك، إحنا مش عايزين غير سترتنا.

ابتسم بسخرية خفيفة، مرددا بتهكم

– وانتوا كمان هتوحشوني يا وفاء

لم تضحك، بل نظرت إليه بعينين فيهما قلق أكثر من لوم

– والله أنا بقول كده علشانك... علشان مصلحتك.

لم يرد، فقط أدار وجهه عنها وعاد لاحتضان أطفاله، كأنما يهرب منهم إلى دفئهم، يخبئ حزنه في صدورهم الصغيرة. لم يكن يفكر في الغربة ولا يحلم بها، لكنه رضخ أخيرًا تحت إلحاحها... فصار القرار يُثقل قلبه بدل أن يخفف عنهم

✨✨✨✨✨✨✨✨

جلست سالي على طرف السرير، تحاول أن تُحكم غلق الحقيبة، ويداها ترتجفان كأنما تغلق بها على قلبها، لا على ملابسها. كانت تكتم أنفاسها بين ضلوعها حتى لا تفلت دمعة، لكنها خانتها، وتسللت واحدة بصمت فوق خدها.

وقفت والدتها إلى جوارها، تُمسك بطرف وشاحها وكأنها تتشبث بصبرها، تُخفي رجفة قلبها خلف كلماتها:

– خليكِ دايمًا واخدة بالك من نفسك، يا بنتي... الغربة صعبة.

لم تحتمل سالي، انكسر صوتها، وارتمت في حضن أمها كطفلة أضناها الحزن:

– يا ماما، بالله عليكي... ما تسيبينيش، أنا مش عايزة أسافر... مش قادرة.

أشاحت الأم بنظرها بعيدًا، كأنها تهرب من نظرة ابنتها التي تشق القلب نصفين. حاولت أن تبدو قوية، لكن الكلمات خرجت منها مكسورة

– دي أوامر عمّك يا سالي، وإنتي عارفة إنه ماسك كل حاجة... لو رفضتي، ممكن...

قاطعتها سالي، وقد انفجرت دموعها:

– ساعتها تتخلي عن بنتك؟ علشان ما تتخليش عن الورث؟

ثم مسحت دموعها بكفها، وتنفست بعمق كأنها تخمد نيرانًا تشتعل بداخلها، وعادت لتُرتب الحقيبة، لكن قلبها كان هو من يبكي بصمت... لا الملابس.

لم يكن السفر اختيارًا، بل نفيًا مقنعًا من وطن الأم إلى عزلة العم، ومن دفء البيت الى برد المجهول

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كان يوسف ينحني فوق حقيبته، يطوي قمصانه بعناية، كأن كل قطعة يحملها تمثل خطوة في طريقٍ لم يكن يومًا سهلًا. وبينما يُحكم ترتيب أغراضه، كانت والدته تجلس على حافة السرير، يديها متشابكتان في حجرها، ودموعها تبلل وجنتيها في صمت مؤلم.

همست بصوت متهدج، مبحوح من كتم العبرات

– ما تسافرش يا ابني... خليك جنبنا، إحنا مش ناقصين فراق.

توقف يوسف لحظة، رفع رأسه إليها، بعينين فيهما حزن أكثر من تصميم، وقال بلين

– سنة... سنتين بالكثير، وارجع. أفتح المطعم اللي بحلم بيه من زمان. مش رايح أضيع وقتي، يا أمي.

هزت رأسها بيأس، ودموعها تنساب بلا توقف:

– ما إحنا نقدر نفتحلك المطعم هنا... إحنا شايلينلك من زمان.

تنهد يوسف، ثم ابتسم ابتسامة باهتة كأنها اعتذار

– دا جهاز أخواتي يا أمي، ما ينفعش ألمسه. وعدين... أنا راجع، مش رايح من غير رجعة.

عاد لينحني فوق الحقيبة من جديد، وكأن كلماته كانت فاصلاً ما بينه وبين البكاء، يستأنف ترتيب أحلامه المؤجلة، بينما أنين والدته يملأ الغرفة، أنين لا يُسمع إلا بقلب أم مكسور تخشى أن يخطف الغياب آخر سندٍ لها في الدنيا.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

بصوت مكتوم، أغلقت هاميس الحقيبة، لكن صوت القفل لم يكن نهاية لشيء، بل بداية لوجع جديد. جرحها ما زال ينزف بصمت، يثقل صدرها رغم محاولاتها في إخفائه خلف ابتسامة باهتة.

دفع والدها الباب بخفة ودخل، عيناه تبحثان عن إجابة في ملامحها المتعبة، وسألها بصوت منخفض، يشبه الرجاء:

– يعنى مصممة تسافري؟

تهربت هاميس من عينيه، كأن نظراته قادرة على اقتحام ما تخفيه خلف صبرها، ثم ردت بنبرة خافتة:

– حجزت فعلاً يا بابا... الطيارة بكرة.

لم يُجادلها، لم يعاتبها، فقط مدّ ذراعيه واحتضنها بقوة، كأنما يحاول أن يثنيها عن الرحيل بعناق، أو يداوي بها جرحًا لم يفلح الزمن في تهدئته.

ضمها إلى صدره، بينما كانت أنفاسها تتقطع، وألمها يتنفس من بين ضلوعها. لم يعد يملك سوى الدعاء، أن يكون السفر علاجًا لذلك الألم العالق في قلبها... أن تكون الغربة دواء، لا ندبة جديدة.

✨✨✨✨✨✨✨✨

يدور بعينيه في أرجاء تلك الشقة الصغيرة التي طالما ضجّت بالضحك، وشهدت أجمل أيام حياته مع زوجته. كانت جدرانها تحفظ همساتهما، خطواتهما، وحتى شجاراتهما الصغيرة التي تنتهي دائمًا بعناق. لكن السعادة لا تدوم، وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على ما كان.

يتنهد وليد، كابتن الطيران الذي لا يهزم في السماء، لكنه مهزوم أمام فقدها. يحضر حقيبته استعدادًا لرحلة الغد، يحاول أن يشغل يديه ليُسكت ضجيج قلبه، ولا ينسى كعادته أن يضع قلم الأنسولين في جيب جانبي بعناية.

ينظر إلى صورتها فوق الرف، تبتسم له كما اعتادت، وكأنها تودعه في كل رحلة...

لكن هذه الرحلة مختلفة، فالقلب مثقل، والسماء لا تسع وجعه.

✨✨✨✨✨✨✨✨

يغلق خزنته التي تكاد تنفجر من رزم الأموال، يتفقدها بنظرات ممتلئة بالزهو، كأن الثراء وحده يمنحه الحياة. يشعر بلذة السلطة، بلذة أن يكون هو مَن يُقرض ويُقرر، من يُعطي ويأخذ أضعافًا مضاعفة.

تدخل ابنته في تلك اللحظة، نظراتها ممتزجة بين الحزن والخذلان، تراقب والدها بصمت قبل أن تنطق، بصوت خافت لكنه حازم:

-ربنا مش هيتوب عليك يا بابا... ده ربا، وعقابه كبير عند ربنا."

يرد عليها بلا اكتراث، وعيناه لا تزالان على المال

-أنا ما بعملش حاجة غلط... بسلف الناس مقابل فايدة، زيه زي البنك.

تهز رأسها بقلة حيلة، تعلم أنه لا يسمع سوى صوت المال، وأن قلبه أصبح محصنًا ضد النداء.

تتركه وهو يُحضّر حقيبته، فقد قرر السفر غدًا لأداء مناسك العمرة.

كم بدا المشهد متناقضًا... يداه تعبثان بالمال الحرام، وقلبه يدّعي الطهر في رحاب مكة.

لكنها تعرف... الله لا يُخدع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
أسماء الغندور
أشطر كاتبة
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • الرحلة 301   124 والأخير

    بعد مرور سنوات... كانت الشمس تميل نحو المغيب بوقار جليل، تسكب دماءها وألوانها الذهبية القانية على جدران قصر عليّان الشاهقة، فتغمره بضياءٍ ساحر يشبه حكايات الطمأنينة القديمة التي لا تُروى إلا في نهاية الرحلات الطويلة والمضنية. وسط الحديقة الغنّاء الشاسعة، كان طفلان يركضان ويمرحان فوق العشب الأخضر، ضحكاتهما الفتية تتعالى في الفضاء، تقطع سكون المكان ببهجة الحياة البكر التي لا تعرف ألم البدايات ولا مرارة الماضي. أحدهما كان يحمل ملامح "عليّان" الصارمة؛ جبينٌ مرفوع بكبرياء، ونظرة حادّة ثاقبة رغم غضاضة صغره. والآخر كان نسخة مصغرة من فراس؛ في سحر عينَيه سلام دافئ، وفي حركته وقار واتزان عجيب، وكأن طباع الأب الخَلقية والخُلقية قد انعكست في الجينات بقوة، لا بفعل السنوات. وفي منتصف تلك اللحظة الطفولية العابثة الصاخبة، خرجت "يَثرب" من البوابة الجانبية الكبيرة للقصر. كانت خطواتها أكثر اتزانًا ونضجًا، وملامحها باتت تحمل فتنة الصبا الطاغية وذكاء النشأة الأصيلة، وشيئًا من عناد الرجال وبأسهم في قوامها الممشوق. وقفت تضع يدًا على خاصرتها بنفاد صبر أنثوي، ونَفَسها يحمل بعضًا من ضجر المسؤولية الذي كبر

  • الرحلة 301   123

    انتهت جنات من عملها اليومي، أغلقت شاشة الحاسوب بهدوء، وأعادت ترتيب الأوراق والملفات فوق مكتبها بدقة فائقة كعادتها الصارمة؛ كأنها بذلك لا تودع روتين العمل فحسب، بل تُنهي فصلاً كاملاً من يومها الرتيب، لتستعد بقلبٍ خافق لبداية فصلٍ آخر، فصلٍ أكثر دفئًا، وأشد شجنًا ورومانسية. توقفت عند عتبة الباب الخارجي للشركة، تتلفت حولها بعيون حائرة تبحث بشغف عن وجه مألوف بات يمثل لها الأمان كله. وما إن وقع بصرها على قامته الممشوقة، حتى توردت وجنتاها بحمرة قانية أشرقت في ملامحها، رغم حرارة الجو الخانقة ولظى الصيف. كان أمجد قد خرج للتو من باب مبنى الشركة، عيناه الذكيتان تمسحان الشارع وتبحثان عنها بلهفة وسط زحام المارة والسيارات؛ وما إن لمح طيفها الرقيق يقف بعيدًا، حتى انفرجت أساريره، ورفع يده عاليًا ملوّحًا بمرحه المعهود وصوته الرجولي الدافئ - يلا بينا يا جِنّتي... اتأخرنا قالها بنبرة عذبة لا تخلو من عمق الدفء، نبرة مشبعة بالانتماء، وبتفاصيل حبٍّ جارف يحاول جاهدًا أن يلبس ثوب العفوية والمزاح كي لا يفضح حجم تملكه. تلقفت جنات مقبض حقيبتها الصغيرة بأصابع مرتعشة، وسارت بجواره بخطوات خجولة متقاربة، مطرق

  • الرحلة 301   122

    انتهت أيام شهر العسل العذبة الساحرة كحلم خاطف، وعاد بهاء إلى جدران مكتبه القديم، لكنه لم يعد ذلك الرجل المثقل بالهموم؛ بل كان يحمل بين جوانحه إشراقة طاغية، إشراقة رجل تزوّج حبيبته ونال مراده للتو بعد طول عناد مع القدر. كان يجرّ خلف خطواته هالة لا تخطئها العين من الرضا التام والسكينة، كمن عبر بسلام إلى الضفة الأخرى الآمنة من الحياة، ووجد فيها أخيرًا مستقره والسلام الذي طالما بحث عنه. استقبلته الجدران المألوفة بنكهة العمل والروتين اليومي، وبدت ابتسامات الموظفين والمهنئين خجولة، قاصرة أمام ذلك الوهج المشعّ بالعشق والسعادة في عينيه. لكن وسط كل هذا الاحتفاء والصخب الهادئ، كان هناك أمر آخر غريب يشد انتباهه الحاد... شيء خفي يتسلّل ببطء كالماء تحت الأبواب الموصدة، لا يُرى بالعين المجردة ولكن يُحسّ بالقلب والوجدان. ارتكن بهاء إلى كرسيه الوثير خلف مكتبه، وجعل يراقب عن كثب "جنات" وهي تتبادل أطراف الحديث مع "أمجد" في زاوية الغرفة؛ كانت بينهما نظرات عابرة، خاطفة، ولكنها أبعد ما تكون عن البراءة الزمالية المعتادة. كان ثمة صمت مشحون بكهرباء العاطفة يولد بين الجمل والعبارات، وابتسامات عذبة تولد عل

  • الرحلة 301   120

    حدّقت به جنات لبرهة من الوقت بصدمة، ثم لم تتمالك نفسها وانفجرت ضاحكة من قلبها على طريقته الفكاهية ومحاولته الفاشلة فى التحدث باللغة العربية الفصحى الممزوجة بالعامية... ضحك أمجد معها ممتناً لزوال خوفها، لتنقلب اللحظة المأساوية في ثوانٍ من دموع وحيرة إلى دفء إنساني غير متوقّع، ثم تحركت بخطوات هادئة واستقلت السيارة بجواره لتنطلق بهما الشوارع. وفي الزاوية الأخرى من القاعة، بعيداً عن أعين المدعوين، كان هناك فتيل توتر آخر يوشك على الاشتعال... كان حسن يقف بجوار جلنار في ممر جانبي، ويبدو على ملامحه الضيق الشديد والإنهاك... وجهه كان مشدودًا بعنف، صوته منخفض حذر، لكن نبرته كانت متوترة للغاية وتشي بمصيبة. أما جلنار، فكانت عيناها تلمعان بالدموع المحبوسة كالآليء تحت ضوء الثريات، لكنها كانت تضغط على شفتيها وتحبسها بكبرياء جارف، فهى بطبيعتها القوية تكره تماماً أن تُرى ضعيفة أو مكسورة الجناح أمام أي كائن. اقترب منهما يوسف بخطوات سريعة بعد أن لاحظ انعزالهما، وقال بقلق ظاهر وعينين تتفحصان حالتهما - مالك يا حسن في إيه؟ جرى لكم إيه يا جماعة؟ أنت جايب جلنار ومطلعها من الجزيرة والعالم بتاعها علشا

  • الرحلة 301   121

    كانت خطواتها هادئة فوق الأرض الخشبية، وئيدة، لكنها كانت تحمل في طياتها الخفية شيئًا من التوتر اللامرئي، ذلك الذي لا يلمحه العابرون وإنما يزلزل الوجدان. أمسكت مي بحقيبتها الجلدية الصغيرة بأصابع مرتجفة، تأكدت برعشة سريعة من وجود مفاتيحها ومحفظتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا ورفعت صوتها الناعم قليلًا وهي تمر بجانب غرفة الجلوس الدافئة، علّها تخفي بحروفها اضطراب نبضها - أنا طالعة يا تيتة... محتاجة مني أي حاجة وأنا راجعة؟ لم تنتظر الرد؛ إذ كانت دقات قلبها تستعجلها للرحيل، فامتدت يدها الرقيقة لتُمسك بمقبض الباب المعدني البارد... لكن، ما إن لامسته أناملها الغضة، حتى سرت قشعريرة مباغتة في جسدها، وشعرت بأن ثمة ثقلاً مقاوماً وحضوراً طاغياً يقف خلفه مباشرة. كان الباب لا يفتح، كأنما هناك قوة خفية تحجبه عن العالم. في تلك الأجزاء من الثانية، تجمدت اللحظة تماماً، وتراجع نفسُها الخائف للخلف خطوة متهيبة، قبل أن تدرك بحسها الأنثوي أن شخصاً ما يقف بالخارج مستنداً بكليته على الباب. وما إن فُتح الباب جزئيًا، وتسلل منه خيط الضوء الخارجي، حتى ارتبك نبض قلبها ارتباكاً عنيفاً، وهو ارتباك المفاجأة الممتزج بالصدم

  • الرحلة 301   119

    استفاقت الجزيرة مع أول خيوط الفجر الواهنة على فاجعة مروعة تقشعر لها الأبدان، وتجمدت الدماء في عروق كل من شهدها... لم يكن صباحًا عاديًا، بل كان مستهل يومٍ كئيب حطّ بثقله فوق الصدور، حين تراءى للصيادين جسد طافٍ ينكفئ على وجهه فوق سطح المياه الراكدة؛ جسد مشوه المعالم، منتفخ ومحتقن بك كأن البحر غضب منه فلفظه إلى السطح بعد أن استهلكت أمواجه العاتية كل رمق فيه. تقدم أحد الرجال الأشداء بحذر شديد، تخترق خطواته الوجلة حاجز الصمت المطبق الذي خيّم على الشاطئ، مادّاً يده المرتجفة ليجذب الجثة الهامدة نحو الرمال. وما إن نجح بمشقة في إخراجها وتقليبها على ظهرها، حتى تراجع إلى الخلف بذعر وهلع، سقط على ركبتيه، وصرخ بصوت حاد مزق سكون الفجر - إنه مـديـد! يا لَلْهَوْل... إنه مديد انتشر الخبر المفزع بين العائلات كالنار في الهشيم، يتناقله الناس بهمس ذعور، حتى وصلت الكلمات الصادمة إلى مسامع الحاكم "عليان". كان واقفًا في هيبته المعتادة، شاردًا بذهنه أمام أفق البحر اللامتناهي، وعيناه الثاقبتان ترقبان حركة الأمواج بكبرياء، كأنما كان يستشعر بحدسه القيادي أن خطبًا جللًا قد وقع، أو كأنه كان ينتظر هذه النهاية تح

  • الرحلة 301   البارت التاسع

    بدأت الطفلة وسلمى تتعرفان على بعضهما البعض كأن الزمن توقف حولهما.- أنا اسمي يثرب.قالتها الصغيرة بخجل، وهي تعبث بطرف ثوبها البسيط.ابتسمت سلمى بعفوية، بدا الاسم في أذنيها كجرس دافئ- يثرب... اسمك جميل قوي.ثم أشارت إلى نفسها بلطف- وأنا سلمى.تأملت يثرب ملامحها الغريبة عنها، لكن حديثها ودفء نبرت

  • الرحلة 301   البارت الثامن

    لم يكن اختراق ذلك الجهاز العجيب أمرًا هيّنًا على الجنود، لكنهم لا يملكون كسر أوامر حاكمهم.تطلعوا إلى الطائرة بتوجّس، خطواتهم حذرة ونفوسهم مشدودة، قبل أن يلجوا أبوابها كما علمهم وليد، يحملون الجثث واحدة تلو الأخرى، في صمت كأنهم يرفعون أسرارًا لا جثامين.لكن أثناء عبورهم بين المقاعد المهجورة، انطلقت

  • الرحلة 301   البارت السابع

    وهنا أدهم قاطعها، صوته غاضب كأنه يواجه الحقيقة لأول مرة-نسيتي كلام الشيخ؟ قال محدش بيخرج من الجزيرة... غير اللي ماتوا فعلاً في الطيارة.تجحظ عينا هاميس، وتصرخ وقد تجمّدت الدماء في عروقها-يعني إحنا اتحبسنا هنا؟! مش هنشوف أهالينا تاني؟!تدخل أيمن بسرعة، يحاول الإمساك بزمام الموقف، ولو بكلمة تهدّئ ا

  • الرحلة 301   البارت السادس

    كانت الركوبة أشبه بصندوق خشبي أنيق يستقر فوق عجلات خشبية ملونة، تتناثر على جوانبه باقات من الزهور البرية بعشوائية خلابة. يجرها مخلوق غريب يشبه الحمار الوحشي، إلا أن تموجاته لم تكن سوداء وبيضاء، بل زرقاء وبرتقالية، فيما تشبه رأسه رأس حصان، لكن بحجم يفوقه قليلًا، كأنما وُلد من رحم الخيال.تطلع إليهم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status