LOGINوقفت ليلى في مكانها، متجمدة كتمثالٍ من ملح، وعيناها معلقتان بتلك الصورة الفوتوغرافية القديمة، كأنها تخشى أن ترمش بعينيها لحظة واحدة فتختفي الحقيقة أو تتبدل. كانت ترى نفسها في الصورة.. لكنها لم تكن هي. نفس الملامح الدقيقة، نفس نظرة العينين الحائرة التي تلاحقها في المرآة كل صباح، وحتى نفس الوقفة المترددة التي كانت تقفها دائماً دون أن تنتبه لنفسها. إحساس غريب وموحش شدّ قلبها من مكانه، فجعلها تتراجع خطوة لورا، وهي تحاول أن تستوعب هذا العبث الذي يقف أمامها، وكأنها تحاول دفع فكرة مجنونة لا يقبلها عقل بشر.
انحنت ببطء شديد، وجسدها يرتجف ارتعاشةً خفية، وإيدها ترتعش وهي تحاول رفع المصباح اليدوي من فوق الأرضية الحجرية الباردة. النور رجع يهتز في إيدها بعنف، كأنه هو الآخر خائف مما يرى، وكأن الضوء نفسه لم يعد ثابتاً في حضرة هذا السر. وجهت الضوء ناحية الصورة مرة ثانية، كأنها مستنية تلاقي اختلاف بسيط، أي علامة، أي شامة، أي تفصيلة تثبت إن اللي شايفاه ده مجرد وهم أو تشابه عابر.. بس مافيش. البنت هي هي، كأنها انعكاس لروح ليلى في زمن لم تعشه. حست ليلى إن أنفاسها بتتقل، وصدرها بيضيق، مش بس من الخوف القاتل.. لكن من "الفكرة" نفسها؛ الفكرة اللي بتهدم كل يقين عاشت عليه سنين. "يعني إيه؟" همست بصوت شبه مسموع، صوت مخنوق بالدهشة والمرارة، كأنها بتسأل حد مش موجود، أو كأنها بتسأل الجدران الصامتة اللي شافت الحقيقة ومخبيتها. صوتها رجع لها صدى في أركان الغرفة الضيقة، أضعف.. وأخوف من الأول، كأنه صوت شخص غريب عنها تماماً. قعدت على طرف الكرسي الخشبي القديم المتهالك اللي جنب الطاولة، قعدت من غير ما تاخد بالها، كأن رجليها مابقتش قادرة تشيلها. عينيها ما سابتش الصورة ولا لحظة واحدة. عقلها بدأ يرجع لورا بسرعة مرعبة، يدور في سراديب ذكرياتها، في طفولتها الهادية، في قصص باباها، في أي كلمة أو تلميح ممكن يفسر اللي شايفاه.. بس مافيش. عمره ما كان فيه حد شبهها بالشكل ده. عمرها ما سمعت عن توأم.. ولا حتى تلميح بعيد في لحظة صفا من باباها أو مامتها. إيديها شدت على الصورة أكتر، قبضت عليها بقوة وكأنها خايفة حد يظهر فجأة من العدم وياخدها منها، يسرق منها الخيط الوحيد اللي لقت فيه نفسها. "أنتِ مين؟" قالتها ليلى بصوت أوضح شوية، بس لسه فيه رعشة بتهز كل حرف. وفي اللحظة دي بالذات، إحساس المراقبة اللعين رجع تاني.. أقوى من كل المرات اللي فاتت. مش إحساس بعيد أو خيال.. لا، كان قريب جداً، لدرجة إنها حسّت إن في "نفس" تاني بيتاخد في الغرفة غير نفسِها هي. نفس بارد، تقيل، بيزاحم الهوا حواليها. رفعت رأسها بسرعة البرق، وبصت حواليها في جنون. النور بيتحرك مع إيدها المرتعشة، بيكشف زوايا الغرفة الضلمة واحدة واحدة.. بس مافيش حد. الغرفة فاضية تماماً. ومع ذلك، قلبها كان بيقول غير كده، كان بيدق بعنف ويحذرها إنها مش لوحدها. قامت ببطء، وهي لسه ماسكة الصورة في إيدها كأنها درع، وبدأت تتحرك حوالين الطاولة بخطوات محسوبة، كأن الأرض نفسها ممكن تخونها وتبلعها. وقفت عند أثر الإيد اللي شافتها على التراب.. وبصت له من قريب، بتركيز حاد. الإيد كانت واضحة جداً.. تفاصيلها باينة، كأنها اتطبعت على الغبار من ثواني بس. حطت إيديها جنبها، بشكل تلقائي.. وقفت لحظة، والدم اتجمد في عروقها. نفس الحجم تقريبًا. سحبت إيدها بسرعة، كأنها اتلسعت بنار، وإحساس بارد ومرعب عدى في كل حتة في جسمها. خدت نفس عميق بصعوبة وهي بتحاول تطرد الخاطر اللي جه في بالها. "لا.." قالتها لنفسها بصوت مسموع، كأنها بتحاول توقف الفكرة اللعينة قبل ما تكمل في دماغها. لكن الفكرة كانت أسرع من أي مقاومة. لو دي إيدها.. يبقى مين اللي كان هنا؟ ومين اللي ملامسه بتطابق ملامسها للدرجة دي؟ قبل ما تلحق تفكر أكتر أو تلاقي جواب، صوت خفيف جداً طلع من وراها. حركة.. بسيطة زي حفيف الشجر، بس كانت كفاية تخلي قلبها يقف عن النبض. لفت بسرعة، والنور في إيدها اتحرك بعنف وبعشوائية. بصت ناحية باب الغرفة.. كان مفتوح زي ما هو، بس الممر بره.. ما كانش زي ما سابته خالص. الممر كان أغمق، سواده كأنه مادة تقيلة بتزحف، كأن الظلام زاد فجأة وابتلع الجدران. وقفت مكانها، عينيها مركزة في الفراغ الأسود، بتحاول تميز أي حركة أو خيال. وفي لحظة.. شافته. مش بوضوح كامل، بس شافت "ظل" واقف بعيد شوية، عند أول السلم. ظل ساكن تماماً، ما بيتحركش، بس بيراقب بكل وضوح. أنفاس ليلى تسارعت، بس المرة دي ما صرختش. ما جرتش. كانت واقفة متسمرة، كأن في حاجة خفية رابطاها بالأرض، كأنها منومة مغناطيسياً. الظل اتحرك خطوة واحدة ناحيتها. قلبها خبط في ضلوعها بعنف. النور في إيديها اهتز، ووجهته ناحيته بسرعة عشان تكشف وشه.. بس مافيش حاجة. المكان فاضي. اختفى كأنه بخار. رجع الفراغ الأسود تاني، لكن الإحساس بالوجود ما اختفاش، بل بالعكس.. قرب أكتر بكتير. حست بيه وراها مباشرة، حست ببرودة الهوا ورا رقبتها. لفت ببطء شديد.. ببطء مرعب ومميت. مفيش حد. لكن.. فجأة، سمعت صوت. همس خافت جداً، قريب من ودنها لدرجة إنها حست بحرارة النفس: "مش لوحدك…" شهقت ليلى بقوة، واتراجعت بسرعة وهي بتصرخ صرخة مكتومة، ضهرها خبط في الطاولة الخشبية بعنف. الصورة وقعت من إيديها على الأرض، والنور في إيدها كاد يطفى من قوة الخضة والحركة. قلبها بيدق بعنف لدرجة الوجع، وإيديها بترتعش بهستيريا، وهي بتبص حواليها بجنون في كل ركن. "مين؟!" صوتها خرج عالي المرة دي، مكسور، مليان خوف ممتزج بغضب العجز. مفيش رد. بس الصمت ما كانش مريح.. كان تقيل، كاتم، ومريب أكتر من أي صوت ممكن تسمعه. بصت ليلى على الأرض برعب، شافت الصورة واقعة وشها لفوق.. وانحنت بسرعة تاخدها، كأنها خايفة تكون ضاعت. أول ما رفعتها قدام عينيها، عينيها وسعت لدرجة إنها كادت تخرج من مكانها. البنت اللي في الصورة.. ما كانتش واقفة في مكانها زي ما شافتها أول مرة. وضعها اتغير تماماً في الصورة الفوتوغرافية الثابتة! بقت أقرب.. قربت خطوة من أبوها، وقربت أكتر من "الكاميرا"، كأنها بتحاول تطلع برا الكادر. اتجمدت ليلى، ومعدتها انقبضت انقباضة مؤلمة. "لا.. لا.." همست وهي بترجع لورا ببطء، وعقلها بيرفض يصدق اللي عينيه شايفاه. رفعت الصورة تاني قدام النور، بتدقق فيها بجنون.. يمكن تكون بتتوهم، يمكن الإضاءة هي اللي بتلعب في خيالها. لكن مافيش شك، البنت في الصورة اتحركت فعلاً. وهنا، ليلى أدركت حاجة أخطر وأبشع من كل اللي فات.. إن اللي بيحصل مش مجرد أسرار قديمة بتنكشف ولا مجرد جريمة من الماضي. في حاجة حية.. حاجة غيبية بتتفاعل معاها، بترد عليها، وبتقرب منها مع كل خطوة بتاخدها هي نحو الحقيقة. وفي اللحظة دي، فهمت ليلى إن الحقيقة مش بس قريبة منها.. دي بدأت تتحرك هي كمان ناحيتها، وبسرعة مرعبة.كانت الشمس تغرب بهدوء مهيب، والضوء الذهبي يتشبث بأطراف البنايات العتيقة كأنه يرفض الرحيل ويخشى ما قد يأتي به الليل من أسرار. في تلك اللحظة الفارقة، وقفت ليلى أمام مدخل العمارة الجديدة، ورفعت رأسها لتتأمل تلك الشرفات المتراصة التي نال منها الزمن. المكان كان غريباً؛ ليس مرعباً بالمعنى التقليدي، لكنه لم يكن مريحاً كذلك، كان يحمل هيبة صامتة توحي بأن خلف كل نافذة مغلقة قصة لم تُروَ بعد. في يدها كانت تحمل حقيبة صغيرة تضم شتات حياتها، وفي كفها الآخر تضغط على مفتاح الشقة رقم 407. نظرت إلى المفتاح اللامع لحظة، وكأنها تسأل نفسها في حوار داخلي مرير: "أنا فعلاً جاهزة أبدأ من هنا؟" أخذت نفساً خفيفاً، وقررت أن تخطو خطوتها الأولى نحو المجهول الذي ينتظرها خلف الأبواب الموصدة. قبل أن تضع قدمها على أول درجة، انفتح الباب الصغير المجاور للمدخل بصرير خافت، وخرج منه رجل مسن، اشتعل رأسه شيباً وعيناه تحملان نظرة غريبة.. نظرة غير مفهومة، تائهة بين الترحيب والتحذير الشديد. "أنتي الساكنة الجديدة؟ شقة 407؟" صوته كان عادياً، لكن نبرته لم تكن كذلك؛ كان يسأل وهو يعرف الإجابة مسبقاً، أو ربما كان خائفاً من
استيقظت ليلى في صباحها الأول على سيمفونية المطر الرتيبة؛ حبات الماء كانت تضرب زجاج الشباك بانتظام وهدوء، لكنه كان هدوءاً مستفزاً، كأن السماء تحاول إرسال شفرة مجهولة لم تستطع فك رموزها بعد. برغم أن صوت المطر عادة ما يبعث السكينة في القلوب، إلا أن ليلى لم تكن مرتاحة؛ كانت تشعر بوزن ثقيل يجثم على صدرها منذ لحظة فتح عينيها، كأن الهواء في الشقة أصبح أكثر كثافة. استلقت للحظة تراقب سقف الغرفة الشاحب، وأول ما قفز إلى مخيلتها كان "الظرف الغامض"، وذلك الهمس الأنثوي الذي اخترق سكون ليلتها بالأمس. أغمضت عينيها مرة أخرى، وهي تحاول جاهدة إقناع نفسها بعبارة واحدة: "يمكن كنت بحلم.. أكيد كل ده كان مجرد كابوس بسبب إرهاق النقل." لكن الإحساس البارد الذي كان لا يزال يسكن أطرافها، واليقظة الغريبة في حواسها، كانا يصرخان بالعكس. قامت من السرير ببطء، ووقفت لثوانٍ وهي تراقب اهتزاز الستائر الخفيف، ثم اتجهت فوراً نحو باب الشقة لتفقد إجراءاتها الأمنية. ليلى لم تكن فتاة عادية تعتمد على الصدف، بل كان ذكاؤها الفطري يدفعها دائماً لتأمين خطواتها؛ لذا كانت قد وضعت "فخاخاً" بسيطة قبل أن تغط في النوم: خيط رفيع جداً تح
كان قلب ليلى يدق بسرعة جنونية، نبضات قوية ومزعجة لدرجة أنها شعرت بها تُقرع في أذنيها كطبول حرب لا تهدأ، وكأن جسدها يحذرها من خطوة قد لا تعود منها أبداً. رغم ذلك الثوران الذي كاد يقتلع صدرها، حاولت التماسك بكل قوتها؛ أخذت نفسًا عميقًا وبطيئًا، وهي تردد في داخلها بصرامة تحاول بها إسكات رعشة أطرافها التي كادت تفضح ضعفها أمام هذا الصمت المريب: "الخوف مش هيساعدني… الخوف عدو العقل، وأنا محتاجة عقلي دلوقتي أكتر من أي وقت فات." وقفت أمام باب الشقة 408 الموارب، وعيناها مثبتتان بحدة على الستارة التي كانت تتحرك ببطء مريب خلف الزجاج؛ حركة ناعمة وانسيابية رغم أن الهواء في الممر كان ساكنًا تماماً، ولا توجد حتى نسمة ريح واحدة تفسر ذلك التمايل المتناغم مع سكون الموت في المكان. بلعت ريقها وهي تسأل نفسها بصوت مخنوق يكاد لا يسمع من فرط التوتر: "في حد جوه… ولا في حاجة تانية أنا مش فاهماها؟" في تلك اللحظة القاسية، مرّ صوت أمها الحنون في عقلها كطوق نجاة يرفرف حول روحها ليمنحها الثبات: "خلي عقلك سابق خوفك يا ليلى… اللي بيخاف من ضله بيفضل طول عمره في الضلمة، والحقيقة دايمًا بتستخبى ورا أكتر حاجة بنخا
وقفت ليلى في منتصف الغرفة، والمفتاح ما زال بين أصابعها، ينبض بحرارة غريبة كأنه كائن حي يتنفس داخل كفها. لم تسحبه… لم تُسقطه… فقط تركته هناك، كأنها تخشى أن تفقد هذا الخيط الوحيد الذي يربطها بشيء بدأت تشعر أنه أعمق من مجرد خوف عابر. الصوت الذي سمعته خلفها لم يكن صادمًا كما توقعت؛ الغريب أنه لم يفاجئها، وكأن جزءًا منها كان يعرف أنه سيظهر… أو ربما كان ينتظره منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماها هذه العمارة الملعونة برائحة المسك والغموض. لفّت ببطء، دون استعجال، وكأنها تتحرك في حلم ثقيل داخل مياه راكدة. في الركن المظلم، وقف الرجل المقنع كما هو، ساكنًا بلا حركة تُذكر، كأنه جزء من الجدار، أو ظل انفصل عن صاحبه وقرر أن يعيش وحده في هذا الفراغ الموحش. عيناه فقط كانتا واضحتين؛ بريق فضي بارد يشبه انعكاس الضوء على شظايا زجاج مكسور وسط ليلة شتوية مظلمة. نظرت إليه ليلى طويلًا، دون أن تتراجع خطوة واحدة، كانت عيناها تتحدى ذلك السكون المريب الذي يحيط به. "إنت مين؟" قالتها بصوت منخفض، لكنه يحمل ثباتاً أدهشها هي شخصياً، ثباتاً استمدته من شعورها بأنها لم تعد تلك الساكنة الجديدة الغريبة. لم يرد الرجل فورً
لم تستغرق ليلى وقتًا طويلًا في التفكير؛ كانت تشعر أن الوقوف على الأعتاب هو الموت بحد ذاته. الصوت الذي خرج من خلف الباب كان واضحًا كأنه يخرج من حنجرتها هي، صدى مألوف لدرجة مرعبة، لكن رغم ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. كانت هناك لحظة صمت قصيرة بين نبضتين متلاحقتين، لحظة قررت فيها بقلب ميت أن التردد لن يفيدها هذه المرة، وأن الحقيقة مهما كانت قاسية، فهي أرحم من هذا الجهل القاتل.أدخلت المفتاح في القفل، وشعرت برعشة خفيفة تسري من المعدن البارد إلى ذراعها. صوت احتكاك المفتاح بمسننات القفل بدا أعلى مما ينبغي، كأنه يتردد في مكان أوسع بكثير من ذلك الممر الضيق والموحش، كأن العمارة كلها تصغي لهذه اللحظة. لفت المفتاح ببطء شديد، وكل جزء داخلها كان يتابع الحركة بتركيز حاد، كأن العملية تحدث في تجاويف قلبها لا في خشب الباب."طَق…"انفتح القفل، وصدر صوت معدني أعلن عن انكسار القيد الأخير. توقفت يد ليلى للحظة على المقبض المعدني البارد، لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، بل كان إحساساً غريباً بالرهبة، بأنها على وشك عبور خط فاصل.. ليس مجرد باب خشبي، بل بوابة بين عالمين.ثم دفعت الباب. لم يُصدر الباب أي صرير هذ
وقفت ليلى أمام باب شقتها للحظات طويلة، وكأن الزمن قد توقف فجأة ليتيح لها فرصة مراقبة نفسها من بعيد وهي تحاول استيعاب هذا الإعصار الصامت الذي يضرب حياتها. كانت الورقة التي التقطتها من تحت الباب تقبع في قبضتها الآن، تشعر بملمسها الخشن الذي يكاد يحترق من فرط التوتر والفضول الذي يغلي في صدرها كمرجل لا يهدأ. عبارة واحدة كانت كافية لزلزلة ما تبقى من ثباتها: "لقد بدأتِ تقتربين". كلمات بسيطة في ظاهرها، لكنها أثقلت صدرها كصخرة صماء، وحملت معها إحساساً غامضاً ومخيفاً بأن هناك عيناً خفية تتبع أدق تفاصيلها، تعرف وقع خطواتها ونبرة أفكارها وتوقيت أنفاسها أكثر مما ينبغي لأي غريب أن يعرف.أمالت رأسها لتنظر من خلال ثقب الباب الصغير (العين السحرية) إلى الممر؛ كان الممر صامتاً صمتاً لا يقطعه إلا أزيز المصابيح القديمة التي تومض برعشة احتضار. لا أثر لأي حركة بشرية، ولا صدى لخطوات الشخص الذي وضع الرسالة واختفى كالدخان. خفق قلبها بعنف، شعرت ببرودة المفصل المعدني للباب تتسرب لظهرها حين أسندت نفسها عليه، وأغمضت عينيها بقوة، تحاول ترتيب تلك "الأحجية" المعقدة التي تتشابك خيوطها في رأسها كخيوط العنكبوت. كل رسا