Se connecter
"سيدتي، أنتِ تنزفين بشدة وحياتكِ في خطر! يجب أن ندخل الجراحة حالًا، لكن لا يمكننا البدء دون توقيع زوجكِ على نموذج الموافقة."
ارتجفت يد آسيل وهي تمسك هاتفها بصعوبة، وضغطت على اسم جواد. في الطرف الآخر، كانت الألعاب النارية تضيء سماء القصر، وجواد يقف بجانب لين يحاول تهدئتها وهي متشبثة بذراعه من الخوف. رنّ الهاتف، فنظر إلى الشاشة بضيق وأجاب ببرود: "ماذا هناك؟" قالت آسيل بصوت متقطع من الألم: "جواد... أنا في المستشفى، تعرضت لحادث، أحتاج توقيعك للعملية... أرجوك تعال." زفر بضجر: "آسيل، كفّي عن افتعال المشاكل، لين لا تتحمل صوت الألعاب النارية، وليس عندي وقت الآن." قالت وهي تكاد تختنق: "أنا... أنزف..." لكن الخط انقطع. نظر إليها الطبيب بأسف: "لا وقت لدينا." عضّت شفتها، وبيد مرتجفة وقّعت نموذج الموافقة بنفسها، قبل أن يدفعوها إلى غرفة العمليات. حين فتحت عينيها بعد الجراحة، عادت الذكريات كالسيل. قبل ساعات، كانت لين تتدرب على القيادة، فضغطت الوقود بدل الفرامل، واندفعت السيارة نحو سيارة آسيل. وقبل الاصطدام بلحظة، رفعت لين رأسها وابتسمت. اصطدمت السيارتان بعنف. وصل جواد بعد دقائق، لكنه لم يركض نحو زوجته الملقاة وسط الدماء، بل اتجه مباشرة إلى لين واحتضنها قائلًا بقلق: "هل أصابك شيء؟" مدّت آسيل يدها المرتجفة نحوه وهمست: "جواد..." لكنه لم يلتفت إليها. لين، الفتاة التي تبنتها مريم منذ كانت طفلة، فنشأت مع جواد تحت سقف واحد، وكان الجميع يظنهما شقيقين، رغم أنهما لا تربطهما أي صلة دم. ومنذ زواج جواد بآسيل، أصبحت لين تتشبث به بصورة مرضية، حتى إنها كانت تهدد بإيذاء نفسها كلما شعرت أنه يبتعد عنها. بعد سبعة أيام خرجت آسيل من المستشفى، وآلام الجراحة لا تزال تعتصرها، وعادت إلى القصر. ما إن دخلت حتى رفع جواد رأسه وقال ببرود: "أخيرًا قررتِ العودة؟ اختفيتِ سبعة أيام دون أن تخبري أحدًا." حدقت فيه غير مصدقة: "كنت في المستشفى... أجريت عملية جراحية." لم يتأثر: "كان بإمكانك الاتصال." ضحكت بمرارة: "اتصلت بك... وتركتني أنزف." ثم أضافت وهي تنظر إليه مباشرة: "لين صدمت سيارتي عمدًا، كانت تريد قتلي." تجهم وجهه: "كفى، لا تتهمي فتاة صغيرة بهذه التهمة لمجرد أنك لا تحبينها." وقبل أن تردّ، دوّى صوت حماتها مريم من خلفها: "آسيل، اذهبي واعتذري للين، لقد أخفتِها بالحادث، وبعدها حضّري لها طعامها المفضل، ولا تنسي حلواها المفضلة." اتسعت عيناها: "أنا الضحية، وتطلبين مني الاعتذار؟" قالت مريم ببرود: "توقفي عن افتعال المشاكل، ونفذي ما قيل لك." أومأ جواد: "اعتذري لها وينتهي الأمر." نظرت آسيل إلى جواد طويلًا، وكأنها تنتظر منه أن يقول شيئًا واحدًا ينصفها، لكنه بقي صامتًا. قالت بصوت مرتجف: "جواد... هل سألت مرة واحدة كيف نجوت؟ هل سألت إن كنت أتألم؟" عقد ذراعيه وقال ببرود: "لا تبالغي في الأمر." ابتسمت بسخرية مريرة: "بالنسبة لك، نزيفي مبالغة، أما دمعة لين فهي كارثة." تدخلت مريم بحدة: "انظري إلى أسلوبك! بدل شكر زوجك، لا تكفين عن إثارة المشاكل." أغمضت آسيل عينيها لثوانٍ، ثم همست: "الآن فقط فهمت... لم يعد لي مكان في هذا البيت." في تلك اللحظة انكسر آخر ما تبقى في داخلها. رفعت يدها وصفعته، ثم نظرت إليه بثبات: "أريد الطلاق." ضحك باستخفاف: "أنتِ غاضبة فقط." وقبل أن يكمل، رنّ هاتفه. نظر إلى الاسم وأجاب فورًا: "لين؟" جاء صوتها مرتبكًا: "جواد... أشعر أن حالتي ساءت، أريدك بجانبي." اندفع نحو الباب دون تردد، مارًا بجانب آسيل وكأنها غير موجودة، وقال وهو يغادر: "سنتحدث حين تهدئين." وأغلق الباب خلفه. وقفت آسيل وحدها في الصالة، وبعد دقائق أضاء هاتفها برسالة من لين. فتحتها فرأت صورة: جواد في المطبخ يعدّ الطعام، وقميصه مفتوح الأزرار العليا، ولين خلفه ملتصقة به تمامًا، ذراعاها تحيطان خصره، ورأسها مائل على كتفه في قبلة واضحة على رقبته، وهي تنظر إلى الكاميرا بابتسامة منتصرة. اختفت الصورة بعد ثوانٍ، لكنها كانت قد رأتها بوضوح. تذكّرت كيف كان جواد يدّعي دائمًا أنه لا يعرف حتى تشغيل الموقد، ولم يُعدّ لها يومًا كوب شاي وهي مريضة. أما اليوم، فهو يطهو لامرأة أخرى، ويقبّلها بهذا الشكل الفاضح. أغلقت الهاتف ببطء. جفّت دموعها، ومن أعماق قلبها اتخذت قرارًا تأخر كثيرًا: لن تطلب حبه بعد اليوم، ولن تتنازل مرة أخرى.دخل أمير والدم على قميصه. خلع سترته الملطخة ببطء وألقاها على الكرسي. جلس. صوته خرج بألم . — من هو جواد؟ أجابت بصوت مرتجف: — زوجي السابق... وأبو آدم. . ظل صامتاً طويلاً، ثم رفع رأسه ببطء ونظر إليها نظرة لم تعرفها من قبل — وآدم؟ هل يعلم؟ ردت بصوت مرتعش: — لا. وجواد عرف مؤخرًا فقط. صمت طويلاً. كان الصمت أثقل من أي كلام. ثم بدأ يتكلم بصوت منخفض، — فتح الصندوق. أخرج ملابسك الداخلية. رفعها إلى وجهه. استنشقها أمامي. قال لي إن جسدك كان يستجيب له. قال لي أشياء تجعلني أشعر أنني كنت أعيش في كذبة كبيرة. توقف. ارتجفت يداه. سقط الكوب من على الطاولة وتحطم. لم ينظر إليه. ضغط على الجرح في كتفه حتى نزف من جديد، ثم نهض فجأة واقترب منها. أمسك بوجهها بكلتا يديه بقوة ليست عنيفة لكنها لا تدع مجالاً للهروب، وجعلها تنظر إليه مباشرة في عينيه. — انظري إليّ. انظري جيداً. كيف استغبيتِني؟ كيف جعلتِني أبدو غبياً إلى هذا الحد؟ حاولت أن تشيح بوجهها، لكنه ثبتها. — كم مرة التقينا؟ جلسنا على طاولة واحدة وأنتِ بجانبي؟ صافحته وصافحني، وضحكتما، وتحدثتما عن العمل، وأنا أظنه شريك عمل فقط؟كنت أقف أمامه مثل الأبله.
تسحب أسيل نفسها لتبدو متماسكة أمام أمير الواقف ينتظر إجابتها. تقول في سرها: لن أخبره الحقيقة الآن، سيفتعل شجاراً مع جواد وهذا ما لا أريده أن يتورط فيه. تقول مرتجفة: -تعثّرتُ في الفيلا وأنا أتفقد بوابة الأمان، فانكسر الزجاج وجرحني. أدخلني أرجوك. يحملها أمير دون أن يجادل: -لا تتكلمي الآن. في داخله يفكر: من يتعثر تتناثر خدوشه على ركبتيه، أما هذا فقطع واحد عميق كأن قبضتها أُطبقت على شيء. ثم يلمح النافذة المقابلة مضاءة في الفيلا الأخرى. تساعدها ماريا على تغيير ثيابها. يركض آدم: -عمّو أمير! عدتَ! يضمه أمير ويخفي غضبه في شعر الطفل. بعد أن ينام آدم يجلس بجانب أسيل. يأخذ يدها المجروحة برفق، ينظف الجرح، يضمد إصبعها بعناية، ثم يرفع يدها ويقبل مكان الجرح ببطء. ينظر في عينيها ويقول بصوت منخفض دافئ: -لا تخافي. أنا هنا. لن أترككِ تؤلمين وحدك. نمِي الآن، سأبقى حتى تنامي. يظل جالساً يمسك يدها حتى تغفو. يخرج فوراً إلى الفيلا المقابلة. يخبره الحارس أن مستأجرها الجديد هو جواد. يصدم أمير. جواد هنا أيضاً؟ ما هذه الصدف الغريبة؟ في عيادة صغيرة قبيل الفجر يجلس جواد على السرير والدم
دخل جواد مكتبه، وأغلق الباب خلفه. جلس خلف المكتب الفخم، وأصابعه تداعب حافة كأس الويسكي. كان ينتظر. دقّ الباب مرتين، فدخلت رئيسة الخادمات الموثوقة، تحمل علبة كرتونية مغلقة بشريط لاصق، محفوظة بسرية تامة. تقدمت بخطوات حذرة، ومدت العلبة نحو سيدها: "سيدي، هذه الأشياء التي وجدناها في سلة مهملات الجناح... كما طلبت." أخذ جواد العلبة بصمت. فتح درج مكتبه، وأخرج رزمة ضخمة من الأوراق النقدية، ومدها نحوها. اتسعت عينا الخادمة، وارتبكت يداها: "سيدي... هذا كثير جداً، المهمة كانت بسيطة..." قاطعها بنبرة حادة: "خذيها واذهبي. ولا تخبري أحداً." انصرفت مسرعة. فتح العلبة ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مشوهة. كان هناك عطرها المفضل، شريط شعر صغير، وملابسها الحريرية. رفع الشريط إلى أنفه، واستنشق بعمق، ثم همس بصوت متقطع: "الآن... سألعب اللعبة بالطريقة التي أحبها." أخذ العلبة، وخرج مسرعاً نحو الفيلا التي اشتراها، المقابلة تماماً لفيلا أسيل الجديدة في تلك الأثناء، أسيل تقف أمام المرآة الطويلة، ترتدي فستاناً صيفياً أصفر بلون عباد الشمس، بقصة أنيقة تكشف عن كتفيها الناعمين. تعدل أقراطها الذهبية، وتضع ال
في عتمة الليل وقف جواد على شرفة غرفته في المبنى المقابل تماماً لمنزل أسيل. النوافذ الزجاجية لغرفة أسيل مكشوفة. أمسك المنظار المكبر ووجهه نحو غرفتها. رآها تخرج من الحمام بعد انتهاء مكالمة أمير. ترتدي طقم نوم قصيراً جداً من الساتان الأسود: صدرية ضيقة تكشف أعلى صدرها وشورت قصير يلتصق بفخذيها. جلست على طرف السرير وأخرجت علبة كريم مرطب. بدأت توزعه على بشرتها ببطء. رفع المنظار أكثر. رآها تضع الكريم على عنقها أولاً، أصابعها تمر ببطء على الجلد الناعم. ثم نزلت يداها إلى صدرها، تدهن الجلد المكشوف فوق الصدرية، تضغط قليلاً ثم تمسح. انتقلت إلى ذراعيها ثم إلى ساقيها وقدميها. كل حركة بطيئة واضحة. عقل جواد يغلي. قال في داخله بصوت حاد: -تباً.. كم اشتقتُ لجسدكِ يا أسيل. بشرتكِ البيضاء هذه تكاد تحرق عيني. أريد أن أقبل عنقكِ، وصدركِ الصغير الذي كان ملكي يوماً. أريد قدميكِ الناعمتين تحت يدي الآن. شعر بحرارة تجتاح جسده. دقات قلبه تسارعت بعنف حتى كادت تدمع عيناه من فرط الهوس. عندما أدارت ظهرها رأى خصرها الضيق. همس لنفسه: -خصركِ أصبح صغيراً جداً.. فقدتِ الكثير من وزنكِ، أصبحتِ كالريشة التي أريد التق
استيقظت أسيل على رنين هاتفها المتواصل. الساعة السابعة صباحاً، والشمس تتسلل من النافذة لتلامس وجه آدم الصغير النائم في سريره بجوارها. مدّت يدها بتمهل، ورفعت الخط بصوت مثقل بالنعاس: "نادية؟ ما الأمر في هذا الوقت؟" جاءها صوت نادية مشحوناً بالتوتر: "سيدة أسيل، أعتذر على الإزعاج، لكن هناك أمر خطير يجب أن تعرفيه فوراً." جلست أسيل في سريرها، وقد تبدد النعاس تماماً: "ماذا حدث؟" قالت نادية بنبرة جادة: "راجعنا بنود عقد الصيانة والحماية الخاص بالمجمع السكني الذي اشتريتِ فيه المنزل. شركة الأمن المتعاقدة والمثبتة قانونياً لإدارة البوابات وكاميرات المجمع... مملوكة بالكامل لمجموعة جواد الاستثمارية." تجمّدت أسيل في مكانها. أصابعها تشبثت بالهاتف بقوة: "ماذا؟" تابعت نادية: "هذا يعني أنه يملك الحق القانوني في دخول المنطقة والمراقبة في أي وقت. العقود موقعة بهذا البند يا سيدة أسيل، ولا يمكن كسرها من طرف واحد." اشتعل الغضب في صدر أسيل. قالت بصوت حاد: "هذا السافل لن يهدأ! نادية، اتصلي فوراً بطاقم حراستنا الخاص القادم من لندن. أريد طرد كل حراس المجمع الواقفين حول أسوار منزلي فوراً، وقومي بتغيير رموز ال
كانت أسيل لا تزال محتضنة آدم الباكي، بينما وقف جواد أمامها بهدوء لا يليق بالموقف. أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية ووضعها على طاولة الصالة الزجاجية دون أن يقترب أكثر. قال بصوت هادئ مدروس: -هذه نتيجة تحليل الحمض النووي. مطابقة تامة. آدم ابني، وأنتِ تعرفين هذا جيداً. اشتد بكاء آدم من التوتر المحيط به وخبّأ وجهه في رقبة أمه. التفتت أسيل إلى ماريا بصوت متماسك رغماً عنها: -خذيه إلى غرفته الآن، وابقي معه. أخذت ماريا الطفل بسرعة واختفت في الممر. بقيت أسيل واقفة وحدها أمام جواد، مشت خطوتين جانباً ثم وقفت منتصبة، كأنها تحصّن جسدها. خطا جواد خطوة واحدة. صوته لا يزال هادئاً شبه متوسل: -دعيه يكبر بيننا يا أسيل. له أب وأم، ويستحق أن يجتمع بهما تحت سقف واحد. اتركي أمير، وارجعي إليّ. تغيّرتُ، أقسم لكِ أنني لستُ الرجل الذي عرفتيه. انفجرت أسيل ضاحكة ضحكة باردة لا فرح فيها. تقدمت خطوة نحوه لأول مرة منذ دخوله، ويداها مشدودتان إلى جانبيها. قالت: -تغيّرت؟ أين كان هذا التغيّر عندما كنتُ أنام جائعة في شقة صغيرة في لندن، وبطني يكبر كل يوم، ولا أحد يعرف اسمي هناك؟ أين كنتَ يا جواد عندما كنتُ أبكي ،







