LOGINفي اليوم التالي لسقوط الراية السوداء، اكتشفت أُفُق أن هزيمة فكرة أصعب بكثير من إسقاط راية.فالراية يمكن إنزالها في دقائق.أما الخوف الذي جعل الناس يرفعونها، فيحتاج إلى وقت أطول.منذ الصباح، امتلأت الساحة بالناس.بعضهم جاء ليسأل عن الطعام.آخرون عن الحماية.فريق ثالث أراد معرفة ما سيحدث للجنود الذين خدموا تحت الراية السوداء.وكان السؤال الأكثر تكرارًا:— ومن المسؤول الآن؟وقفت مريم أمام الحشد.نظرت إلى الوجوه المتعبة، ثم قالت:— لا أحد وحده.تعالت أصوات متداخلة.— ماذا يعني ذلك؟— ومن يتخذ القرار؟— ومن يحاسبنا إذا حدث شيء؟لم تحاول مريم إسكاتهم.تركت الأسئلة تتراكم.ثم قالت:— هذه الأسئلة ليست مشكلة.صمت الناس.— المشكلة أن نحتاج إلى شخص واحد حتى نشعر أن لدينا جوابًا.---في الطرف الآخر من الساحة، كان سليم يتحدث مع فارس.قال فارس:— ستعود الفوضى.رد سليم:— ربما.— أنت تقولها وكأن الأمر لا يعنيك.— بل يعنيني.ثم نظر إلى المدينة.— لكنني تعلمت شيئًا.— ماذا؟— عندما كنت أقول للناس: «اتبعوني وسأحميكم»، كنت أظن أنني أقدم لهم حلًا.ابتسم بسخرية.— الآن أدركت أنني كنت أقدم لهم شيئًا أخطر.
لم تنم سُلاف تلك الليلة.وضعت رسالة مالك على الطاولة، وجلست أمامها طويلًا.«المشكلة ليست في اليوم الثامن. المشكلة في الساعة الثالثة عشرة.»كان بإمكانها أن تذهب إلى أروَن فورًا.كان بإمكانها أن تبحث عن مالك، أو إلياس، أو أي سجل قديم يحمل تفسيرًا جديدًا.لكنها لم تفعل.لأول مرة، قررت ألا تطارد السؤال.وضعت الورقة في درج صغير وأغلقته.في الصباح، دخل ريان الغرفة فوجدها تعدّ الأكواب.قال:— كم واحدًا؟— سبعة.— لماذا سبعة؟— لأنني صنعت الشاي لسبعة أشخاص.نظر حوله.— ونحن أربعة.ابتسمت.— أعرف.— إذن؟— أردت أن أرى إن كنت ستلاحظ.أخذ كوبًا.— بدأت أخاف منك.— متأخر جدًا.جلس أمامها.ثم قال:— لم تفتحي رسالة مالك؟— لا.— لماذا؟أجابت:— لأنني لا أريد أن يجعلني هو أركض خلف السؤال الذي اختاره لي.نظر إليها لحظة.ثم ابتسم.— الآن بدأتِ تفهمين.---في الظهيرة، وصل نائل ومريم ويزن ويارا.وضع يزن مجموعة من الخرائط القديمة على الطاولة.قال:— بحثت في سجلات أروَن.— ماذا وجدت؟— الساعة الثالثة عشرة لم تكن اسمًا لساعة في البداية.رفعت سُلاف رأسها.— ماذا كانت؟— كانت اسمًا لفترة.فتح خريطة قديمة.—
كان الملف أقدم من بقية السجلات.حتى الورق بدا مختلفًا؛ أصفر، هشّ الحواف، وقد التصقت ببعض صفحاته رائحة رطوبة البحر.وضعت مريم يدها فوقه.— هل أنتِ متأكدة أننا نريد فتحه؟أجابت سُلاف:— لا.نظر إليها نائل باستغراب.— لا؟— لكنني متأكدة أننا نريد أن نعرف لماذا يخيفنا فتحه.جلس ريان إلى جانبها.أما إلياس فبقي واقفًا.قال:— الملف يعود إلى ما قبل اليوم الثامن.فتح يزن الصفحة الأولى.لم يكن فيها اسم مدينة.ولا اسم مؤسسة.ولا حتى تاريخ واضح.كان هناك سطر واحد:«المشروع: الإنسان الذي يعرف نفسه قبل أن يختارها.»توقفت سُلاف.ثم قالت:— مالك.أومأ إلياس.— نعم.قلب يزن الصفحة.ظهرت ملاحظات مكتوبة بخط دقيق.«إذا أمكن معرفة ما يخشاه الإنسان، يمكن معرفة ما سيختاره.»صفحة أخرى:«إذا أمكن معرفة ما يحبه، يمكن توقع ما سيضحي من أجله.»ثم:«إذا عرفنا ماضيه، يمكن تقدير مستقبله.»أغلقت سُلاف الملف.— هذا ليس علمًا.قالت مريم:— إنه محاولة لتحويل الإنسان إلى معادلة.— والأسوأ...رفع ريان نظره إليها.— ماذا؟قالت:— أن بعض الناس يريدون فعل ذلك بحجة حمايته.---في صباح اليوم التالي، طلبت سُلاف من إلياس أن يخب
عادوا إلى أُفُق في اليوم التالي، لكنهم لم يعقدوا اجتماعًا في الساحة.هذه المرة اختارت سُلاف مكانًا أكثر تواضعًا.مخبزًا صغيرًا عند طرف السوق.كانت الطاولات الخشبية متقاربة، ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان، وصاحب المخبز يصرخ في ابنه لأنه وضع أرغفة القمح فوق بعضها بطريقة ستجعلها تبرد سريعًا.نظر نائل إلى المشهد وقال:— بعد كل ما مررنا به، يبدو هذا المكان أخطر من وادي السكون.ضحكت يارا.— لماذا؟— لأنني جائع.دفع له ريان قطعة خبز.— كُل قبل أن تبدأ الثورة.جلس الجميع حول الطاولة.لم تكن هناك خرائط ضخمة هذه المرة.ولا ساعات غامضة.ولا رموز على الجدران.فقط سبعة أشخاص، وأوراق قليلة، ومشكلة حقيقية.قالت سُلاف:— سراج وضع أمامنا طريقين.أجاب يزن:— إنقاذ أُفُق على حساب مدينة أخرى، أو إنقاذ المدينة الأخرى على حساب أُفُق.— لكنه لم يقل إن الطريقين حقيقيان.وضعت مريم الورقة أمامها.— بل قال إن الآلة تتنبأ بهما.ردت سُلاف:— والآلة لا تعرف إلا الاحتمالات التي بُنيت عليها.رفع نائل عينيه.— يعني؟— يعني أنهم أعطوا النظام طريقين، ثم طلبوا منه أن يخبرهم أيهما سيختار الناس.قال ريان:— وهذا ليس تنبؤ
وصلت الرسالة قبل غروب الشمس بقليل.لم تكن طويلة، ولم تحمل تهديدًا، ولم تُرفق بختم أسود هذه المرة.ورقة واحدة فقط، كتب عليها:«أريد أن أقابل سُلاف في أروَن. وسأجيبها عن السؤال الذي قضت حياتها وهي تهرب منه: ماذا سيحدث إن اختارت؟»جلس نائل على حافة الطاولة، قلب الورقة، ثم قلبها مرة أخرى.قال:— لا أحب الرسائل التي تتحدث وكأن صاحبها يعرف حياتنا أكثر منا.كانت مريم تقرأ الورقة للمرة الثالثة.— والأغرب أنه لم يقل ماذا سيحدث إن رفضت.رفع يزن حاجبه:— ربما هذه هي الفكرة.دخل ريان من الباب، وفي يده كوبان من الشاي.وضع أحدهما أمام سُلاف.— شاي.نظرت إليه.— بدون سكر؟— كما تشربين عادة.ابتسمت مريم.— يبدو أن أخطر شيء في هذه المدينة ليس الراية السوداء، بل أن ريان بدأ يحفظ عادات الناس.ضحك نائل.— تأخرتم في اكتشاف ذلك.جلست سُلاف وهي تحدق في البخار الصاعد من الكوب.كان اللقاء في أروَن يعني العودة إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء تقريبًا.وادي السكون.الساعة بلا عقارب.السبعة مقاعد.وسؤال القرار.لكن شيئًا واحدًا اختلف.هذه المرة لم تكن ذاهبة لتبحث عن إجابة تخص الماضي.كانت ذاهبة لتعرف ماذا يريد خصم
انتشرت الوثيقة خلال ثلاثة أيام.لم تحمل اسم سُلاف.ولا اسم أُفُق.ولم تُكتب فيها عبارة تدعو الناس إلى رفض الراية السوداء.كانت مجرد أسئلة واضحة.من يملك القرار؟متى ينتهي التفويض؟من يستطيع سحبه؟ماذا يحدث إذا أخطأ المسؤول؟وهل يعرف الناس الثمن قبل أن يوافقوا؟في البداية، لم يهتم أحد.ثم بدأت الأسئلة تصل.من مدينة.ثم من قرية.ثم من مجلس تجاري.ثم من مجموعة جنود.حتى وصلت أول إجابة من نيراف.كانت قصيرة:«لم نعرف.»---قرأ سليم الرسالة مرتين.قال:— هذا جيد.قالت مريم:— ليس تمامًا.— لماذا؟— لأنهم يقولون إنهم لم يعرفوا، لا أنهم يريدون تغيير شيء.أجاب إلياس:— وهذا أهم.نظرت إليه.— لماذا؟— لأن الاعتراف بأنك لم تعرف، هو أول خطوة في استعادة حقك في الاختيار.قال ريان:— وبعدها؟أجاب إلياس:— يأتي الجزء الأصعب.— ماذا؟— أن تعرف، ثم تختار رغم ذلك.---بعد أسبوع، بدأت مدن الشمال تطلب نسخًا من الاتفاقات.لم تكن كلها تريد الانضمام إلى أُفُق.وهذا أراح سُلاف.كانت تريد شيئًا أبسط:أن تعرف قبل أن توافق.لكن الراية السوداء لم تتراجع.على العكس.بدأت قوافل الطعام تصل إلى المدن مجانًا.أُعيد فت







