Se connecterلم تستطع ليان النوم تلك الليلة.
كانت تجلس على طرف سريرها، والرسالة التي وجدتها بين أغراض والدتها موضوعة أمامها فوق الطاولة. "إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابنتي، أخبروها ألا تثق بآسر المنصوري." ظلت تحدق في الكلمات طويلًا. كلما قرأتها، شعرت بأن شيئًا بداخلها ينهار. آسر. الرجل الذي أنقذها أكثر من مرة. الرجل الذي وقف أمامها عندما حاول رجال نديم الاقتراب منها. الرجل الذي أمر بحمايتها، ورفض أن تخرج وحدها، وبدا وكأنه يخشى عليها أكثر مما تخشى هي على نفسها. كيف يمكن أن يكون هو الشخص الذي حذرها والدها منه؟ وضعت يدها على جبينها. — ماذا تخفي عني يا أبي؟ لم تكن تنتظر إجابة. لكن هاتفها أضاء فجأة. نظرت إليه. رسالة جديدة من رقم مجهول. "إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة عن والدك، تعالي إلى العنوان المرفق." ظهر عنوان لمكان قديم في أطراف المدينة. ثم وصلت رسالة أخرى: "تعالي وحدك." تجمدت ليان. وضعت الهاتف جانبًا. كانت تعرف أن الذهاب وحدها جنون. كانت تعرف أن الرسالة قد تكون فخًا. لكنها أيضًا كانت تعرف شيئًا آخر. لم تعد تستطيع العيش وسط الأسرار. منذ اختفاء والدها وهي تعيش بنصف حقيقة. والآن أصبح أمامها أول شخص يدعي أنه يستطيع كشف النصف الآخر. نهضت من مكانها. أمسكت معطفها. ثم توقفت أمام المرآة. — فقط سأذهب لأعرف الحقيقة. قالتها لنفسها وكأنها تحاول إقناعها. — سأعود فورًا. لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأبواب عندما تُفتح... لا يمكن إغلاقها مرة أخرى. --- في صباح اليوم التالي، وصلت ليان إلى الشركة قبل آسر. جلست خلف مكتبها، لكنها لم تستطع العمل. كان العنوان محفوظًا في هاتفها. كل دقيقة كانت تمر تجعلها أكثر توترًا. في التاسعة تمامًا، خرج آسر من المصعد. كان يرتدي بدلته السوداء كعادته، وملامحه جامدة، لكن عينيه اتجهتا مباشرة نحوها. اقترب منها. — صباح الخير. — صباح النور. تأمل وجهها للحظات. — أنتِ لم تنامي. رفعت حاجبها. — وأنت أصبحت تعرف كل شيء عني؟ — ألاحظك. كانت إجابته بسيطة، لكنها أربكتها. خفضت عينيها إلى الأوراق. — لدي الكثير من العمل. وضع يده على المكتب. — ليان. رفعت عينيها. — ماذا؟ — هل حدث شيء؟ ترددت. كانت على وشك إخباره عن الرسالة. لكنها تذكرت آخر رسالة من والدها. لا تثقي بآسر المنصوري. ابتلعت كلماتها. — لا. نظر إليها طويلًا. — متأكدة؟ — نعم. لم يقتنع. لكنه لم يضغط عليها. قال فقط: — إذا حدث أي شيء، أخبريني فورًا. ثم دخل مكتبه. تابعته ليان بعينيها. شعرت بالذنب. للمرة الأولى، كانت تكذب عليه عمدًا. --- مر اليوم ببطء. وفي الثالثة عصرًا، وصلتها رسالة جديدة. "الساعة السابعة. لا تتأخري." نظرت إلى الساعة. ثم إلى مكتب آسر. كان في اجتماع. قررت أن تنتظر حتى يغادر. في السادسة والنصف، خرجت من الشركة. تأكدت أن أحدًا لم يرها. استقلت سيارة أجرة، وأعطت السائق العنوان. طوال الطريق كانت تنظر من النافذة. كلما ابتعدت عن وسط المدينة، أصبحت الشوارع أكثر هدوءًا. وأكثر ظلمة. وصلت إلى مبنى قديم مهجور. نزلت من السيارة. وقفت أمامه للحظات. — هل أنا مجنونة؟ نظرت إلى هاتفها. لا رسائل. دخلت. كان المكان مظلمًا وباردًا. خطت خطوات بطيئة. — هل يوجد أحد؟ جاءها صوت من الخلف: — كنت أعلم أنك ستأتين. استدارت بسرعة. كان سامر يقف أمامها. الرجل نفسه الذي قابلته قبل أيام. قالت: — أنت من أرسل الرسالة؟ أومأ. — نعم. — أين أبي؟ تغير وجهه. — هذا أول سؤال تسألينه؟ — ماذا يفترض أن أسأل؟ — لماذا جئتِ وحدك؟ — لأنك طلبت ذلك. ابتسم بحزن. — ما زلتِ تشبهين والدك. تقدمت نحوه. — لا تتحدث عن أبي. أخبرني أين هو. صمت سامر. ثم قال: — والدك لم يهرب. شعرت ليان بدموعها تتجمع. — كنت أعرف ذلك. — لكنه لم يكن قادرًا على العودة. — لماذا؟ — لأنه كان يعرف شيئًا لا يجب أن يعرفه. — عن نديم؟ نظر إليها بدهشة. — من أخبرك بهذا الاسم؟ — آسر. خفض سامر عينيه. — إذًا بدأ يخبرك. تراجعت ليان خطوة. — ماذا تقصد؟ — آسر لم يكن يخبرك بكل شيء. — أعرف. — لكنك لا تعرفين الحقيقة كاملة. — إذًا أخبرني. تنهد سامر. — منذ سنوات، كان والدك يعمل مع آسر. تجمدت. — أعرف. — لكن العمل بينهما لم يكن مجرد شراكة. — ماذا كان؟ — كانت هناك صفقة. — أي صفقة؟ نظر حوله وكأنه يتأكد من عدم وجود أحد. — صفقة كبيرة تتعلق بأموال وشركات وشحنات غير قانونية. شهقت ليان. — أبي كان متورطًا؟ — في البداية، لم يكن يعرف كل شيء. — وماذا حدث؟ — اكتشف الحقيقة. — ثم؟ — حاول الانسحاب. شعرت بقلبها ينقبض. — ونديم؟ — نديم لم يكن يريد أن ينسحب أحد. — ماذا فعل؟ قال سامر: — هدد والدك. سكت للحظات ثم أضاف: — وهدد والدتك أيضًا. وضعت ليان يدها على فمها. — أمي... — والدك حاول حمايتها. — لهذا اختفى؟ — نعم. كانت دموعها تنزل الآن دون أن تشعر. — لماذا لم يخبرني؟ — لأنه كان يريد أن تبقي بعيدة عن كل شيء. — وهل آسر كان يعرف؟ تردد سامر. — نعم. أغلقت عينيها. كان ذلك يؤلمها أكثر من أي شيء آخر. — إذًا أبي كان يحذرني منه لسبب. — ليس بالضرورة. رفعت عينيها إليه. — ماذا يعني ذلك؟ — آسر حاول مساعدته. — لكنه فشل. أومأ سامر. — نعم. صمتت. ثم قالت: — ماذا حدث في الليلة التي اختفى فيها أبي؟ تغير وجه سامر. — تلك الليلة... توقف. ثم سمعا صوت سيارة في الخارج. نظر سامر نحو النافذة. — لقد وصلوا. — من؟ لم يجب. وفجأة تحطم زجاج إحدى النوافذ. صرخت ليان. أمسك سامر بذراعها. — يجب أن نخرج من هنا. — من هؤلاء؟ — رجال نديم. بدأت أصوات خطوات تقترب. أمسك سامر بيدها. — من هنا. ركضا نحو باب خلفي. لكن قبل أن يصلا، ظهر رجل أمامهما. أمسك سامر بليان وأبعدها خلفه. قال الرجل: — أعطنا الفتاة. صرخت ليان: — لن أذهب معكم! تقدم الرجل. وفجأة جاء صوت من خلفه: — لن تلمسها. توقف الجميع. عرفت ليان الصوت فورًا. آسر. ظهر من الظلام، وخلفه عدد من رجال الأمن. كانت عيناه غاضبتين بطريقة لم ترها من قبل. نظر إليها مباشرة. — هل أنتِ بخير؟ لم تستطع الرد. اقترب منها. — ليان! قالت بصوت ضعيف: — أنا بخير. ثم التفت إلى سامر. — ماذا فعلت بها؟ قال سامر: — حاولت إخبارها بالحقيقة. اقترب آسر منه. — لم يكن من حقك أن تجعلها تأتي إلى هنا وحدها. — لكنها كانت ستعرف عاجلًا أم آجلًا. نظر إليه آسر بغضب. — ليس بهذه الطريقة. ثم أمسك بيد ليان. — سنخرج. لكنها سحبت يدها. — لا. نظر إليها. — ماذا؟ — لن أخرج قبل أن أعرف. — ليان... — أين أبي؟ صمت. — آسر، أين أبي؟ خفض عينيه للحظة. — لا أعرف. صرخت: — كذب! ارتد صوتها في المكان. — الجميع يقول إنه يعرف شيئًا! أنت، سامر، نديم... وأنا الوحيدة التي لا تعرف شيئًا! اقترب آسر. — أنا أحاول حمايتك. — لا أريد حمايتك! تجمد. قالت والدموع في عينيها: — أريد الحقيقة. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — والدك لم يمت. توقفت أنفاسها. — ماذا؟ — لم أجد دليلًا على وفاته. — إذًا هو حي؟ — لا أستطيع أن أقول ذلك. — لماذا؟ — لأنني لا أعرف. — لكنك قلت إنه لم يمت. — قلت إنني لم أجد دليلًا على موته. شعرت بالإحباط. — هذا ليس كافيًا. اقترب منها. — أعرف. ثم أضاف: — لكنني أقسم لك أنني لم أتوقف عن البحث. نظرت إلى عينيه. كان صادقًا. أو بدا كذلك. وقبل أن تقول شيئًا، تقدم سامر. — هناك شيء آخر. التفت الجميع إليه. أخرج ورقة قديمة من جيبه. — والدك أعطاني هذه قبل اختفائه. مدها إلى ليان. أمسكتها بيد مرتجفة. كانت رسالة قصيرة. "إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابنتي، فأخبروها ألا تثق بآسر المنصوري." رفعت عينيها ببطء. نظرت إلى آسر. لم يستطع الكلام. لأول مرة، بدا وكأن الكلمات خانته. اقتربت منه. — لماذا؟ — ليان... — لماذا كتب أبي هذا؟ — لا أعرف. — أنت كنت معه تلك الليلة. صمت. — أليس كذلك؟ لم يجب. — كنت هناك. قالت بصوت مكسور: — كنت هناك عندما اختفى أبي. أغمض آسر عينيه. ثم قال: — نعم. تراجعت عنه. — لماذا لم تخبرني؟ — لأنني كنت أخشى أن... — ماذا؟ — أن تكرهيني. نظرت إليه بألم. — ربما كنت سأكرهك أقل لو قلت الحقيقة. لم يجد جوابًا. خرجت من المبنى وهي تشعر أن عالمها بالكامل انهار. --- في الخارج، كانت السماء تمطر. وقفت ليان تحت المطر، غير قادرة على الحركة. خرج آسر خلفها. — ليان. لم تلتفت. — اذهبي إلى السيارة. — لا. — المكان ليس آمنًا. — لم يعد هناك مكان آمن. اقترب منها. — أعطني فرصة لأشرح. استدارت. — كم سنة وأنت تعرف؟ — سنوات. — وكنت تنظر في عيني كل يوم دون أن تقول شيئًا؟ — كنت أحاول حمايتك. — لا تستخدم هذه الجملة مرة أخرى. صمت. اقترب خطوة. — أنا لم أؤذِ والدك. — لكنك كنت هناك. — نعم. — ولم تنقذه. أخفض رأسه. — وصلت متأخرًا. — لماذا؟ — لأنني تعرضت للخيانة. نظرت إليه. — من نديم؟ أومأ. — ومن شخص آخر. — من؟ صمت. قالت: — من نادين؟ رفع عينيه إليها. لم يجب. عرفت من صمته. ابتعدت عنه. — أريد أن أعود إلى المنزل. — سأوصلك. — لا. — ليان. — قلت لا. نظر إليها طويلاً. ثم قال: — سأتركك الآن، لكنني سأبقى قريبًا. ركبت سيارة أخرى وغادرت. بقي آسر واقفًا تحت المطر. أما سامر، فاقترب منه. — كان يجب أن تخبرها منذ البداية. قال آسر: — أعرف. — والآن؟ نظر إلى الطريق الذي اختفت فيه سيارة ليان. — الآن لن أسمح لنديم أن يأخذها مني. --- في تلك الليلة، جلست ليان وحدها في غرفتها. وضعت رسالة والدها أمامها. ثم أخرجت الصورة القديمة التي وجدتها في أغراض والدتها. نظرت إليها طويلًا. وفجأة لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل. خلف والدها وآسر كان هناك مبنى قديم. اقتربت من الصورة. عرفته. كان نفس المبنى الذي ذهبت إليه الليلة. قلبت الصورة. وجدت كتابة صغيرة خلفها. "المكان الذي بدأت فيه الصفقة." شعرت بقشعريرة. لم يكن اللقاء صدفة. كل شيء كان مرتبطًا ببعضه. والدها. آسر. نديم. سامر. ونادين. لكن السؤال الأكبر بقي بلا إجابة: لماذا حذرها والدها من آسر تحديدًا؟ رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. فتحت الرسالة. "أنتِ تبحثين عن الشخص الخطأ." ثم وصلت رسالة ثانية. "إذا أردتِ معرفة الحقيقة عن والدك، تعالي وحدك غدًا." وتحتها عنوان جديد. لكن هذه المرة، لم يكن العنوان لمكان مجهول. كان عنوان شركة المنصوري القديمة. شعرت ليان بالخوف. لأنها فهمت أخيرًا أن كل الطرق... كانت تقودها إلى آسر. وفي مكان آخر، كان آسر يقف أمام نافذة مكتبه، يقرأ رسالة وصلته في اللحظة نفسها. "هي بدأت تعرف. حان الوقت لتدفع الثمن." رفع عينيه ببطء. وعرف أن نديم لم يعد يراقب ليان من بعيد. لقد بدأ يتحرك. وكان يعلم أن الخطوة القادمة ستكون الأخطر على الإطلاق.لم يتحرك أحد.كانت المرأة تقف في نهاية الممر، نصف وجهها غارقًا في الظلام، بينما انعكس الضوء الخافت على عينيها.إلى جوارها وقفت لارا.لكن شيئًا في المشهد كان مختلفًا.لم تكن لارا تبتسم.كانت تنظر إلى ليان وكأنها تحاول أن تمنع شيئًا أسوأ من الحدوث.قال آسر بصوت حاد:— ابعدوا عنها.رفعت المرأة يدها.— لو أردت قتلها، لكانت ماتت منذ سنوات.رفع آسر سلاحه.— آخر تحذير.تدخلت ليان:— آسر... استنى.نظر إليها.— لا.— لازم نعرف مين دي.ردت المرأة:— اسمي سارة.شهقت مريم.تغير وجهها بالكامل.— سارة...تقدم والد ليان خطوة.— مستحيل.ابتسمت المرأة.— كنت متأكد إنكم هتقولوا كده.قالت ليان:— مين سارة؟لم يجب أحد.نظرت إلى مريم.— أمي؟قالت مريم بصوت متردد:— كانت تعمل معي في المختبر القديم.قالت سارة:— بل كنت أعمل معك قبل أن تخونيهم.ردت مريم:— لم أخن أحدًا.— أنتِ أخذتِ ليان وهربتِ.— لأنهم كانوا يريدون قتلها!— وأنا؟تجمدت مريم.اقتربت سارة.— ماذا عني يا مريم؟صمتت مريم.قالت ليان:— إيه اللي حصل لها؟تنفست مريم ببطء.— سارة كانت مسؤولة عن المرحلة الأولى من التجربة.نظر آسر إلى لارا.ثم إلى سا
ساد الصمت داخل الغرفة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الإنسان يسمع دقات قلبه وكأنها قادمة من مكان آخر.كانت ليان تحدق في الشاشة أمامها، غير قادرة على استيعاب الكلمات التي ظهرت عليها.المشرف الحقيقي على التجربة: مريم.مريم.اسم المرأة التي احتضنتها منذ طفولتها.المرأة التي كانت تناديها ابنتها.المرأة التي ظنت ليان طوال حياتها أنها أمها.ارتجفت أصابعها ببطء.— أمي؟خرجت الكلمة من فمها ضعيفة، كأنها سؤال لا تنتظر له إجابة.التفت الجميع نحو مريم.كانت مقيدة على الكرسي، ووجهها شاحب، لكن عينيها لم تحملَا دهشة.وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.صرخت ليان:— قولي إن ده كذب!لم تجب مريم.اقتربت ليان خطوة.— قولي إن فؤاد بيكدب!أغمضت مريم عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما.— فؤاد لا يكذب في هذه النقطة.تجمدت ليان.حتى آسر، الذي كان واقفًا بجانبها، رفع رأسه ببطء.— مريم...قاطعته:— لكن الحقيقة ليست كما يريدكم أن تفهموها.ضحك فؤاد من خلف الزجاج.— بالطبع. دائمًا لديها قصة أخرى.ضرب آسر قبضته على الطاولة.— اخرس!لكن فؤاد لم يهتم.— اسألها يا آسر. اسألها عن الليلة التي وُلد
انطفأت الأنوار.للحظة، لم يسمع أحد شيئًا.ثم جاء الصوت مرة أخرى من الظلام.هادئًا.واثقًا.وكأنه يعرف تمامًا مقدار الخوف الذي يمكن لصوته أن يزرعه في قلوبهم.— أخيرًا بدأتِ تفهمين يا ابنتي.تجمدت ليان.أما آسر، فرفع سلاحه فورًا.— من أنت؟جاءت ضحكة خافتة.— سؤال متأخر يا آسر.ثم أضاءت شاشة صغيرة في نهاية الغرفة.ظهر عليها وجه رجل مسن.وجه لم تره ليان من قبل.لكن شيئًا فيه كان مألوفًا.العيون.طريقة الابتسام.الهدوء.قال سليم بصوت منخفض:— مستحيل.التفتت ليان إليه.— تعرفه؟لم يجب.تقدم والد آسر خطوة.— أنت مت.ابتسم الرجل عبر الشاشة.— يبدو أن هذه الجملة أصبحت عادة في عائلتكم.قال آسر:— من هو؟ظل الرجل صامتًا للحظات.ثم قال:— اسمي فؤاد.شهقت نور.تغير وجهها تمامًا.— فؤاد...قال الرجل:— نعم يا نور.اقتربت منه.— كنت أعتقد أنك مت.— الجميع اعتقد ذلك.قالت:— أنت السبب.أجاب بهدوء:— أنا السبب في أشياء كثيرة.رفع آسر سلاحه نحو الشاشة وكأنه يستطيع إطلاق النار على الماضي نفسه.— أين مريم؟ابتسم فؤاد.— لا تقلق.— أين هي؟— حية.تنفس الجميع.ثم أضاف:— حتى الآن.شد آسر يده.— إذا لمستها.
لم تتحرك ليان.حتى أنفاسها توقفت للحظة.كانت المرأة تقف أمامها، وجهها شاحب، وعيناها ممتلئتان بالدموع.لم تكن ليان بحاجة إلى أحد ليخبرها من تكون.رغم كل السنوات التي عاشتها وهي تظن أن أمها هي مريم، ورغم كل الأكاذيب التي أحاطت بميلادها، كان هناك شيء غريب في تلك اللحظة.شيء داخلها تعرفه.نور.أمها الحقيقية.المرأة التي ظنت أنها ماتت قبل سنوات.المرأة التي بحثت عنها دون أن تعرف أنها تبحث عنها.المرأة التي كانت السبب في كل هذا.همست ليان:— أمي؟ارتجفت شفتا نور.— نعم.خرجت الكلمة ضعيفة.لكنها هزت قلب ليان بالكامل.خطت ليان خطوة إلى الأمام.ثم توقفت.لم تكن تعرف هل تحتضنها أم تسألها أم تصرخ في وجهها.قالت نور:— أعرف أنني لا أستحق أن تناديني بهذا الاسم.ردت ليان بصوت مكسور:— أنا لا أعرف حتى إن كان من حقي أن أناديكِ به.انخفضت عينا نور.— معك حق.قال جابر من الخلف:— مؤثر جدًا.التفت آسر إليه.— اصمت.ضحك جابر.— أنت دائمًا تحاول حماية الجميع، أليس كذلك؟رفع آسر سلاحه.— هذه المرة لن أسمح لك بالاقتراب منها.قال جابر:— لن تحتاج إلى ذلك.ثم نظر إلى نور.— لقد انتهى دورك.رفعت نور رأسها.— ل
لم تنم ليان تلك الليلة.منذ أن قرأت الرسالة الأخيرة، وهي جالسة أمام النافذة، تحدق في الظلام وكأنها تنتظر أن يخرج منه جواب."المرة القادمة لن أتصل بكِ... سأنتظرك."كانت الجملة تدور في رأسها بلا توقف.لكنها لم تكن أكثر ما يؤلمها.كان السؤال الآخر.من كانت المرأة التي ربّتني طوال حياتي؟رفعت ليان عينيها نحو والدتها.كانت مريم جالسة في الجهة الأخرى من الغرفة، صامتة منذ ساعات.لم تكن تنظر إلى ليان.وكأنها تخشى أن تلتقي عيناها بعيني ابنتها.قالت ليان أخيرًا:— أمي.رفعت مريم رأسها.— نعم؟— هل أنتِ أمي فعلًا؟تجمد وجه مريم.تقدم والد ليان خطوة.— ليان...— لا.رفعت يدها.— أريدها أن تجيب.صمتت مريم طويلًا.ثم قالت:— نعم.تنفست ليان ببطء.— وجابر كان يكذب؟— في أغلب كلامه.— وفي بعضه؟لم تجب.قالت ليان:— أمي.أغمضت مريم عينيها.— هناك أشياء لم أخبرك بها لأنني كنت أخشى أن تخسري كل شيء.— أنا أخسر كل شيء الآن بسبب صمتكم.انخفض رأس مريم.— أعرف.اقتربت ليان منها.— هل نور أختي؟— نعم.— هل هي حية؟— لا أعرف.— هل كانت لارا؟هنا رفعت مريم عينيها بسرعة.توقفت ليان.— إذًا أنتِ تعرفين الاسم.لم
ظلّت ليان تحدق في آسر.لم يكن في الغرفة صوت سوى أنفاسهم المتقطعة، وصوت الريح التي كانت تصطدم بالنوافذ المكسورة للمستشفى القديمة.كان السؤال ما زال معلقًا بينهما.— هل كنت تعرف عن نور؟لم يجب آسر.ولأول مرة منذ أن عرفته، لم تجد ليان في عينيه أي محاولة للتهرب أو الكذب.وجدت شيئًا أسوأ.الندم.تراجعت خطوة.— كنت تعرف.قال آسر بصوت منخفض:— نعم.أغمضت ليان عينيها.لم تكن الصدمة في أن آسر عرف اسم نور.الصدمة أنه عرف، وظل صامتًا.فتحت عينيها.— منذ متى؟— منذ فترة قصيرة.— قبل أن نأتي إلى هنا؟— نعم.— قبل أن يظهر جابر؟— نعم.ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح.— وكل هذا الوقت كنت تنظر في عيني وتقول إنك لا تعرف شيئًا.اقترب منها.— كنت أحاول أن أتأكد.— من ماذا؟— من أنها حية.توقفت.— حية؟أومأ.— جابر لم يكن أول شخص يخبرني عنها.قالت:— من أخبرك؟نظر آسر إلى والده.كان الرجل يخفض عينيه.قال آسر:— أبي.رفعت ليان رأسها نحوه.— والدك يعرف نور؟— نعم.قالت مريم:— لم يكن يجب أن يعرف.التفتت ليان إليها.— لكنكم جميعًا تعرفون.لم يجب أحد.صرخت:— جميعكم تعرفون وأنا الوحيدة التي لا تعرف شيئًا!أمس







