مشاركة

الطفل عند العتبة
الطفل عند العتبة
مؤلف: Fefe

الفصل الأول

مؤلف: Fefe
last update تاريخ النشر: 2026-06-03 15:14:40

الفصل الأول: غبار الصمت ونقر على الخشب

الساعة المعلقة على الحائط لم تكن تدور كعادتها، لكن عقرب الثواني كان يرتجف في مكانه كأنه يحاول الفكاك من قيد غير مرئي يمنعه من التقدم، يصارع ليعلن مرور الوقت دون جدوى. تك… تك… تك… صوت خفيض، رتيب، ومستمر، لا يسمعه أحد في هذا البيت الواسع الساكن سواه. كان هذا الصوت يتردد في أرجاء الغرفة المظلمة مثل دقات قلب واهن يحتضر ببطء.

يقولون إن الإنسان إذا فقد كل شيء دفعة واحدة، وفقد معه كل الأسباب التي تجعله يستيقظ في الصباح، يصبح الزمن بالنسبة له شيئًا غريبًا ومشوهًا. لا يتوقف الزمن تمامًا بالمعنى الفيزيائي، لكنه يفقد معناه وقيمته وجوهره. الأيام تمر في الخارج متلاحقة، والشمس تشرق وتغيب معلنةً بدايه ونهاية روتينية، والناس يذهبون إلى أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم حاملين تفاصيل حياتهم الصغيرة، بينما يبقى هو هنا، وحيدًا، عالقًا في اللحظة نفسها التي تحطم فيها كل شيء.

بالنسبة لكرم، لم يكن الزمن قد تجاوز تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد. ليلة المطر الغزير الذي كان يغسل الشوارع ولا يغسل الأحزان، ليلة الشاحنة الضخمة التي ظهرت من عدم لتلتهم أحلامه، وليلة المكالمة الهاتفية الباردة والجافة التي قسمت حياته إلى نصفين لا يلتقيان؛ نصف مليء بالحياة والدفء، ونصف يغرق في العتمة والصمت التام.

جلس على طرف السرير واضعًا كفيه بين ركبتيه في وضعية تعبر عن انكسار داخلي عميق، وعيناه غارقتان في تفاصيل السجادة الرمادية الممتدة أمامه، يتأمل خيوطها الباهتة كأنه يبحث فيها عن إجابة لسؤال لا يعرفه. لم يفتح الستائر منذ أيام طويلة، مفضلًا العيش في عتمة اختيارية تشبه ما يدور في أعماقه، ولم يعد يتذكر بدقة آخر مرة تناول فيها وجبة حقيقية أو تذوق طعم الطعام. حتى النوم، الذي يهرب إليه الناس من واقعهم، أصبح بالنسبة له شيئًا متقطعًا وعابرًا، يأتي على شكل إغماءات قصيرة ومفاجئة تنتهي بكوابيس، أكثر من كونه راحة لجسده المنهك وروحه المتعبة.

البيت كله بدا وكأنه توقف معه في تلك اللحظة الحرجة، وتجمدت تفاصيله لتعلن الحداد المستمر. ألعاب الأطفال ما زالت منثورة في أماكنها على السجادة، سيارة صغيرة حمراء ودمية مكسورة اليد، تنتظر عودة الأيدي الصغيرة التي كانت تحركها بفرح. سترة منى الصوفية ما زالت معلقة قرب الباب، تحتفظ بشكل جسدها وربما بقايا عطرها الذكي الذي يرفض الرحيل.

الصورة العائلية الموضوعة فوق الخزانة الخشبية بقيت كما هي، تجمع وجوهًا ضاحكة ومستبشرة في لحظة فرح قنصتها الكاميرا ذات يوم. كل شيء في هذا المنزل كان حاضرًا بدقة وتفاصيل مؤلمة، يصر على البقاء ويتحدى النسيان، إلا أصحاب الأشياء أنفسهم، الذين غابوا تاركين وراءهم فراغًا يضج بالذكريات.

نهض ببطء شديد، كأن جسده أصبح يزن أطنانًا من الهموم، واتجه نحو المطبخ بخطوات ثقيلة يجرها جرًا. سكب ما تبقى من القهوة الباردة المرة في المجلى، مراقبًا السائل الأسود وهو يختفي، ثم ملأ الكوب بماء الحنفية البارد عله يطفئ شيئًا من حرقة صدره. وقف أمام النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة الصغيرة المهملة، وكانت السماء قد بدأت تجود بمطرها الخفيف. قطرات متفرقة وصغيرة تنقر الزجاج بنغم رتيب، ثم تنزلق ببطء نحو الأسفل كأنها دموع تسيل على وجه البيت.

نظر من خلال الزجاج المغبش إلى الشارع الخالي تمامًا من الحركة، حيث كانت الساعة قد قاربت الثانية بعد منتصف الليل. المدينة في مثل هذا الوقت المتأخر تبدو مختلفة تمامًا عما هي عليه في النهار؛ تبدو أقل صخبًا وضجيجًا، وأكثر صدقًا وعمقًا، كأنها تتوقف أخيرًا عن التظاهر وخلع أقنعتها المزيفة لبعض الوقت، لتواجه حقيقتها العارية في عتمة الليل وسكونه.

رفع كرم الكوب ببطء إلى شفتيه ليأخذ رشفة من الماء البارد، وعندها تمامًا سمع الصوت. كان صوتًا واضحًا ومفاجئًا كسر سكون المنزل: طرق… طرق… طرق… تجمد في مكانه كتمثال من رخام، وبقيت يده معلقة في الهواء قريبة من فمه. أنصت بكل جوارحه، حابسًا أنفاسه ليتأكد من مسمعه، وعاد الصوت من جديد ليرن في أرجاء المكان. كان طرقًا خفيفًا لكنه حازم، ينبعث من جهة الباب الخارجي للمنزل. خفض الكوب ببطء شديد ووضعه على الرخام، محاولًا التفكير في تفسير منطقي. في البداية، ظن أن الريح القوية تعبث بشيء ما في الحديقة أو تحرك غصن شجرة يابس ليصطدم بالخشب، لكن الطرق تكرر بوضوح أكبر؛ ثلاث مرات متباعدة، منتظمة، ومتعمدة، لا يمكن أن تكون نتاج مصادفة أو ريح عابرة.

وضع الكوب تمامًا وتحرك نحو الممر المظلم المؤدي إلى المدخل الرئيسي، وكانت نبضات قلبه تتسارع مع كل خطوة. لم يكن ينتظر أحدًا في مثل هذه الساعة، ولم يعد هناك في حياته من يزوره أصلًا بعد أن انفض الجميع من حوله وترجلو عن قطار حياته الحزينة. وقف خلف الباب المغلق لثوانٍ معدودات، يستمع إلى ما يدور في الخارج، مستحضرًا كل الاحتمالات المخيفة والمقلقة. ثم، في لحظة شجاعة أو ربما لا مبالاة بالخطر، مد يده المرتجفة إلى المقبض المعدني وأداره ببطء، ثم سحب الباب نحو الداخل.

انفتح الباب على مصراعيه، فلفحته نسمة هواء باردة ورطبة ضربت وجهه الشاحب بقسوة، وحملت معها رائحة التراب المبلل المميزة التي دخلت مسرعة مع رذاذ المطر لتنعش جو البيت الراكد. رفع بصره نحو الشارع الممتد أمام المنزل، باحثًا عن أي شبح أو حركه لسيارة أو إنسان، لكنه لم يجد شيئًا؛ الشارع كان خاليًا تمامًا وتحت سيطرة أضواء المصابيح الصفراء الباهتة. تنهد بخفوت، معتقدًا أن الأمر لم يكن سوى وهم من أوهام عقله المتعب، وكاد يغلق الباب ليعود إلى عزلته، لكن شيئًا ما لفت انتباهه في اللحظة الأخيرة. كانت حركة صغيرة وخفيفة للغاية عند العتبة السفلية للباب، فخفض نظره تلقائيًا، وفي تلك اللحظة تجمدت الدماء في عروقه من المفاجأة.

كان هناك طفل صغير، يجلس ملاصقًا تمامًا للحائط الإسمنتي، متقوقعًا في الجزء الجاف الذي لا يصله مطر السماء بفضل بروز السقف. كان يضم ذراعيه النحيفتين حول ركبتيه الصغيرتين، ويرتجف بجسده كله في صمت مطبق دون أن يصدر عنه أي أنين أو بكاء. شعره الأسود الفاحم كان مبتلًا ويلتصق بجبهته، وملابسه كانت خفيفة ورقيقة على نحو غريب لا يناسب أبدًا هذا البرد القارس الذي يميّز ليالي الشتاء. حذاؤه الرياضي الأبيض بدا متسخًا بالطين، ومستهلكًا وكأنه قطع مسافة طويلة وشاقة في شوارع المدينة قبل أن ينتهي به المطاف هنا على هذه العتبة.

بقي كرم ينظر إليه لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر، غير مستوعب لما تراه عيناه في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ومأخوذًا بفيض من المشاعر المتضاربة بين الدهشة والوجل. ثم قال أخيرًا بصوت متحشرج وخفيض: "يا إلهي…". عند سماع الكلمات، رفع الطفل رأسه ببطء، فالتقت عينان بنيتان واسعتان وصافيتان بعيني كرم مباشرة. كان في نظرات هذا الطفل شيء غريب أربكه بعمق، شيء مألوف للغاية بطريقة يصعب عليه تفسيرها أو تحديدها في تلك اللحظة، لكن التعب الشديد والصدمة المتراكمة في عقل كرم منعا ذاكرته المنهكة من التقاط السبب الحقيقي وراء هذا الشعور الأليف.

سأله كرم بنبرة حاول أن تجعلها هادئة ومطمئنة: "من أنت؟"، لم يجب الطفل، واكتفى بالنظر إليه بتلك العيون الواسعة التي تحاكي عيون الكبار في عمقها وحزنها. عاد وسأله مجددًا: "أين أهلك؟ وكيف وصلت إلى هنا؟"، لكن لا جواب حرك سكون الموقف. اقترب كرم منه خطوة إلى الأمام، ولاحظ بدقة أن شفتي الطفل الصغير تميلان إلى الزرقة الشديدة من أثر البرد، وأن أصابعه الصغيرة ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه. شعر بانقباض مؤلم في صدره، وشعر بدافع إنساني وأبوي قديم يتحرك في أعماقه؛ فأيًا يكن ما حدث لهذا الصغير، وأيًا كانت الأسباب التي أتت به إلى هنا، لا يمكن أبدًا تركه في الخارج يواجه مصيره تحت المطر والبرد. تنهد بعمق وأفسح له المجال للدخول، قائلًا: "ادخل يا بني".

تردد الطفل لبرهة قصيرة، وتأمل وجه كرم كأنه يزن مدى أمان هذا المكان، ثم نهض ببطء شديد على قدميه المتعبتين ودخل المنزل. مر بجانبه بخطوات وئيدة دون أن ينطق بكلمة واحدة أو يصدر أي صوت. أغلق كرم الباب الخشبي الثقيل خلفه فورًا، وأدار القفل الحديدي مرتين؛ الصوت المعدني الحاد للقفل بدا مرتفعًا ومضخمًا بشكل غريب داخل البيت الذي اعتاد الصمت الطويل، كأنه يعلن إغلاق العالم الخارجي وعزل هذا الثنائي عن كل ما يدور في الخارج من صخب ومخاطر.

دخل الطفل بخطى ثابتة ومألوفة إلى غرفة المعيشة، واتجه مباشرة نحو الأريكة القماشية القديمة وجلس في منتصفها، كأنه يعرف تفاصيل المكان وزواياه من قبل، أو كأنه ببساطة متعب ومشحون بالجهد أكثر من أن يهتم بهوية المكان الذي يجلس فيه أو يبدي أي فضول تجاهه. تقدم كرم وأضاء المصباح الجانبي ذو الضوء الأصفر الدافئ، فتبددت بعض العتمة وظهرت تفاصيل وجه الطفل بوضوح أكبر؛ كان هناك خدش صغير وسطحي على خده الأيمن قد نبتت حوله حمرة خفيفة، وبقعة من الطين الجاف تعلق بطرف بنطاله الجينز الأزرق. بدا الطفل حقيقيًا وملموسًا تمامًا، بدرجة أزعجت كرم وأقلقته، لأن حضور هذا الكائن الحي حطم رتابة الموت التي فرضها على نفسه.

جلس كرم على الكرسي المقابل للأريكة، واضعًا يديه على ركبتيه وممعنًا النظر في الزائر الغامض، ثم سأله بهدوء: "ما اسمك؟"، فواجهه صمت مطبق مجددًا. عاد ليسأله باهتمام أكبر: "هل تستطيع الكلام؟ هل تفهمني؟"، رفع الطفل رأسه ونظر إليه، ثم هزّه ببطء إلى الأعلى والأسفل معلنًا بالإيجاب. نعم، إذن هو ليس أبكم، ويفهم الكلمات واللغة تمامًا، لكن لماذا يختار الصمت ويرفض التحدث؟ بحث كرم في عقله عن تفسير منطقي، هل هي الصدمة؟ أم الخوف من الغرباء؟ فلم يجد إجابة تشفي غليله. في تلك الأثناء، أشار الطفل بيده الصغيرة نحو دفتر الملاحظات الصغير والقلم الموضوعين على الطاولة الزجاجية المجاورة له. ناوله كرم الدفتر والقلم بسرعة، ومراقبًا بحذر ما سيفعله.

أخذ الطفل القلم بتمكن، وفتح الدفتر وكتب على إحدى صفحاته البيضاء كلمات بخط بطيء ومتزن، ثم دفع الورقة برفق نحو كرم. التقط كرم الدفتر وقرأ الكلمات القليلة المكتوبة: "اسمي آدم". ظل ينظر إلى الاسم المكتوب لثوانٍ عدة، مكررًا إياه في سره؛ اسم عادي، بسيط، وحقيقي على نحو مريح للنفس، يحمل في طياته بدايات الأشياء. رفع بصره نحو الطفل وقال: "حسنًا يا آدم، أهلاً بك"، ثم صمت قليلًا يفكر في خطوته التالية، وسأله بنبرة حذرة: "هل تعرف أين بيتك؟ أو كيف يمكنني الاتصال بوالديك؟". تردد الطفل قليلًا، ثم أمسك بالقلم مجددًا وكتب كلمة واحدة واضحة: "لا".

شعر كرم بغصة غريبة تخنق حجرته، وضيق لم يعهده من قبل؛ لم يكن يعرف إن كان هذا الطفل ضائعًا وسط عواصف المدينة، أو هاربًا من جحيم منزلي ما، أو أنه تعرض لشيء سيئ للغاية جعله يفقد بوصلته، لكنه في كل الأحوال بدا صغيرًا جدًا وضعيفًا على أن يكون وحده هائمًا على وجهه في هذا الوقت المتأخر من الليل. نهض كرم من مكانه دون أن يقول شيئًا، واتجه نحو المطبخ حيث أشعل الموقد، وعاد بعد دقائق معدودات ومعه كوب من الحليب الدافئ الذي تصاعد منه البخار وبعض قطع البسكويت المحلى، ووضعهما برفق على الطاولة أمام آدم.

نظر الطفل إلى الكوب والبسكويت لثوانٍ، وكأنه يتأكد من أن هذا الكرم حقيقي وليس فخًا، ثم مد يده وبدأ يأكل ويشرب بشهية واضحة وشره، شهية شخص لم يتناول أي طعام أو شراب منذ ساعات طويلة ومضنية. جلس كرم يراقبه بصمت شديد وهدوء غريب؛ ولأول مرة منذ شهر كامل مليء بالمرارة، كان هناك صوت آخر مسموع في أرجاء هذا المنزل الحزين والمقفر. صوت مضغ البسكويت المقرمش، صوت تنفس الطفل المنتظم، وصوت حركته الخفيفة فوق الأريكة. وجود بشري صغير، كائن حي يتنفس ويتحرك، كان كافيًا ليكسر ذلك الفراغ الهائل والوحشة والخراب الذي خلفه غياب عائلته. لم يكن كرم يعرف لماذا بالضبط، لكنه شعر في تلك اللحظة بأن البيت أصبح أقل برودة وأكثر دفئًا مما كان عليه قبل ساعة واحدة فقط.

عندما انتهى آدم من تناول طعامه وشرب آخر قطرة من الحليب، بدأت جفونه تثقل وتغلق ببطء بفعل التعب الشديد الذي تمكن من جسده الصغير بعد رحلته المجهولة. نهض كرم بخطوات هادئة، واتجه نحو الخزانة وجلب غطاءً صوفيًا دافئًا وثقيلًا، ثم عاد ووضعه فوق جسد آدم برفق وعناية فائقة، متجنبًا إيقاظه أو إخافته. لم يبدِ الطفل أي اعتراض، بل استسلم تمامًا للغطاء والدفء، واستلقى على جنبه فوق الأريكة وكأنه لم يعد قادرًا على مقاومة النوم والنصب الشديدين، وخلال دقائق قليلة وجيزة كان قد غرق في نوم عميق وصاخب بأحلام مجهولة.

بقي كرم جالسًا في مكانه على الكرسي المقابل، لم يتحرك ولم يطفئ المصباح، يراقب صدر الطفل الصغير وهو يعلو ويهبط بانتظام وسلام، ويفكر بعمق وجدية فيما ينبغي عليه فعله في الصباح الباكر عندما تشرق الشمس؛ الشرطة، المستشفيات، الاتصال بجهات رعاية الأطفال، أو مراجعة بلاغات الأطفال المفقودين في المنطقة، أي شيء يمكن أن يعيد هذا الصغير إلى أهله ومكانه الصحيح. لكنه قرر أن يؤجل كل هذه الأفكار والخطوات، فليس الآن وقت القرارات، وليس في هذه الساعة المتأخرة من الليل يمكن حل مثل هذه الألغاز المعقدة والمربكة.

خارج المنزل، كان المطر يزداد كثافة وقوة، ويضرب النوافذ بشراسة كأنه يحاول اقتحام الحصن، وفي الداخل كان الطفل يغط في نوم عميق وآمن، محميًا بالجدران والغطاء الصوفي. أما كرم، فبقي مستيقظًا طوال الليل، يرفض النوم ويفضل البقاء حارسًا لهذا الزائر، يحدق في الأريكة وفي تفاصيل وجه آدم النائم، وفي أعماقه العميقة يتحرك شعور غامض، مبهم، ولا يستطيع تفسيره أو التخلص منه، شعور غريب يشبه الخوف من القادم، أو ربما يشبه الأمل البعيد الذي ظن أنه فقده إلى الأبد في تلك الليلة الماطرة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الطفل عند العتبة   الفصل الثالث

    الفصل الثالث: زيارة بعد الظهر وتصدعات العزلةوصلت هناء بعد الساعة الثالثة بقليل، مخلّفة وراءها جلبة الشارع التي ترفض دائماً التوقف. كان كرم يجلس في بقعته المعتادة، غارقاً في أفكاره، عندما تناهى إلى مسامعه صوت محرك سيارتها المألوف وهو يتهادى ثم يتوقف فجأة أمام المنزل. تبع ذلك للحظات صوت ميكانيكي حاد لإغلاق باب السيارة الخارجي، وهو ما أعلن رسمياً انتهاء ساعات الهدوء الاختياري التي فرضها على نفسه منذ الصباح.وقف كرم في مكانه لبرهة ممتدة قبل أن يقرر النهوض لاستقبالها؛ ففي أعماقه لم يكن مستعداً نفسياً أو ذهنياً لزيارة أي شخص، ولا يملك القدرة على خوض حوارات اجتماعية تذكره بما كان وبما أضحى عليه. لكنه في الوقت ذاته، لم يكن يملك ترف الرفض أو إغلاق الباب في وجه شقيقته التي تقاسمه جينات الوجع والقلق.سمع طرقاً خفيفاً ومتتابعاً على الخشب، فتحرك بخطى وئيدة، ثم مد يده وأدار المقبض ليفتح لها. كانت هناء تقف هناك، يلفحها هواء العصر البارد، وتحمل في يديها كيسين ورقيين كبيرين يفوح منهما غبار المتاجر، بينما ترتسم على وجهها تلك النظرة المتعبة والمليئة بالهموم كعادتها في الآونة الأخيرة.دخلت دون أن تنتظر

  • الطفل عند العتبة   الفصل الثاني

    الفصل الثاني: أطياف الغسق والظلال الصامتةاستيقظ كرم على ضوء رمادي باهت وكئيب يتسلل على نحو متقطع من بين شقوق الستائر المخملية المغلقة بإحكام منذ أسابيع. لبضع ثوانٍ ضبابية ومبهمة، لم يتذكر بدقة أين هو، أو ما الذي يفعله مستلقيًا بهيئته تلك. تلك الثواني القصيرة والمسروقة التي تسبق عودة الوعي الكامل واليقظة التامة كانت دائمًا الأرحم بقلبه المكلوم؛ فخلالها ينسى عقله الباطن الحادثة المروعة، ينسى تفاصيل المقبرة الباردة والتراب، وينسى كليًا هذا البيت الكبير الفارغ الذي أضحى كقبر موحش. ثم، بلا أي مقدمات، تعود الحقيقة المرة لتهاجمه بقسوة وتنقض عليه دفعة واحدة، حاملة معها ثقل العالم وأوجاعه.أغمض عينيه مجددًا بقوة، علّه يستعيد شيئًا من ذلك الغياب المؤقت، وظل مستلقيًا بلا حراك على الكرسي الخشبي ذي المساند المهترئة الذي نام عليه مكرهًا طوال الليل، قرب الأريكة التي آوت زائره الصغير. كانت رقبته تؤلمه بشدة جراء الالتفاتة الخاطئة، وظهره بدا متيبسًا ومتصلبًا من تلك الجلسة الطويلة وغير المريحة. أدار رأسه ببطء ونحو الأريكة المجاورة، وتجمدت حركته فجأة حين وقعت عيناه على المشهد؛ الغطاء الصوفي الرمادي ما ز

  • الطفل عند العتبة   الفصل الأول

    الفصل الأول: غبار الصمت ونقر على الخشبالساعة المعلقة على الحائط لم تكن تدور كعادتها، لكن عقرب الثواني كان يرتجف في مكانه كأنه يحاول الفكاك من قيد غير مرئي يمنعه من التقدم، يصارع ليعلن مرور الوقت دون جدوى. تك… تك… تك… صوت خفيض، رتيب، ومستمر، لا يسمعه أحد في هذا البيت الواسع الساكن سواه. كان هذا الصوت يتردد في أرجاء الغرفة المظلمة مثل دقات قلب واهن يحتضر ببطء.يقولون إن الإنسان إذا فقد كل شيء دفعة واحدة، وفقد معه كل الأسباب التي تجعله يستيقظ في الصباح، يصبح الزمن بالنسبة له شيئًا غريبًا ومشوهًا. لا يتوقف الزمن تمامًا بالمعنى الفيزيائي، لكنه يفقد معناه وقيمته وجوهره. الأيام تمر في الخارج متلاحقة، والشمس تشرق وتغيب معلنةً بدايه ونهاية روتينية، والناس يذهبون إلى أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم حاملين تفاصيل حياتهم الصغيرة، بينما يبقى هو هنا، وحيدًا، عالقًا في اللحظة نفسها التي تحطم فيها كل شيء.بالنسبة لكرم، لم يكن الزمن قد تجاوز تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد. ليلة المطر الغزير الذي كان يغسل الشوارع ولا يغسل الأحزان، ليلة الشاحنة الضخمة التي ظهرت من عدم لتلتهم أحلامه، وليل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status