مشاركة

الفصل الثاني

مؤلف: Fefe
last update تاريخ النشر: 2026-06-03 15:20:04

الفصل الثاني: أطياف الغسق والظلال الصامتة

استيقظ كرم على ضوء رمادي باهت وكئيب يتسلل على نحو متقطع من بين شقوق الستائر المخملية المغلقة بإحكام منذ أسابيع. لبضع ثوانٍ ضبابية ومبهمة، لم يتذكر بدقة أين هو، أو ما الذي يفعله مستلقيًا بهيئته تلك. تلك الثواني القصيرة والمسروقة التي تسبق عودة الوعي الكامل واليقظة التامة كانت دائمًا الأرحم بقلبه المكلوم؛ فخلالها ينسى عقله الباطن الحادثة المروعة، ينسى تفاصيل المقبرة الباردة والتراب، وينسى كليًا هذا البيت الكبير الفارغ الذي أضحى كقبر موحش. ثم، بلا أي مقدمات، تعود الحقيقة المرة لتهاجمه بقسوة وتنقض عليه دفعة واحدة، حاملة معها ثقل العالم وأوجاعه.

أغمض عينيه مجددًا بقوة، علّه يستعيد شيئًا من ذلك الغياب المؤقت، وظل مستلقيًا بلا حراك على الكرسي الخشبي ذي المساند المهترئة الذي نام عليه مكرهًا طوال الليل، قرب الأريكة التي آوت زائره الصغير. كانت رقبته تؤلمه بشدة جراء الالتفاتة الخاطئة، وظهره بدا متيبسًا ومتصلبًا من تلك الجلسة الطويلة وغير المريحة. أدار رأسه ببطء ونحو الأريكة المجاورة، وتجمدت حركته فجأة حين وقعت عيناه على المشهد؛ الغطاء الصوفي الرمادي ما زال قابعًا هناك في مكانه، والطفل الصغير ما زال نائمًا في وداعة وسكينة تامتين.

لم تختفِ الأريكة كما خيّل إليه في هواجس الفجر، ولم يكن الكرسي المقابل فارغًا من ملامحه، ولم يستيقظ كرم ليجد نفسه وحيدًا غارقًا في الأوهام كما توقع جزء سوداوي متجذر في أعماقه اعتاد الخذلان. كان آدم موجودًا بالفعل ككائن حي ملموس؛ ملتفًا بعناية داخل الغطاء الثقيل حتى حافة ذقنه الصغيرة، وشعره الأسود الفاحم مبعثرًا في فوضى عفوية فوق الوسادة البيضاء، بينما خرجت إحدى يديه الصغيرتين ذات الأصابع النحيلة من تحت الدفء أثناء تقلبه في النوم.

ظل كرم يحدق في ملامح الطفل الساكنة لوقت أطول بكثير مما ينبغي، متأملًا تفاصيل هذا الحضور المفاجئ. كان يتوقع من نفسه أن يشعر بنوع من الارتياح والسكينة لوجود ونيس في عزلته، لكنه بدلاً من ذلك، غرق في بحر متلاطم من الحيرة والتساؤلات التي لا تنتهي. كيف وصل هذا الطفل الضائع إلى عتبة بيته النائي في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل؟ ولماذا يبدو وجهه، على نحو غريب ومربك، كأنه خرج لتوّه من تفاصيل حلم قديم أو ذكرى منسية طمرها الزمن؟

نهض من فوق كرسيه ببطء شديد تحاشيًا لإصدار أي جلبة قد تقض مضجع النائم، واتجه بخطوات وئيدة نحو المطبخ المظلم. مد يده وضغط على زر تشغيل غلاية الماء الكهربائية، ثم وقف يستند إلى الرخام البارد ينتظر تصاعد البخار دون أن يبدي أي حراك. في سنواته الخوالي، اعتاد كرم على طقس صباحي مقدس؛ أن يصنع أربعة أكواب من الشاي الساخن كل صباح؛ كوب له يرتشفه وهو يقرأ الجريدة، وكوب لزوجته منى بطعم النعناع، وكوبان صغيران مزينان برسوم متحركة لطفليه، يخلط فيهما الشاي بالحليب الدافئ.

الموجع في الأمر أنه استمر على هذا الطقس الروتيني لأسابيع طويلة ومتعاقبة حتى بعد وقوع الحادثة ورحيلهم؛ كان يفعل ذلك كآلة مبرمجة مدفوعة بقوة العادة والإنكار، دون أن ينتبه لعقم ما يفعله. واستمر في ذلك إلى أن استفاق ذات صباح كئيب واكتشف حقيقة ما يصنع؛ وجد نفسه واقفًا وسط المطبخ الصامت وهو يمسك بأربعة أكواب دافئة، بينما لا يوجد في هذا البيت الواسع سواه يصارع جدرانه. منذ ذلك اليوم الفاصل الذي واجه فيه حقيقته العارية، صار صارمًا مع نفسه ويصنع كوبًا واحدًا يتيمًا لا غير.

نظر الآن إلى الرف الخشبي حيث تصطف الأكواب الملونة بغبارها الخفيف، ثم تنهد بعمق وأخرج كوبًا ثانيًا ووضعه إلى جوار كوبه. فوجئ بنفسه وبتلك التلقائية التي تصرف بها، لكن يده كانت قد حسمت القرار وتجاوزت التردد قبل أن يبدأ عقله المثقل في تحليل الدوافع والمخاوف.

حين عاد حاملًا الصينية المعدنية إلى غرفة المعيشة، وجد أن آدم قد استيقظ من نومه. كان يجلس على طرف الأريكة بصمت مطبق، مطأطئ الرأس في البداية قبل أن يرفع عينيه لينظر إلى أرجاء الغرفة المحيطة به. كانت عيناه البنيتان الذكيتان تتجولان ببطء وهدوء بين الصور العائلية الكثيرة المعلقة على الجدران الباهتة، حتى توقف بصره الطويل والمركز عند صورة عائلية كبيرة موضوعة داخل إطار خشبي أنيق؛ صورة التقطت في حديقة عامة قبل ثلاث سنوات خلت في فصل الربيع.

كان كرم يقف في منتصف تلك الصورة بوجه يشع أملًا، ومنى تقف إلى جانبه بابتسامتها الدافئة، وعمر ويوسف يقفان أمامهما مباشرة وهما يبتسمان للكاميرا بطفولية ومرح وشقاوة ظاهرة. بقي آدم يحدق في تلك الوجوه الأربعة وقتًا طويلًا، دون أن يرمش أو يبدي أي تعبير يفسر ما يدور في خلده، في حين شعر كرم بشيء مؤلم ينقبض بعنف داخل صدره وهو يرى الزائر الصغير يتأمل بقايا حياته المحطمة. وضع كوب الشاي الدافئ برفق على الطاولة الخشبية أمام الطفل، ثم جلس على كرسيه المقابل وقال بصوت منخفض: "صباح الخير".

رفع آدم رأسه نحوه وعيناه تفيضان بغموض غريب، وأومأ برأسه الصغير إيماءة خفيفة معلنًا التحية دون تحريك شفتيه. سأله كرم محاولًا كسر الجمود: "هل نمت جيدًا؟ وهل تشعر بالدفء الآن؟"، فأومأ الطفل مرة أخرى بذات الطريقة الصامتة. ظل الصمت الثقيل والمربك يخيم بينهما للحظات بدت كأنها بلا نهاية، ولم يكن يقطعه سوى أنفاسهما الخفيفة. ثم، وتحت وطأة الفضول والقلق، سأل كرم بنبرة حذرة: "هل تتذكر أي شيء عما حدث معك بالأمس؟".

نظر الطفل إليه مباشرة، بعينين خاليتين من أي خوف أو اضطراب، فسارع كرم بإضافة المزيد من الأسئلة علّه يجد ثغرة: "أي شيء عن بيتك؟ أو عنوان الشارع الذي تسكن فيه؟"، لكن لا رد جاءه سوى النظرات الثابتة. تابع كرم متلمسًا طريقًا لقلبه: "أمك؟ هل تتذكر اسم أمك؟"، فلم يتلقَّ سوى الفراغ. واصل بإلحاح أخف: "أبوك؟"، وعند هذه الكلمة بالذات، انخفضت عينا الطفل نحو الأرض فجأة، وتلاشت النظرة الثابتة لتصنع مكانها هدوءًا مشوبًا بالوجوم، كأن السؤال الأخير قد نكأ جرحًا غائرًا أو أزعجه بشكل قطعي.

شعر كرم على الفور بوخزة من الندم تضرب أعماقه؛ أدرك أنه ربما كان يضغط على هذا الصغير المنهك أكثر مما ينبغي، ويستجوبه كمتهم بينما هو في نهاية المطاف مجرد طفل غريب وضعيف، مهما كانت خلفية قصته أو الظروف القاسية التي رمت به إلى هذا المكان. بعد قليل من الوقت، دفع آدم كوب الشاي جانبًا بيده دون أن يتذوقه، ثم مد يده النحيلة نحو دفتر الملاحظات والقلم مجددًا؛ كتب ببطء وعناية فائقين، ثم رفع الورقة بيده الصغيرة ليريها لكرم.

قرأ كرم العبارة المكتوبة بخط واضح: "هل هذه عائلتك؟". تبع كرم اتجاه نظر الطفل نحو الصورة المعلقة على الجدار، وساد صمت دافئ وقصير في أرجاء الغرفة، ثم قال بنبرة مبحوحة غلبتها العبرة: "نعم...". تردد قليلًا قبل أن يضيف بمرارة لا يخفيها: "كانت عائلتي". لم يشأ أن يشرح أكثر من ذلك، ولم يحاول الطفل بدوره أن يسأل أو يكتب مستفسرًا عن مصيرهم، لكن نظرات آدم بقيت معلقة بتلك الصورة الكبيرة وكأن شيئًا سحريًا وخفيًا فيها يشده إليها بقوة، ويمنعه من الالتفات عنها.

بعد مرور ساعة تقريبًا من الجلوس الصامت، قرر كرم بجدية أن أوان الاتصال بالشرطة قد حان، وأنه لا بد من اتخاذ خطوة رسمية؛ فلم يكن بمقدوره قانونيًا أو منطقيًا الاحتفاظ بطفل مجهول الهوية في منزله إلى الأبد، مهما كانت ظروف الصغير الإنسانية قاسية، ومهما شعر تجاهه بعاطفة غامضة. دخل إلى المطبخ بخطوات حاسمة وأخرج هاتفه المحمول من جيبه، وبدأ يبحث في قائمة الأسماء عن رقم مركز الشرطة المحلي. غير أنه توقف فجأة، وبقيت إصبع المعاينة معلقة فوق الشاشة.

نظر عبر الباب المفتوح الذي يربط المطبخ بغرفة المعيشة؛ كان آدم قد غادر الأريكة ويجلس على السجادة الرمادية الآن، يقلب ببطء صفحات كتاب أطفال قديم ذي غلاف كرتوني مقوى؛ أحد الكتب المفضلة التي كان ابنه الصغير يوسف يحب الاستماع إليها قبل النوم. لم يكن آدم يقرأ الكلمات المطبوعة، بل كان يكتفي بالنظر المطول والممعن إلى الرسومات الملونة وتفاصيل الحكايات المنسية. بدت على محياه في تلك اللحظة سكينة غريبة وعميقة، سكينة مطمئنة ومستقرة تمامًا لم يعهد كرم رؤيتها في وجه طفل ضائع أو هارب لتوّه من خطر.

خفض كرم الهاتف ببطء شديد، وشعر بتردد غريب يثبط عزيمته، ثم أعاد الجهاز إلى جيبه قائلًا لنفسه في محاولة لتبرير الموقف: سأتصل بهم لاحقًا... بعد أن نتناول وجبة الإفطار معًا، أو ربما بعد ساعة من الآن، أو بعد قليل عندما يرتاح الصغير أكثر؛ أي وقت آخر سيكون مناسبًا. أقنع نفسه بتلك الأعذار الواهية بسهولة غريبة وسرعة غير متوقعة، وكأن جزءًا منه كان يتوسل للبقاء مع هذا الصمت المشترك لأطول فترة ممكنة.

خرجا معًا إلى الحديقة الخلفية للمنزل بعد الظهر، حيث كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة تنذر بمزيد من الأمطار، لكن الهطول كان قد توقف مؤقتًا. كان الهواء في الخارج باردًا ويلفح الأجساد، ورائحة التراب المبلل الذكية ما زالت عالقة بقوة في أثير المكان لتضفي عليه طابعًا من الذكريات القديمة. منذ وفاة عائلته المفاجئة، لم يطأ كرم عتبة هذه الحديقة إلا مرات معدودة وضرورية؛ فقد كان يكره رؤيتها ويسعى لتجنبها، بعد أن تحولت من مكان للبهجة إلى متحف مفتوح للفقد لا يحتمل رؤية تفاصيله.

الأرجوحة الخشبية الصغيرة ما زالت معلقة بحبالها السميكة في غصن الشجرة الكبيرة، تتأرجح ببطء مع نسمات الهواء كأنها تنادي أصحابها. ودراجة يوسف الحمراء الصغيرة ذات العجلات الثلاث ما زالت راكنة في مكانها قرب السياج الحديدي، وكرتا قدم صغيرتان ملقاتان في إهمال بين الأعشاب الطويلة التي نمت دون تشذيب. كل شيء في هذا المكان بدا وكأنه تجمد في لحظة زمنية معينة، وينتظر بشوق عودة أصحابه الغائبين ليدب فيه النشاط مجددًا.

وقف كرم متكتفًا وقرب الباب الخشبي الخلفي يراقب المشهد بحذر، بينما سار آدم بخطوات بطيئة ومنتظمة داخل أرجاء الحديقة الموحشة. لم يركض الطفل كعادة الصغار في الحدائق، ولم يحاول اللعب بأي من الأغراض المتناثرة، بل اكتفى بالتجول الهادئ؛ يلمس بأصابعه الرقيقة أوراق الشجيرات المبللة، وينظر إلى الأشياء المحيطة به بصمت يشبه الخشوع. ثم، بلا أي مقدمات، توقف فجأة أمام الدراجة الحمراء الصغيرة، وظل ينظر إليها وإلى مقودها الحديدي وقتًا طويلًا؛ طويلًا أكثر مما تحتمله تطلعات طفل غريب.

اقترب منه كرم بخطوات خفيفة حتى غدا واقفًا إلى جواره، وسأله بنبرة دافئة: "تعجبك هذه الدراجة؟"، لم يجب الطفل لفظًا، لكن عينيه البنيتين بقيتا شاخصتين ومثبتتين على الهيكل الأحمر الباهت. قال كرم بصوت غلبه الشجن: "كانت لابني الصغير...". ما إن نطق بهذه الجملة البسيطة حتى شعر بمرارتها الشديدة تسري في حلقه، كأن الكلمات ما زالت جديدة على مسامعه، وكأن الفاجعة والحادثة قد وقعت بالأمس القريب وليست قبل أسابيع. خفض آدم رأسه الصغير ببطء، ثم مد يده ولمس مقبض الدراجة المطاطي برفق شديد وعناية فائقة، لسبب لا يفهمه كرم، بدت تلك اللمسة الحانية كما لو كانت اعتذارًا عميقًا موجهًا للدراجة، أو وداعًا أخيرًا لصاحبها الراحل؛ وشعر كرم في تلك اللحظة بقشعريرة خفيفة ومفاجئة تمر عبر جسده كله وتثير في نفسه رعبًا مبهمًا.

في المساء، عادا إلى الداخل وجلسا معًا في غرفة المعيشة الدافئة. كان جهاز التلفاز يعمل بصوت منخفض للغاية يماثل الهمس، لكن لا أحد منهما كان يتابعه أو يهتم بما يعرض على شاشته. كان آدم يجلس بكامل تركيزه على الطاولة الصغرى ويرسم بقلم الرصاص على صفحات الدفتر الأبيض، بينما تظاهر كرم بقراءة كتاب قديم بين يديه، دون أن يقلب صفحة واحدة منه طوال الساعة الماضية. كان عقله الشارد في مكان آخر تمامًا، يبحر في تفاصيل معقدة؛ فمنذ ساعات طويلة وهو يحاول جاهدًا تذكر شيء محدد، أي شيء يقوده للحقيقة. أين رأى تلك النظرة بدقة؟ ذلك التعبير المألوف والغريب في عيني هذا الطفل؟ وذلك الهدوء اللامتناهي الذي يحيطه؟ في نهاية المطاف، استسلم لجهله وقرر التوقف عن التفكير، معللاً الأمر لنفسه بأنه ربما يتوهم أشياء لا وجود لها، وأن الوحدة القاتلة التي يعيشها جعلته يبحث عن أوجه شبه وتفاصيل عائلته الراحلة في كل كائن يمر به.

رن جرس الهاتف المحمول فجأة وبقوة، فقفز قلبه في صدره من أثر المفاجأة وسط هذا السكون التام. نظر إلى الشاشة المضيئة ليرى هوية المتصل؛ كانت أخته، وهذا هو الاتصال الأول منها منذ ثلاثة أيام كاملة من غيابه وعزلته. ترك الهاتف يرن دون إجابة، ومراقبًا وميضه، ثم رن مجددًا ومجددًا حتى انقطع الاتصال تلقائيًا. بعد دقيقة واحدة من الصمت، عاد الاتصال مرة أخرى وبإلحاح أكبر؛ زفر كرم ببطء وضغط على زر الإجابة قائلًا: "مرحبًا".

جاءه صوت أخته من الطرف الآخر، حاملاً نبرة قلق وخوف واضحين لا تخطئهما الأذن: "كرم؟ هل أنت هناك؟"، فأجابها بنبرة جافة: "نعم، أنا هنا". سألته بلامة: "لماذا لا ترد على اتصالاتي؟ لقد تملكني الخوف عليك"، قال باقتضاب: "لا أعرف، لم أكن قريبًا من الهاتف". ساد صمت قصير وثقيل بين الأخوين، ثم تابعت بصوت متهدج: "أنا قلقة عليك جدًا يا كرم، والوضع لا يمكن أن يستمر هكذا". نظر كرم بطرف عينه نحو آدم، الذي كان ما يزال مستغرقًا في رسم خطوطه على الورق، وقال بهدوء: "لا داعي للقلق، أنا بخير". ردت عليه بحسم ومرارة: "أنت لست بخير، والجميع يعرف ذلك".

ابتسم ابتسامة باهتة وحزينة لم تلامس عينيه، ولأول مرة منذ شهر كامل، شعر أن أحدًا يواجهه بالحقيقة العارية دون تجميل، فقال بصوت خفيض: "ربما... ربما لست بخير". قالت أخته بعد فترة من التردد الواضح: "هل تسمح لي أن أزورك غدًا في المنزل؟"، تردد كرم وتطلع في أرجاء المكان وفي وجود الطفل، ثم قال تهربًا من الإلحاح: "كما تريدين، افعلي ما ترينه مناسبًا". قالت بارتياح: "حسنًا، سأمر عليك بعد الظهر إذن، انتبه لنفسك". أنهت المكالمة، فأبعد الهاتف عن أذنه وأعاده ببطء إلى الطاولة الزجاجية.

عندها فقط، انتبه بدقة إلى أن آدم قد توقف تمامًا عن الرسم وعن تحريك قلمه، وكان يثبت عينيه البنيتين الواسعتين عليه وينظر إليه بنظرة عميقة، كأنه لم يكن يستمع إلى الكلمات فحسب، بل استمع وفهم تفاصيل المكالمة كلها وما وراء السطور. سأله كرم بنوع من الارتباك: "ماذا؟ هل هناك شيء؟". مد الطفل يده الصغيرة بالورقة ونحوه برفق، فالتقطها كرم ونظر إلى محتواها، وفي تلك اللحظة بالذات، تجمدت حركته تمامًا وشعر بالدم يبرد ويتراجع في عروقه من فرط الصدمة.

كانت الرسمة في ظاهرها بسيطة للغاية، منفذة بخطوط قلم الرصاص؛ رجل وحيد بطول فارع يقف أمام منزل يشبه منزله هذا تمامًا، وإلى جانبه يقف طفل صغير يمسك بيده. لكن ما جعل الرعب يتسلل إلى أعماق كرم ويثير دهشته المطلقة، هو أن الرسام الصغير آدم لم يكتفِ بهما؛ بل أضاف بعناية أربعة أشخاص آخرين يقفون في خلفية المشهد وراء الرجل والطفل. امرأة بملامح ناعمة، وطفلان صغيران بجوارها، مرسومون كلهم بخطوط باهتة للغاية وخفيفة، أقرب ما يكونون إلى الأطياف أو الظلال العابرة التي لا تنتمي لعالم الأحياء. حدق كرم في تفاصيل الورقة وقتًا طويلًا وصمت مطبق يلف كيانه، ثم رفع رأسه ببطء نحو آدم وسأله بنبرة ترتجف: "من هؤلاء يا آدم؟ ومن أين تعرفهم؟". لم يجب الطفل على السؤال، وفقط ظل ينظر إليه بثبات، بذات الهدوء الغامض والمريب الذي رافقه منذ لحظة ظهوره الأولى على عتبة الباب المبللة؛ وفي تلك اللحظة بالذات، شعر كرم وللمرة الأولى بيقين تام يتسلل إلى قلبه، بأن وجود آدم في حياته الآن قد لا يكون مجرد صدفة عابرة من صدف الحياة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الطفل عند العتبة   الفصل الثالث

    الفصل الثالث: زيارة بعد الظهر وتصدعات العزلةوصلت هناء بعد الساعة الثالثة بقليل، مخلّفة وراءها جلبة الشارع التي ترفض دائماً التوقف. كان كرم يجلس في بقعته المعتادة، غارقاً في أفكاره، عندما تناهى إلى مسامعه صوت محرك سيارتها المألوف وهو يتهادى ثم يتوقف فجأة أمام المنزل. تبع ذلك للحظات صوت ميكانيكي حاد لإغلاق باب السيارة الخارجي، وهو ما أعلن رسمياً انتهاء ساعات الهدوء الاختياري التي فرضها على نفسه منذ الصباح.وقف كرم في مكانه لبرهة ممتدة قبل أن يقرر النهوض لاستقبالها؛ ففي أعماقه لم يكن مستعداً نفسياً أو ذهنياً لزيارة أي شخص، ولا يملك القدرة على خوض حوارات اجتماعية تذكره بما كان وبما أضحى عليه. لكنه في الوقت ذاته، لم يكن يملك ترف الرفض أو إغلاق الباب في وجه شقيقته التي تقاسمه جينات الوجع والقلق.سمع طرقاً خفيفاً ومتتابعاً على الخشب، فتحرك بخطى وئيدة، ثم مد يده وأدار المقبض ليفتح لها. كانت هناء تقف هناك، يلفحها هواء العصر البارد، وتحمل في يديها كيسين ورقيين كبيرين يفوح منهما غبار المتاجر، بينما ترتسم على وجهها تلك النظرة المتعبة والمليئة بالهموم كعادتها في الآونة الأخيرة.دخلت دون أن تنتظر

  • الطفل عند العتبة   الفصل الثاني

    الفصل الثاني: أطياف الغسق والظلال الصامتةاستيقظ كرم على ضوء رمادي باهت وكئيب يتسلل على نحو متقطع من بين شقوق الستائر المخملية المغلقة بإحكام منذ أسابيع. لبضع ثوانٍ ضبابية ومبهمة، لم يتذكر بدقة أين هو، أو ما الذي يفعله مستلقيًا بهيئته تلك. تلك الثواني القصيرة والمسروقة التي تسبق عودة الوعي الكامل واليقظة التامة كانت دائمًا الأرحم بقلبه المكلوم؛ فخلالها ينسى عقله الباطن الحادثة المروعة، ينسى تفاصيل المقبرة الباردة والتراب، وينسى كليًا هذا البيت الكبير الفارغ الذي أضحى كقبر موحش. ثم، بلا أي مقدمات، تعود الحقيقة المرة لتهاجمه بقسوة وتنقض عليه دفعة واحدة، حاملة معها ثقل العالم وأوجاعه.أغمض عينيه مجددًا بقوة، علّه يستعيد شيئًا من ذلك الغياب المؤقت، وظل مستلقيًا بلا حراك على الكرسي الخشبي ذي المساند المهترئة الذي نام عليه مكرهًا طوال الليل، قرب الأريكة التي آوت زائره الصغير. كانت رقبته تؤلمه بشدة جراء الالتفاتة الخاطئة، وظهره بدا متيبسًا ومتصلبًا من تلك الجلسة الطويلة وغير المريحة. أدار رأسه ببطء ونحو الأريكة المجاورة، وتجمدت حركته فجأة حين وقعت عيناه على المشهد؛ الغطاء الصوفي الرمادي ما ز

  • الطفل عند العتبة   الفصل الأول

    الفصل الأول: غبار الصمت ونقر على الخشبالساعة المعلقة على الحائط لم تكن تدور كعادتها، لكن عقرب الثواني كان يرتجف في مكانه كأنه يحاول الفكاك من قيد غير مرئي يمنعه من التقدم، يصارع ليعلن مرور الوقت دون جدوى. تك… تك… تك… صوت خفيض، رتيب، ومستمر، لا يسمعه أحد في هذا البيت الواسع الساكن سواه. كان هذا الصوت يتردد في أرجاء الغرفة المظلمة مثل دقات قلب واهن يحتضر ببطء.يقولون إن الإنسان إذا فقد كل شيء دفعة واحدة، وفقد معه كل الأسباب التي تجعله يستيقظ في الصباح، يصبح الزمن بالنسبة له شيئًا غريبًا ومشوهًا. لا يتوقف الزمن تمامًا بالمعنى الفيزيائي، لكنه يفقد معناه وقيمته وجوهره. الأيام تمر في الخارج متلاحقة، والشمس تشرق وتغيب معلنةً بدايه ونهاية روتينية، والناس يذهبون إلى أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم حاملين تفاصيل حياتهم الصغيرة، بينما يبقى هو هنا، وحيدًا، عالقًا في اللحظة نفسها التي تحطم فيها كل شيء.بالنسبة لكرم، لم يكن الزمن قد تجاوز تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد. ليلة المطر الغزير الذي كان يغسل الشوارع ولا يغسل الأحزان، ليلة الشاحنة الضخمة التي ظهرت من عدم لتلتهم أحلامه، وليل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status