تسجيل الدخولالفصل الثالث: زيارة بعد الظهر وتصدعات العزلة
وصلت هناء بعد الساعة الثالثة بقليل، مخلّفة وراءها جلبة الشارع التي ترفض دائماً التوقف. كان كرم يجلس في بقعته المعتادة، غارقاً في أفكاره، عندما تناهى إلى مسامعه صوت محرك سيارتها المألوف وهو يتهادى ثم يتوقف فجأة أمام المنزل. تبع ذلك للحظات صوت ميكانيكي حاد لإغلاق باب السيارة الخارجي، وهو ما أعلن رسمياً انتهاء ساعات الهدوء الاختياري التي فرضها على نفسه منذ الصباح. وقف كرم في مكانه لبرهة ممتدة قبل أن يقرر النهوض لاستقبالها؛ ففي أعماقه لم يكن مستعداً نفسياً أو ذهنياً لزيارة أي شخص، ولا يملك القدرة على خوض حوارات اجتماعية تذكره بما كان وبما أضحى عليه. لكنه في الوقت ذاته، لم يكن يملك ترف الرفض أو إغلاق الباب في وجه شقيقته التي تقاسمه جينات الوجع والقلق. سمع طرقاً خفيفاً ومتتابعاً على الخشب، فتحرك بخطى وئيدة، ثم مد يده وأدار المقبض ليفتح لها. كانت هناء تقف هناك، يلفحها هواء العصر البارد، وتحمل في يديها كيسين ورقيين كبيرين يفوح منهما غبار المتاجر، بينما ترتسم على وجهها تلك النظرة المتعبة والمليئة بالهموم كعادتها في الآونة الأخيرة. دخلت دون أن تنتظر منه جواباً أو دعوة ترحيبية، والتفتت إليه قائلة بنبرة عتاب مبطنة بالخوف: "لسه على نفس الحالة؟ لسه عايش في العتمة دي؟". لم يجد كرم في جعبته ما يدافع به عن عزلته، فاكتفى بإجابة مقتضبة وجافة كعادته: "تقريبًا". وضعت الأكياس الورقية بثقل على الطاولة الزجاجية في الممر، ثم بدأت عيناها تتجولان في أرجاء المكان ببطء شديد، وكأنها لا تنظر إلى الجدران بقدر ما تبحث عن تفاصيل غير مذكورة، أو أثر لشيء غامض لم يخبر المستمعين عنه في مكالمته بالأمس. استدارت هناء بكامل جسدها، وأخذت نفساً عميقاً وهي تتأمل سكون الصالة، ثم قالت بنبرة يملؤها التعجب: "البيت شكله أهدى بكتير من آخر مرة جيت فيها، كأن الغبار نفسه توقف عن الحركة". علق كرم ببرود: "يمكن"، وساد بين الشقيقين صمت قصير وسميك، محمل بالكلمات المعلقة التي لا يجرؤ أي منهما على النطق بها. في تلك الأثناء، كان آدم متواجداً في غرفة المعيشة، يجلس على السجادة الرمادية قرب طرف الأريكة، يستغرق بكل كيانه في تقليب صفحات كتاب مصور قديم دون أن يصدر منه أدنى جلبة. لكن، ما إن وصل إلى مسامعه صوت فتح الباب الخارجي ونبرة صوت هناء، حتى تحرك بسرعة خاطفة ومرونة مذهلة؛ ابتعد قليلًا باتجاه الممر الضيق المؤدي إلى الغرف الخلفية. لم يركض، ولم يطلق أي صرخة ذعر، بل انساب بخفة كأنه ظل يتحرك على جدار، واختفى تماماً من مجال النظر المباشر قبل أن تلمحه العين. التفتت هناء تلقائياً نحو مصدر الحركة الخفيفة التي شعرت بها ولم ترها، وضقّت عيناها بشك، ثم وجهت نظرتها إلى كرم وسألته مباشرة: "في حدا غيرك هون؟ حسيت إن في حركة غريبة في الممر". تردد كرم للحظة، ودارت في عقله آلاف السيناريوهات، لكنه قرر مواجهة الموقف فقال بصوت خفيض: "نعم". رفعت هناء حاجبها الأيسر بذهول واستنكار، وتابعت مستفسرة: "مين؟ مين ممكن يكون عندك في الوقت ده وأنت قافل على نفسك؟". أجابها بنبرة هادئة: "طفل". تيبست هناء في مكانها، وتركت الأكياس من يدها، وكأن الكلمة صدمتها: "طفل؟! طفل مين يا كرم؟". قال وعيناه تراقبان الممر: "اسمه آدم". ابتسمت هناء ابتسامة قصيرة وساخرة، حملت في طياتها مزيجاً من عدم التصديق والشفقة على حال شقيقها، وقالت: "كرم… من وين طلع لك طفل فجأة؟ أنت مش متخيل أنت بتقول إيه، صح؟". لم يجب كرم على سؤالها فوراً، بل بقي صامتاً يراقب رد فعلها. وفي تلك اللحظة بالذات، مرّ صوت حفيف خفيف للغاية، يشبه ملامسة قماش ناعم للأرض، انبعث من جهة الممر المظلم. كان الصوت كفيلًا بأن يجعل هناء تلتفت تلقائياً نحو مصدره، متخلية عن حوارها مع كرم. لكن الممر، كعادتها في كل مرة تحاول التدقيق، كان فارغاً تماماً ولا يظهر فيه سوى خيوط الضوء الباهتة. قالت وهي تتقدم خطوة: "أنت سمعت الصوت ده؟ أنا متأكدة إن في شيء تحرك هناك". رد كرم بسرعة محاولاً تشتيت انتباهها: "يمكن الصوت جاي من المطبخ، الحنفية بتسرب ميه أحياناً". لم تقنع إجابة كرم فضول هناء، فتقدمت بخطوات حازمة نحو الممر، ونادت بصوت منخفض ومتردد: "آدم؟ هل في حد هنا؟". لم يأتِها أي جواب سوى صدى صوتها المرتد من الجدران الباردة. تقدمت أكثر وفتحت باب المطبخ بحركة سريعة؛ كان المطبخ فارغاً، والأواني في مكانها، ولا أثر لأي كائن حي. اتجهت فوراً نحو غرفة النوم الرئيسية وفتحت الباب؛ فبدت لها الغرفة فارغة وموحشة بأغطيتها المرتبة التي لم تلمس. عادت هناء إلى غرفة المعيشة وهي ترفع حاجبها تعبيراً عن حيرتها وقلقها المتزايد، وقالت: "كرم، ما في حدا في البيت. أنت متأكد إنك بخير؟". نظر إليها بثبات وقال: "كان هون قبل دقيقة واحدة، أنا مش مجنون يا هناء". سألته بضيق: "طيب وين راح يعني؟ طار؟". قبل أن يجد كرم الكلمات المناسبة للإجابة والدفاع عن قواه العقلية، سمعا معاً صوتاً خفيفاً جداً ونقراً لا يكاد يُذكر، ينبعث من الأسفل، تحديداً من تحت الطاولة الخشبية الصغيرة الموضوعة في زاوية الغرفة قرب الأريكة. انحنت هناء بسرعة البرق، مدفوعة بفضول عارم وغريزة البحث، ورفعت بيدها طرف الغطاء الصوفي الصغير المتدلي من فوق الطاولة ليحجب ما تحتها. في تلك اللحظة، انكشفت الحقيقة؛ انكمش آدم فوراً في مكان ضيق للغاية بين قوائم الطاولة الخشبية وظهير الأريكة، واضعاً ركبتيه الصغيرتين إلى صدره ومحتمياً بذراعيه. رفع رأسه ونظر إلى هناء بعينين بنيتين واسعتين يملؤهما مزيج من الترقب والهدوء الغريب، ولم ينطق بكلمة واحدة، بل تيبس في مكانه كعصفور صغير حوصر في عش. ابتسمت هناء بدهشة خفيفة تداخلت مع شعور بالارتياح لأن شقيقها لم يكن يتوهم، وقالت بنبرة حانية حاولت بها تبديد خوفه: "هاي… شو بتعمل هون في الضلمة دي؟". ظل الطفل صامتاً كعادته، ولم يصدر عنه أي رد فعل تجاه كلماتها، بل أدار مقلتيه ببطء ونظر إلى كرم بنظرة عميقة ومطولة، كأنه يستأذنه في البقاء أو يبحث عنده عن الأمان والملجأ من هذه الدخيلة. تدخل كرم لكسر حدة الموقف، وقال بصوت هادئ ورزين: "هذا هو آدم الذي أخبرتكِ عنه". اقتربت هناء منه أكثر، وانحنت بكامل جسدها لتكون في نفس مستواه البصري، وسألته برفق: "ليش مخبي حالك منا يا شاطر؟ في حد بيخاف من البيت؟". تردد الطفل لثوانٍ بدت طويلة، ونظر إلى هناء ثم إلى كرم، وفي حركة بطيئة للغاية، رفع إصبعه الصغير وأشار بها إلى صدره، ثم وجه الإشارة ببطء نحو هناء. لم يفهم كرم مغزى هذه الإشارة الصامتة وظنها مجرد عبث طفولي، لكن آدم حطم الصمت أخيرًا، وتحدث بصوت منخفض جداً، أقرب إلى الهمس المبحوح الذي يكاد لا يُسمع: "هو بخجل من الغرباء". ساد صمت قصير في أرجاء الغرفة بعد سماع صوته الأول؛ صمت حمل معه دهشة هناء التي التفتت إلى كرم بنظرة تعجب، قبل أن تعود وتبتسم للطفل قائلة: "طيب، أنا مش غريبة يا آدم. أنا هناء، عمة صاحبك كرم، يعني تقدر تعتبرني من العيلة". لم يوجه آدم أي إجابة لفظية لكلامها، بل ظل ينظر إلى الأرض الخشبية، متأملًا خطوطها بعمق. ثم، وببطء شديد، زحف قليلًا للخارج مستخدماً يديه وركبتيه، لكنه لم يخرج بالكامل من مكانه المحمي تحت الطاولة؛ بل بقي قريباً جداً من الأريكة، متقوقعاً بطريقة تجعله يبدو مستعداً للاختفاء والتواري مرة ثانية في أي لحظة يشعر فيها بالتهديد أو بالتركيز البصري عليه. جلست هناء على الأريكة بتعب، مرجعة ظهرها إلى الخلف، ووجهت نظرتها إلى كرم قائلة: "طيب، فهمنا إنه خجول... بس كيف تعرفتوا على بعض؟ وكيف وصل لهنا في الظروف دي؟". تدخل كرم بسرعة ليقطع الطريق على أي أسئلة قد تزعج الطفل: "لقيته واقف عند الباب الخارجي قبل يومين، في عز المطر والبرد". سألته بصدمة: "لحاله؟ في نص الليل؟"، فهز كرم رأسه إيجاباً وهو ينظر إلى آدم. التفتت هناء بكامل تركيزها نحو الطفل الذي ما زال قابعاً في ظل الأريكة، وسألته بنبرة جادة لكنها دافئة: "آدم، قولي يا حبيبي... وين أهلك؟ وين بيتكم؟". لم يتكلم الطفل، بل اكتفى بهز رأسه يميناً ويساراً مرة أخرى معلناً الجهل التام والرفض. حل الصمت مجدداً على الغرفة، صمت ثقيل ومحمل بالأسئلة والمعضلات. ثم، وبطريقة أصبحت مألوفة لكرم، مد آدم يده الصغيرة نحو الطاولة، والتقط الدفتر الأبيض والقلم اللذين يرافقهما دائماً. بدأ الطفل يكتب على الورقة ببطء شديد، ضاغطاً بالقلم وكأنه ينحت الكلمات نحتاً، ثم دفع الدفتر برفق نحو هناء لتراه. التقطت هناء الدفتر وقرأت الكلمتين المكتوبتين بخط طفولي متزن: "ما بعرف". سكتت هناء لثوانٍ طويلة، وتأملت الخط والكلام، ثم أطلقت زفرة حارة وتنهدت بعمق قائلة: "طيب… الموضوع ده مش طبيعي، ولازم نلاقي أهله في أسرع وقت. ما ينفعش يفضل كدة". لم يرد الطفل على اقتراحها، لكن عينيه لم ترتفعا عن الأرض أبداً، وكأنه يعلن رفضه المبطن لكل محاولات البحث والتقصي تلك. مرت الزيارة بعد ذلك بشكل طبيعي في ظاهرها، لكنها كانت مشحونة بالتفاصيل غير الطبيعية في باطنها. جلست هناء تتحدث باسهاب عن أمور العائلة، وعن ضغوط العمل اليومية، وعن صحة والدتهما القلقة على كرم وعزلته. كان كرم يستمع إليها بجسده، لكن عقله كان مشتتاً، ويجيب أحياناً بكلمات قصيرة ومبتورة ليثبت لها أنه ما زال على قيد الحياة ومستمعاً لما تقول. أما آدم، فبقي طوال الوقت متمركزاً قرب مدخل الممر، يتخذ من العتمة الخفيفة هناك درعاً له. كانت حركة آدم مثيرة للريبة والدهشة في آن واحد؛ فقد كان يظهر بوضوح في زوايا الغرفة حين لا يُنتبه له أو حين ينشغل الشقيقان بالحديث، ولكنه يختفي بسرعة البرق كأنه يتبخر بمجرد أن يُلتفت إليه مباشرة أو تتوجه العيون نحو بقعته. تارة تلمحه هناء يجلس على طرف الأريكة البعيد، وتارة تراه يقف خلف الباب يراقب بصمت، وتارة أخرى تجده قرب مدخل المطبخ يتأمل الفراغ. كأنه كان يبذل جهداً واشياً ليتجنب أن يكون في مركز النظر، أو يكون تحت بؤرة الضوء المباشرة لأي إنسان. في لحظة ما من الحديث، وبينما كانت هناء ترتب الأكياس الورقية وتخرج منها بعض الأواني والأطعمة التي جلبتها، قالت بعفوية: "على فكرة يا كرم، فيه طفل جيران عندنا في الحي بنفس العمر ده تقريبًا، وشكله ضايع برضه في دراسته". ما إن نطق بهذه الجملة، حتى رفع آدم رأسه بسرعة خاطفة ونظر إليها بنظرة حادة ومليئة بالترقب. لكن هناء لم تكن تنظر إليه في تلك اللحظة بالذات، بل كانت مشغولة بترتيب الأغراض، فبدا الموقف غريباً؛ كأن الجملة وعفوية الطرح لم تكن موجهة له أصلاً، لكنها أثارت في نفسه شيئاً عميقاً جعله يتخلى عن صمته لثوانٍ قبل أن يعود ويطأطئ رأسه مجدداً مستسلماً لظله. قبل المغادرة بقليل، وقفت هناء عند الباب الخارجي مستعدة للرحيل، والتفتت إلى كرم بنظرة حازمة لا تقبل النقاش، وقالت: "أنا ماشية دلوقتي، بس بدي أشوفك غدًا عند ماما في البيت. هي مستنياك بقالها كتير". أجابها كرم بتهرب مألوف: "بحاول، لو الظروف سمحت همر". ردت عليه بلهجة آمرة وصارمة: "مو بحاول يا كرم، بتجي يعني بتجي. مش هسيبك تموت هنا في الوحدة دي". ابتسم كرم ابتسامة باهتة للغاية، ظهرت على شفتيه ولم تصل لعينيه الحزينتين، وقال مستسلماً لإلحاحها: "تمام، هجيب". فتحت الباب وغادرت المنزل متوجهة نحو سيارتها، وأغلق كرم الباب الخلفي وراءها ببطء شديد، ليعود الصمت الثقيل والمألوف ليتسرب مجدداً إلى أركان البيت، كأنه يملأ الفراغ الذي خلّفته كلماتها وحركتها. عاد كرم إلى غرفة المعيشة وجلس على الأريكة بتعب، حانياً ظهره ومسنداً برأسه على كفيه. في تلك الأثناء، كان آدم قد تحرك من الممر واستقر في أقصى زاوية مظلمة من الغرفة، وعيناه البنيتان تراقبان الباب الخشبي المغلق بثبات. سأله كرم بنبرة هادئة ومحاورة: "آدم… ليش اختبأت تحت الطاولة لما هناء دخلت؟". تردد الطفل لثوانٍ، وحرك أصابعه في توتر، ثم قال بصوت منخفض ومبحوح: "بخاف من الغرباء، ما بحب الأسئلة". رد عليه كرم محاولاً طمأنته: "هي مش غريبة يا آدم، دي أختي هناء، وهي طيبة ومش هتعملك حاجة". هز الطفل كتفيه الصغيرين في لا مبالاة طفولية وقال: "بس أنا ما بعرفها، وكل اللي ما بعرفهم غرباء". سكت كرم لبرهة، يتأمل الإجابة العميقة التي صدرت من هذا الجسد الصغير، ثم تابع مستفسراً عن السلوك الذي لفت انتباهه طوال الساعات الماضية: "طيب… ليش كل مرة بتختفي أو بتنسحب في الضلمة لما حدا يدخل البيت أو يبص عليك مباشرة؟". نظر إليه الطفل بنظرة طويلة غطتها ملامح الغموض، ثم التقط القلم وكتب في الدفتر جملة واحدة، ودفع بها نحو كرم. قرأ كرم الجملة المكتوبة بصمت تام: "بريحني أختفي شوي، بريحني أكون مش موجود". قرأ كرم الكلمات مراراً وتكراراً، ولم يجد في عقله أي رد مناسب يمكن أن يقال لطفل يطلب التلاشي. لكن في أعماق قلبه، وبشكل تدريجي وخفي، بدأ شعور غريب وغير مريح بالتشكل والتضخم؛ لم يكن هذا الشعور خوفاً من خطر جسدي، بل كان شيئاً أقرب إلى السؤال الفلسفي الكبير والمقلق حول ماهية هذا الطفل، وكيف لجسد صغير أن يحمل كل هذا الغموض والهدوء الإعجازي وسط عاصفة من الفقد والدمار.الفصل الثالث: زيارة بعد الظهر وتصدعات العزلةوصلت هناء بعد الساعة الثالثة بقليل، مخلّفة وراءها جلبة الشارع التي ترفض دائماً التوقف. كان كرم يجلس في بقعته المعتادة، غارقاً في أفكاره، عندما تناهى إلى مسامعه صوت محرك سيارتها المألوف وهو يتهادى ثم يتوقف فجأة أمام المنزل. تبع ذلك للحظات صوت ميكانيكي حاد لإغلاق باب السيارة الخارجي، وهو ما أعلن رسمياً انتهاء ساعات الهدوء الاختياري التي فرضها على نفسه منذ الصباح.وقف كرم في مكانه لبرهة ممتدة قبل أن يقرر النهوض لاستقبالها؛ ففي أعماقه لم يكن مستعداً نفسياً أو ذهنياً لزيارة أي شخص، ولا يملك القدرة على خوض حوارات اجتماعية تذكره بما كان وبما أضحى عليه. لكنه في الوقت ذاته، لم يكن يملك ترف الرفض أو إغلاق الباب في وجه شقيقته التي تقاسمه جينات الوجع والقلق.سمع طرقاً خفيفاً ومتتابعاً على الخشب، فتحرك بخطى وئيدة، ثم مد يده وأدار المقبض ليفتح لها. كانت هناء تقف هناك، يلفحها هواء العصر البارد، وتحمل في يديها كيسين ورقيين كبيرين يفوح منهما غبار المتاجر، بينما ترتسم على وجهها تلك النظرة المتعبة والمليئة بالهموم كعادتها في الآونة الأخيرة.دخلت دون أن تنتظر
الفصل الثاني: أطياف الغسق والظلال الصامتةاستيقظ كرم على ضوء رمادي باهت وكئيب يتسلل على نحو متقطع من بين شقوق الستائر المخملية المغلقة بإحكام منذ أسابيع. لبضع ثوانٍ ضبابية ومبهمة، لم يتذكر بدقة أين هو، أو ما الذي يفعله مستلقيًا بهيئته تلك. تلك الثواني القصيرة والمسروقة التي تسبق عودة الوعي الكامل واليقظة التامة كانت دائمًا الأرحم بقلبه المكلوم؛ فخلالها ينسى عقله الباطن الحادثة المروعة، ينسى تفاصيل المقبرة الباردة والتراب، وينسى كليًا هذا البيت الكبير الفارغ الذي أضحى كقبر موحش. ثم، بلا أي مقدمات، تعود الحقيقة المرة لتهاجمه بقسوة وتنقض عليه دفعة واحدة، حاملة معها ثقل العالم وأوجاعه.أغمض عينيه مجددًا بقوة، علّه يستعيد شيئًا من ذلك الغياب المؤقت، وظل مستلقيًا بلا حراك على الكرسي الخشبي ذي المساند المهترئة الذي نام عليه مكرهًا طوال الليل، قرب الأريكة التي آوت زائره الصغير. كانت رقبته تؤلمه بشدة جراء الالتفاتة الخاطئة، وظهره بدا متيبسًا ومتصلبًا من تلك الجلسة الطويلة وغير المريحة. أدار رأسه ببطء ونحو الأريكة المجاورة، وتجمدت حركته فجأة حين وقعت عيناه على المشهد؛ الغطاء الصوفي الرمادي ما ز
الفصل الأول: غبار الصمت ونقر على الخشبالساعة المعلقة على الحائط لم تكن تدور كعادتها، لكن عقرب الثواني كان يرتجف في مكانه كأنه يحاول الفكاك من قيد غير مرئي يمنعه من التقدم، يصارع ليعلن مرور الوقت دون جدوى. تك… تك… تك… صوت خفيض، رتيب، ومستمر، لا يسمعه أحد في هذا البيت الواسع الساكن سواه. كان هذا الصوت يتردد في أرجاء الغرفة المظلمة مثل دقات قلب واهن يحتضر ببطء.يقولون إن الإنسان إذا فقد كل شيء دفعة واحدة، وفقد معه كل الأسباب التي تجعله يستيقظ في الصباح، يصبح الزمن بالنسبة له شيئًا غريبًا ومشوهًا. لا يتوقف الزمن تمامًا بالمعنى الفيزيائي، لكنه يفقد معناه وقيمته وجوهره. الأيام تمر في الخارج متلاحقة، والشمس تشرق وتغيب معلنةً بدايه ونهاية روتينية، والناس يذهبون إلى أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم حاملين تفاصيل حياتهم الصغيرة، بينما يبقى هو هنا، وحيدًا، عالقًا في اللحظة نفسها التي تحطم فيها كل شيء.بالنسبة لكرم، لم يكن الزمن قد تجاوز تلك الليلة المشؤومة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد. ليلة المطر الغزير الذي كان يغسل الشوارع ولا يغسل الأحزان، ليلة الشاحنة الضخمة التي ظهرت من عدم لتلتهم أحلامه، وليل







