로그인لم تكن سماء فلورنسا تلك الليلة سوى رداء أسود ممزق، حيث تجمعت السحب الرعدية الثقيلة فوق القباب التاريخية والجسور العتيقة، لتمحو أي أثر للضوء القمري الذي كان يمنح المدينة سحرها المعهود. كانت العاصفة قد بدأت لتوها، بحبات مطر تشبه في حدتها شظايا الزجاج، تصطدم بجدران السيارات المصفحة انسيابية الصنع، بينما كانت القافلة المؤلفة من سيارتين سوداوين تخترق أزقة المدينة الضيقة بخطوات خفية، كأنها أشباح من حديد ترفض أن يلحظها كائن. داخل السيارة الرئيسية، كان أليساندرو يجلس وإيلينا بجانبه، يداه تقبضان على مقود السيارة بقوة أرستقراطية صامتة، وعيناه الرماديتان ترصدان كل ظل يتحرك خلف الزجاج المظلم، بينما كانت إيلينا تغرق في أفكارها، وتتلمس بأصابعها تلك الحقيبة الجلدية التي تحمل أدوات الترميم الدقيقة التي قد تكون هي المفتاح لإنقاذ إمبراطورية الكامورا من الانهيار.في السيارة الثانية، كانت الأجواء أكثر مشحونة بالترقب والهدوء المريب. كلارا كانت تجلس في المقعد الخلفي، تحدق من النافذة إلى شوارع المدينة التي تعرفها جيداً، لكنها الليلة بدت وكأنها أروقة في كابوس مجهول؛ فقد تحولت فلورنسا التي تعشقها إلى مسرح لصر
انبعث وهج أزرق بارد من الشاشات الرقمية الشاسعة الممتدة على طول الجدار الرئيسي لغرفة العمليات المحصنة تحت الأرض، لـيكسر عتمة المساحة الفولاذية التي لم تكن تطؤها سوى أقدام النخبة من عائلة الكامورا. تحرك ماركو بخطوات عسكرية سريعة ورنانة فوق الأرضية المعدنية الصقيلة، متوقفاً أمام طاولة التخطيط البلورية الضخمة التي كانت تعرض خريطة طبوغرافية ثلاثية الأبعاد لمدينة فلورنسا القديمة بأزقتها وشوارعها الحجرية الملتوية. وقف أليساندرو بجانبه بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية المهيبة، واضعاً كفيه القويتين فوق حافة الطاولة، وعيناه الرماديتان اللتان تشبهان الرخام البارد تحدقان في التقاطعات المضيئة بتركيز صارم، بينما كانت إيلينا وكلارا تقفان في الزاوية الخلفية للغرفة، تحت حراسة مشددة، والذعر والوجل باديان على ملامحهما الشاحبة إثر استدعائهما المفاجئ وسط أجواء الاستنفار.تحركت أصابع ماركو بسرعة فوق لوحة التحكم، لـتختفي الخرائط العسكرية وتحل محلها صور لوثائق ومخطوطات أثرية قديمة مكتوبة بحبر لاتيني باهت ومختومة بأختام شمعية حمراء تحمل شعار العقرب الممتد. ونبس ماركو بصوته الرخيم المنخفض الذي تردد صداه الحا
غادرت كلارا قاعة الموسيقى الفسيحة مع اقتراب خيوط المساء الأولى، حاملة في أعماق وعيها أطياف تلك المعزوفة الشجية والوعود السرية الصامتة التي غزلها ماركو بعينيه الدافئتين في عتمة الزوايا التي خلت من وعيد السلاح. عادت بخطوات متباطئة إلى الجناح الملكي الغربي حيث كانت إيلينا تنتظرها بشغف حذر، جالية أمام المدفأة الحجرية الضخمة الشاهقة الارتفاع، والتي أُشعلت فيها بعض حطب الصنوبر المعتق لـتطرد برودة الليل التوسكاني القاسية المتسللة عبر الشرفات العريضة ذات الستائر المخملية الثقيلة. كانت الإضاءة داخل الجناح خافتة ودافئة، تقتصر بالكامل على لهيب النار البرتقالي المتراقص في جوف الحجر وعبر وميش الشموع المعتقة الموضوعة فوق حوامل فضية طويلة ومزخرفة بنقوش أثرية، مما أضفى على الأرجاء الشاسعة أجواء مشحونة بالترقب والهدوء الحذر الذي يسبق العواصف الهوجاء. جلست كلارا بجانب إيلينا فوق الأريكة المخملية الوثيرة ذات اللون القرمزي الداكن، والتفتت إليها إيلينا بنظرة عسيلية حادة وصافية، تفحصت بها ملامح وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين بذكاء المرممة المحترفة التي تقرأ ما بين السطور وتستشف خفايا
كانت الممرات المؤدية إلى الجناح الملكي للموسيقى في الطابق الأوسط من القصر تمتاز بظلالها الممتدة وأرضيتها المصنوعة من خشب الباركيه الداكن الذي يعود للقرن الثامن عشر، والذي كان يصدر صريراً خفيفاً شبه غير مسموع تحت الخطوات المتوجسة. سارت كلارا بجانب إيلينا، وكانت يداها لا تزالان ترتجفان ببطء جراء وطأة المواجهة التي دارت على مائدة الإفطار؛ فالأجواء المرعبة المحيطة بأسوار الكامورا لم تكن شيئاً يسهل على فتاة اعتادت الحياة البسيطة في أزقة فلورنسا أن تتأقلم معه بين ليلة وضحاها. فتحت إيلينا الأبواب المزدوجة الشاهقة ذات المقابض النحاسية المزخرفة، لتكشف عن قاعة الموسيقى التي غمرتها خيوط الشمس الذهبية المنسابة من النوافذ الطولية المطلة على الحديقة الخلفية، حيث كانت أشجار الليمون والورد الجوري تتراقص مع نسمات الصباح.في منتصف القاعة الفسيحة، تربع بيانو ضخم من طراز "ستاينواي" باللون الأسود اللامع، يعكس بريقه جدران القاعة المكسوة بالحرير الدمشقي المقصب. ارتمت كلارا على المقعد المخملي الطويل المخصص للعزف، وأسندت جبينها البارد على حافة الخشب الصقيل، مستنشقة رائحة الشمع والورق القديم المنبعثة من نوتات
لم تكن الأروقة الملتوية المؤدية إلى عمق البرج الشمالي للقصر تشبه بقية الممرات؛ هنا كان التاريخ يهمس من خلف التماثيل الرخامية النادرة التي تآكلت أطرافها بفعل عوادي الزمن، بينما تزينت الجدران الحجرية بسجاد "أوبيسون" العتيق والمغزول يدوياً ليروي في طياته تفاصيل معارك ملحمية منسية لعائلات إيطاليا القديمة. صعد أليساندرو السلالم الحلزونية الضيقة بخطوات واثقة، متزنة، ولها رنين حاد يتردد في الفراغ، تتبعه إيلينا التي كانت ترفع أطراف ثوبها النيلي بحذر وتوجس، متأملة الضوء الفضي الذي كان يزداد كثافة وعنفواناً كلما اقتربا من قمة البرج الشاهق. وعندما دفع أليساندرو الباب الخشبي الضخم المصفح بالحديد المصقول، حبست إيلينا أنفاسها في صدرها جراء المشهد الباذخ الذي ارتمى أمام عينيها الذهلتين؛ لقد كان مرسماً ملكياً شاسع الأركان، صُمم خصيصاً بنوافذ فرنسية دائرية عملاقة تمتد من السقف المقوس وحتى الأرضية الرخامية البيضاء ذات العروق الرمادية، كاشفة عن إطلالة ساحرة تحبس الأنفاس لتلال "فيسولي" الخضراء والممتدة، وضباب الصباح البارد الذي يداعب قمم أشجار السرو الشامخة في الأفق البعيد.المكان كان مجهزاً ب
لم يكن النور المنساب من النوافذ القوطية الشاهقة لقاعة الطعام الكبرى كافياً لطرد الهيبة القاتمة التي فرضتها الجدران الحجرية الداكنة، والأسلحة الآلية الثقيلة التي كان يحملها رجال الحراسة الواقفون خلف الأعمدة الرخامية الضخمة كالتماثيل الصامتة التي لا تبخل بالحذر. كانت المائدة الطويلة الممتدة في منتصف القاعة، والمصنوعة من خشب الجوز الإيطالي القديم، تبدو وكأنها مسرح لتناقض صارخ؛ إذ غُطيت بمفرش حريري ناصع البياض مطرز بخيوط الذهب الخالص عند الحواف، ومحملة بأوانٍ فضية عتيقة صُقلت بعناية لتعكس الوميض الخافت للثريا الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف الخشبي المحفور. كانت الأطباق تحوي ما لذ وطاب من أصناف الفطور الأرستقراطي؛ من معجنات فلورنسية دافئة تنبعث منها رائحة الزبدة الطازجة، وأجبان معتقة جُلبت خصيصاً من مزارع الشمال، وفواكه استوائية نضرة قطعت بتنسيق بديع، إلى جانب كؤوس الكريستال التي امتلأت بالعصائر الملونة والمياه النقية. هذا التناقض المرعب بين منتهى الرفاهية المادية ومنتهى الترقب العسكري كان يفرض على الأجواء صمتاً مشحوناً وثقيلاً، لا يقطعه سوى رنين الفضيات الخفيف وتكهنات النفوس الوجلة
انطلقت القافلة الصغيرة المكونة من ثلاث سيارات سوداء مصفحة، تنساب بهدوء مريب في الشوارع الحجرية القديمة لوسط مدينة فلورنسا، ولم يكسر هدوء الليل سوى الحفيف الخافت للعجلات الفولاذية فوق الرصيف الأثري. توقفت السيارات في زاوية معتمة بعيدة عن الأنوار الباهرة، بالقرب من تلك البناية التاريخية القديمة ذات ا
لف السكون الرتيب أرجاء الجناح الغربي للقصر العتيق مع اقتراب ساعات الظهيرة الدافئة، وتسللت أشعة الشمس التوسكانية عبر النوافذ الزجاجية المقوسة لتغسل جدران المكتبة الأثرية بنور ذهبي وهاج. بدت الحركة هادئة تماماً داخل الحصن بعد أن انقشعت عاصفة الحروب وتلاشت تهديدات الخصوم بالخارج، وحل محل صخب الأسلحة م
ارتفع القمر الكامل في كبد السماء التوسكانية لينشر نوراً فضياً ساطعاً تخترق خيوطه الباردة النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، راسمة ظلالاً هندسية معقدة تتداخل مع رفوف خشب الجوز الداكنة. ساد السكون التام أرجاء القصر العتيق بعد أن خفتت حركة الأقدام في الباحات الخارجية، وباتت ممرات الجناح الغربي
تراجعت خطوط العصر بالكامل لتترك مساحة لغسق دافئ بدأ يفرش ظلاله القرمزية الناعمة فوق الطاولة الخشبية الدائرية الكبيرة للمكتبة الأثرية. بقيت الصناديق المخملية مفتوحة، وتناثرت المحابر الزجاجية المترعة بالألوان الزيتية النادرة التي أحضرها أليساندرو من عراقة فلورنسا القديمة؛ كان هناك اللون الأحمر القاني







