كانت فلورنسا في تلك الليلة تبدو وكأنها لوحة زيتية قديمة سُكبت فوقها ألوان قاتمة من الحبر والرماد. لم يكن المطر مجرد ماء ينهمر من السماء، بل كان أشبه بدموع ثقيلة تجري فوق وجنات التماثيل الرخامية المنتصبة في الساحات العتيقة، وتغسل أرصفة الشوارع الحجرية الضيقة التي شهدت على قرون من المؤامرات والدماء. انهمرت السماء بغزارة كأنها تحاول غسل خطايا المدينة، بينما كانت حبات المطر تضرب النوافذ الزجاجية للمباني الأثرية بعنف، مصدرة إيقاعاً رتيباً مرعباً، كأنه نذير شؤم يزحف ببطء نحو القلوب. في هذه الأجواء التي يلفها الضباب الغامق، كانت الأضواء الخافتة لمصابيح الشوارع الصفراء تتراقص على سطح المياه الراكدة في الأزقة، ترسم ظلالاً مشوهة تتحرك مع حركة الرياح العاصفة التي كانت تصفر بين الممرات الضيقة، حاملة معها برودة تقشعر لها الأبدان، ورائحة تراب مبلل يختلط برائحة البارود عن بعد.في قلب هذا السكون المشحون، وداخل إحدى الردهات الخلفية لملهى ليلي عتيق يقع في أطراف المدينة، كان يمتد عالم آخر تماماً؛ عالم لا تحكمه قوانين الدولة، بل تحكمه كلمة رجل واحد. كانت الغرفة واسعة، جدرانها مغطاة بخشب الجوز الداكن، وتت
Zuletzt aktualisiert : 2026-05-23 Mehr lesen