كانت فلورنسا في تلك الليلة تبدو وكأنها لوحة زيتية قديمة سُكبت فوقها ألوان قاتمة من الحبر والرماد. لم يكن المطر مجرد ماء ينهمر من السماء، بل كان أشبه بدموع ثقيلة تجري فوق وجنات التماثيل الرخامية المنتصبة في الساحات العتيقة، وتغسل أرصفة الشوارع الحجرية الضيقة التي شهدت على قرون من المؤامرات والدماء. انهمرت السماء بغزارة كأنها تحاول غسل خطايا المدينة، بينما كانت حبات المطر تضرب النوافذ الزجاجية للمباني الأثرية بعنف، مصدرة إيقاعاً رتيباً مرعباً، كأنه نذير شؤم يزحف ببطء نحو القلوب. في هذه الأجواء التي يلفها الضباب الغامق، كانت الأضواء الخافتة لمصابيح الشوارع الصفراء تتراقص على سطح المياه الراكدة في الأزقة، ترسم ظلالاً مشوهة تتحرك مع حركة الرياح العاصفة التي كانت تصفر بين الممرات الضيقة، حاملة معها برودة تقشعر لها الأبدان، ورائحة تراب مبلل يختلط برائحة البارود عن بعد.
في قلب هذا السكون المشحون، وداخل إحدى الردهات الخلفية لملهى ليلي عتيق يقع في أطراف المدينة، كان يمتد عالم آخر تماماً؛ عالم لا تحكمه قوانين الدولة، بل تحكمه كلمة رجل واحد. كانت الغرفة واسعة، جدرانها مغطاة بخشب الجوز الداكن، وتتدلى من سقفها ثريا ضخمة من الكريستال تطلق ضوءاً خافتاً يبعث على الرهبة. في وسط الغرفة، كانت هناك طاولة مستديرة من الخشب المصقول، يجلس حولها رجال يرتدون حُدداً سوداء فاخرة، تعكس ملامحهم القاسية صرامة الحياة التي يحيونها. كانت الأجواء داخل الغرفة محتقنة، والدخان الكثيف المنبعث من السيجار الكوبي الفاخر يتصاعد ليتشابك في الهواء كأرواح قلقة تبحث عن مخرج.
عند رأس الطاولة، كان يجلس (أليساندرو). لم يكن مجرد رجل يجلس على مقعد، بل كان يبدو كملك متربع على عرش من الجمر. كان شاباً في أواخر العشرينيات من عمره، لكن الناظر إلى عينيه يرى فيهما عمراً يمتد لقرون من الأسى والخبرة القاسية. كانت عيناه رماديتين كرماد جثة محترقة، حادتين كشفرة خنجر مسموم، تنظران إلى الحاضرين بركود مخيف، ركود يسبق العواصف المدمرة عادة. ملامحه كانت إيطالية أثيلة؛ فك عريض حاد، أنف مستقيم، وشعر أسود فاحم كقطع الليل تم تصفيفه بعناية إلى الخلف، بينما يزين جانب وجهه الأيسر ندبة صغيرة خفيفة، كانت بمثابة تذكير دائم له بأن الخطأ الأول في عالمه هو الخطأ الأخير.
كان أليساندرو يمسك بين أصابعه الطويلة كأساً من الكريستال يحتوي على سائل ذهبي، يحرقه ببطء ودون مبالاة، بينما كان يستمع إلى الرجل الجالس أمامه، وهو أحد كبار المهربين في الشمال، والذي كان يتحدث بنبرة يمتزج فيها الخوف بالتوتر، ويحاول جاهداً إخفاء ارتعاش يده وهو يعرض أوراق الشحنة الجديدة.
ساد الصمت لبرهة، لم يكن يقطعه سوى صوت قطرات المطر التي تضرب زجاج النافذة الكبيرة خلف أليساندرو. كان هذا الصمت أثقل من الجبال، صمت يجعل الأنفاس تتردد في الصدور خوفاً من أن تثير غضب "الظل"، وهو اللقب الذي أطلقه أعداؤه عليه لأنه يظهر ويختفي دون أن يترك أثراً، ولأن الموت دائماً ما يكون ظله التابع.
تنحنح الرجل المهرب، وقال بصوت متحشرج: "سيد أليساندرو، الشحنة ستصل إلى ميناء ليفورنو مع بزوغ فجر الغد. كل شيء مؤمن تماماً، ورجال الشرطة في المرفأ تلقوا حصتهم من الأموال، ولن يجرؤ أحد على فتح الحاويات. نحن فقط بحاجة إلى توقيعك على هذه الاتفاقية لنبدأ في عملية التوزيع داخل إقليم توسكانا."
لم يحرك أليساندرو ساكناً. ظل ينظر إلى السائل الذهبي في كأسه، ثم رفعه ببطء إلى شفتيه، ورشف منه رشفة صغيرة، تاركاً الحرارة تشتعل في جوفه، قبل أن يضع الكأس على الطاولة بهدوء أصاب الحاضرين بالقشعريرة. رفع عينيه الرماديتين ببطء، ونظر مباشرة إلى عيني الرجل، الذي شعر وكأن جبلًا من الجليد قد هبط على صدره.
تحدث أليساندرو أخيراً، وكان صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة أرستقراطية باردة تعكس سلطته المطلقة. قال باللغة الفصحى السليمة التي يعشق استخدامها في حواراته الفخمة: "أنت تتحدث عن الأمان يا دوناتو، وكأنك تملك مفاتيح القدر. ألم يتعلم لسانك بعد أن الكلمة التي تخرج قبل أوانها قد تصبح كفناً لصاحبها؟"
ابتلع دوناتو ريقه بصعوبة، وحاول الابتسام لإخفاء رعب المتغلغل في أوصاله: "أنا لا أجرؤ على خداعك يا سيد أليساندرو. عائلة الكامورا تعلم أنني كنت دائماً شريكاً مخلصاً."
تحرك أليساندرو في مقعده بحركة انسيابية تشبه حركة فهد يستعد للانقضاض. شبك أصابعه أمام وجهه، ونبس بنبرة أكثر انخفاضاً، لكنها كانت أكثر رعباً: "الإخلاص كلمة تلوكها الألسن التي تخفي خلفها الخيانة. لقد علمت قبل ساعتين فقط أنك التقيت بممثل عن عائلة (ليون) في سراديب روما القديمة. فهل كان ذلك اللقاء لتبادل أطراف الحديث عن تاريخ الكنيسة، أم لبيع حصتي من الشحنة لهم؟"
شحب وجه دوناتو تماماً، واستحالت ملامحه إلى بياض الموت. نهض من مقعده بحركة لا إرادية، وتراجعت خطاه إلى الخلف، بينما كان الحراس الواقفون عند الأبواب يضعون أيديهم ببطء على مقابض أسلحتهم المخفية تحت ستراتهم.
قال دوناتو وصوته يرتجف كقشة في مهب الريح: "هذا.. هذا افتراء! إنهم يحاولون الوقيعة بيننا يا سيد أليساندرو! أقسم بحياة أطفالي..."
انقطع حبل قَسَمه عندما رفع أليساندرو يده اليمنى حركة طفيفة، كانت كافية لإخراس العالم بأسره. لم يظهر على وجه الزعيم الشاب أي تعبير عن الغضب، بل كان هدوءه هو الجزء الأكثر ترويعاً في المشهد.
وقف أليساندرو ببطء، فبدا طوله الفارع وبنيته العريضة القوية تملأ المكان مهابة. زرّ سترة بذلته الفاخرة بيد واحدة، ثم التفت نحو النافذة المطلة على الشارع الخلفي المظلم، وأعطاهم ظهره، وقال بصوت هامس يحمل حكماً نهائياً لا رجعة فيه: "القسم بالأنقياء لا يحمي الخونة من مصيرهم. اخرج من وجهي يا دوناتو، وصلِّ لعل الجحيم يتسع لروحك الليلة."
في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن يتحرك أي شخص في الغرفة، دَوَى صوت انفجار عنيف في الطابق السفلي للمبنى، تلاه دوي إطلاق نار كثيف ومتتابع ومتسارع. اهتزت الجدران الخشبية، وتناثرت قطع الكريستال من الثريا الضخمة بعد أن انقطعت التيارات الكهربائية فجأة، لتغرق الغرفة في ظلام دامس، لا يضيئه سوى ومضات النيران المنبعثة من الأسفل، والبرق الذي كان يشق السماء بالخارج.
كانت تلك محاولة اغتيال مدبرة بعناية فائقة. لم تكن مجرد مشاجرة عادية، بل هجوماً شاملاً تشنه عائلة "ليون" المنافسة بهدف القضاء على رأس الأفعى، بهدف اغتيال أليساندرو في عقر داره.
انقلبت الغرفة إلى ساحة حرب في ثوانٍ معدودة. تعالت صرخات الرجال، ودوي طلقات الرصاص من أسلحة أوتوماتيكية ساد المكان، مخترقة الأبواب والجدران. ألقى أليساندرو بنفسه خلف الطاولة الخشبية الثقيلة مستغلاً رد فعله السريع وغريزته القتالية التي صُقلت في معارك الشوارع منذ صغره. سحب مسدسه الفضي من عيار 9 ملم، والذي لا يفارقه أبداً، وبدأ في إطلاق النار بدقة متناهية نحو الأشكال المتحركة في الظلام، والتي كانت تقتحم الغرفة من كل حدب وصوب.
"أليساندرو! انبطح!" صرخ (ماركو)، الذراع الأيمن لأليساندرو وصديقه المقرب، والذي ظهر من وسط الدخان وهو يطلق النار بغضب أعمى لتأمين مخرج لزعيمه.
كانت الدماء تسيل في الممرات، ورائحة البارود المحترق أصبحت خانقة تملأ الصدور وتكتم الأنفاس. تقدم أليساندرو وماركو بحذر وسط النيران المتبادلة، مستخدمين الأعمدة الرخامية للمبنى كدروع بشرية. كان أليساندرو يطلق النار ببرود قاتل، كل رصاصة تخرج من فوهة مسدسه كانت تعني نهاية حياة أحد المهاجمين. لكن الأعداد كانت تفوقهم بكثير؛ فقد كان واضحاً أن الخيانة قد تغلغلت في الداخل، وأن هناك من أرشد الأعداء إلى هذا المكان السري بدقة متناهية.
بينما كانوا يقتربون من باب الخروج الخلفي المؤدي إلى الأزقة الضيقة، برز رجل ضخم البنية من خلف أحد الجدران المتداعية، حاملاً بندقية رشاشة. وقبل أن يتمكن أليساندرو من رفع مسدسه، أطلق الرجل وابلاً من الرصاص. تراجع أليساندرو إلى الخلف بسرعة، لكن رصاصة غادرة اخترقت جانبه الأيمن، لتستقر في خاصرته.
شعر أليساندرو بألم حارق واجتياح مفاجئ لبرودة قاسية، كأن خنجراً من الجليد قد غُرس في أحشائه. تعثرت خطاه، وظل واقفاً بصعوبة، مستنداً بيده اليسرى على الجدار، بينما ضغط بيده اليمنى على جرحه الذي بدأت الدماء الدافئة تتدفق منه بغزارة، لتصبغ قميصه الأبيض الفاخر بلون القرمز القاتم.
"اللعنة! أليساندرو!" صرخ ماركو باندفاع، ووجه سلاحه نحو المهاجم وأرداه قتيلاً برصاصة في جبهته. التفت ماركو وحاول حمل أليساندرو، لكن الأخير دفعه بعيداً بقوة تملؤها الكبرياء والرفض، رغم الألم الفظيع الذي كان يعتصر جسده.
قال أليساندرو بنبرة حادة وصوت متهدج يصارع الألم: "تراجع يا ماركو! لستُ عاجزاً.. خذ الرجال وطهر المكان، لا تدع أحداً منهم يخرج حياً من هنا. هذا أمر!"
"ولكنك تنزف بغزارة، لن تستطيع الصمود بمفردك في هذا المطر!" احتج ماركو وعيناه تملؤهما ملامح القلق الصادق على صديق عمره.
"نفذ الأمر يا ماركو! أنا الظل.. والظل لا يموت في الظلام." قال أليساندرو كلماته تلك، ثم اندفع خارجاً عبر الباب الخلفي، ليختفي في جوف الليلة العاصفة، تاركاً خلفه ماركو يواصل المعركة الشرسة في الداخل.
بمجرد أن وطئت قدما أليساندرو الشارع الحجري، استقبلته الرياح العاتية والمطر الغزير بصفعة باردة زادت من حدة ألمه. كان المطر ينهمر على وجهه، يختلط بعرقه ودمائه التي تسيل على الأرض، لتجرفها المياه الجارية في قنوات الصرف الصحي. كان يسير بخطوات ثقيلة ومتعثرة، يجر جسده جراً عبر الأزقة الضيقة والمتعرجة لمدينة فلورنسا الأثرية.
كانت الرؤية شبه منعدمة بسبب الضباب الكثيف وشدة المطر. تحولت الأبنية التاريخية المحيطة به إلى أشباح عملاقة تراقبه في صمت، وكأنها تشهد على ترنح الرجل الذي كان يرتعد منه الشمال بأكمله. كان يضع يده فوق جرحه، محاولاً كتم نزيف دمه الذي يتدفق مع كل خطوة يخطوها، وكل نفس يخرج من صدره كان يتحول إلى بخار أبيض في الهواء البارد، مصحوباً بأنين مكتوم يأبى أن يخرجه عالياً كبرياءً وأنفة.
بدأ وعيه يغيب ببطء، وتضطرب الرؤية أمام عينيه. أصبحت أصوات المطر والرعد تبدو وكأنها تأتي من مكان بعيد جداً، وشعر بأن الأرض تحت قدميه تميد وتهتز. تملكه شعور غريب بالخدر يسري في أطرافه، وبدأت البرودة القارسة تحل محل حرارة الدم النازف.
كان يتساءل في مونولوجه الداخلي، وهو يترنح بين الجدران الحجرية الباردة: "هل هذه هي النهاية؟ هل سأموت هنا في أحد أزقة فلورنسا ككلب ضال؟ أنا الذي قدتُ العائلات وسيطرتُ على المصائر بكلمة مني؟ لا.. ليس الليلة. الموت يعرفني جيداً، وقد تراجع أمامي كثيراً، ولن أسمح له بأن يأخذني في غفلة من رجالي."
لكن جسده لم يكن يشارك عقله نفس القوة والإصرار؛ فقد خذلته قواه تماماً عندما وصل إلى زقاق فرعي شديد الضيق والظلمة، يقع بعيداً عن صخب المركز. كان زقاقاً هادئاً، تصطف على جانبيه بيوت قديمة ذات طراز معماري دافئ، تنبت على شرفاتها نباتات اللبلاب الخضراء التي دمر المطر بعض أوراقها.
شعر أليساندرو بثقل هائل في جفنيه، وكأن جبلاً من الرصاص قد وُضع فوقهما. تعثرت قدمه بحجر ناتئ على الرصيف، فلم يسعفه جسده المنهك لاستعادة توازنه. سقط بكل ثقله نحو الأمام، ليرتطم جسده الضخم والقوي بقوة بجدار مبنى صغير، ثم يترنح ويهبط ببطء مستنداً على الجدار، حتى استقر جسده على الأرض الحجرية الباردة، قريباً جداً من عتبة باب خشبي عتيق، يعلوه مصباح نحاسي صغير يرسل ضوءاً شاحباً خافتاً.
كان الجرح لا يزال ينزف، والدماء تصبغ الحجارة من حوله، ممتزجة بمياه المطر الجارية التي بدأت تحول لون الماء الراكد إلى اللون الوردي. حاول أليساندرو رفع رأسه، وحاول جلب الهواء إلى رئتيه، لكن أنفاسه أصبحت قصيرة ومتقطعة، وصارت ضربات قلبه تتباطأ كدقات ساعة قديمة أوشكت بطاريتها على النفاد.
غاص في ركود شبه تام، تلاشت الصور من أمامه، ولم يعد يسمع سوى صوت ضربات المطر العنيفة التي بدا وكأنها تدق مسماراً في نعشه. وفي تلك اللحظة التي استسلم فيها جسده تماماً للظلام، والتي اعتقد فيها أن روحه ستفارق جسده لتلتحق بظلال الماضي، تحرك شيء ما خلف الباب الخشبي العتيق الذي كان يستند بظهره عليه.
سُمع صوت قفل حديدي يُفتح ببطء من الداخل، صوت خفيف كاد أن يبتلعه صخب العاصفة بالخارج، لكنه بالنسبة لأليساندرو كان آخر صوت يسجله وعيه قبل أن يغوص في غيبوبة مطبقة، غيبوبة سوداء لا ملامح لها، تاركاً جسده الهامد تحت رحمة المطر والقدر، وعلى أعتاب حياة جديدة لم يكن ليتخيل يوماً أنه سيمر بها، حياة ستغير مسار "الظل" إلى الأبد، وتحوله من وحش كاسر كسرته الخيانة، إلى عاشق تائه يرتجي النجاة بين يدي فتاة لم يرها بعد.