Home / مافيا / الظل / هدنة بطعم الدموع

Share

هدنة بطعم الدموع

last update publish date: 2026-05-26 09:00:52

انسلّ نهار فلورنسا الذهبي ببطء شديد من بين شقوق الستائر المخملية العريضة للجناح الشرقي، ليترك مكانه لغسق قرمزي حزين يصبغ التلال المحيطة بقصر الكامورا بلون يشبه مساحيق الدم الجاف. كان الصمت داخل الغرفة الملكية ثقيلاً، مشحوناً برائحة حطب الصنوبر المشتعل في المدفأة الحجرية الكبيرة، والذي كان يتآكل ببطء ويصدر أزيزاً خافتاً يمزق سكون المكان الرتيب. في هذا الفضاء الشاسع الذي ينضح بالفخامة العاجية الباردة، كانت إيلينا تبدو كعصفور صغير كُسرت أجنحته في عاصفة هوجاء، ورُمي به داخل قفص من الذهب الخالص لا يملك فيه من أمره شيئاً.

منذ اللحظة التي أغلقت فيها الباب النحاسي من الداخل وانعزلت عن العالم، لم تتحرك إيلينا من مكانها فوق الأرضية السجادية الوثيرة القريبة من عتبة الباب. كانت تجلس مطوقة جسدها الرقيق بذراعيها، ورأسها مستند إلى الخشب البارد، وعيناها العسليتان تحدقان بركود يملؤه الذهول في الطاولة الدائرية الصغيرة التي وضعت الخادمات فوقها، قبل ساعات طويلة، صينية فضية مليئة بأفخم الأطعمة الإيطالية وأكواب العصير الطازج. لم تلمس شيئاً، ولم تذق قطرة ماء واحدة؛ فكل رشفة أو لقمة في هذا المكان كانت تبدو لها كصك استسلام لقدر المافيا، واعترافاً ضمنياً بأنها أصبحت ملكاً للرجل الذي سلبها حريتها.

كانت الأفكار تنهش عقلها بإيقاع متباطئ موجع، يعيد رسم تفاصيل مرسمها القديم المدمر: "كيف يظن هذا الوحش أن الرخام والحرير قادران على رتق الشروخ التي أحدثها في روحي؟ لقد نقل أدواتي، وأحضر لوحاتي الممزقة، وظن أنه بذلك يعيد بناء عالمي. لا يعلم أن المرسم لم يكن مجرد خشب وألوان، بل كان الأمان الذي صنعته بدموع طفولتي اليتيمة، السلام الذي هدمته مخالب رجاله في دقائق معدودة. أنا الآن أعيش في برزخ بين الوعي والموت، هواء هذا القصر يخنقني برائحة ضحاياه، ونظرات أسلافه المعلقة على الجدران ترقب انكساري ببرود لا يرحم. ليتني أملك شجاعة تنهي هذا العذاب، أو ليت النسيان يغمرني فأستيقظ لأجد نفسي فتاة عادية لا يعرف الظل طريقها."

انحدرت دمعة ساخنة وحيدة فوق وجنتها الشاحبة، لتمسح آثار الغبار الجاف الذي علق بجلدها منذ ليلة الاقتحام. التفتت بنظراتها المنهكة نحو الزاوية الفنية التي جهزها أليساندرو لأجلها؛ رأت حامل اللوحة الخشبي الجديد ينتصب كالمقصلة تحت الضوء الخافت للمصباح الجداري، ورأت الصناديق التي تحتوي على بقايا لوحاتها القديمة الممزقة. قامت ببطء شديد، وجسدها يرتعش من فرط الإنهاك والجوع، وسارت بخطوات واهية متثاقلة نحو تلك الزاوية.

ركعت بجانب الصناديق، ومدت أصابعها النحيلة لتلمس قطعة قماش ممزقة من لوحة الفارس القديم التي دمرتها صفعة المهاجم. ضغطت على القماش المترب بضعف، وشعرت بغصة حارقة في حلقها؛ فهذا التدمير لم يكن للفن وحده، بل كان إعلاناً رسمياً عن موت براءتها، وعن بدء هدنة قسرية مع الواقع، هدنة مجبولة بطعم الدموع والضياع الصرف.

في تلك الأثناء، وفي الجناح الغربي المقابل للقصر، حيث تمتد أجنحة القيادة وعالم أليساندرو الخاص، كان الصراع الجسدي والنفسي يتخذ شكلاً أشد ضراوة وقسوة.

داخل غرفة نومه الفسيحة ذات الجدران المغطاة بالجلد الأسود الفاخر، كان أليساندرو مستلقياً بكامل جسده الضخم فوق سريره، وصدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس متسارعة، ثقيلة، ومتهدجة تعلن عن اجتياح حمى عنيفة لأوصاله. القميص الحريري الأسود الذي كان يرتديه كان غارقاً بالكامل بعرق المجهود والألم، واللفائف الطبية البيضاء التي تطوق خاصرته الأيمن صُبغت مجدداً بلون قرمز دافئ ونازف؛ فقد تسبب حمله لإيلينا قسراً في الليلة الماضية، وضغطه العنيف على جسده المنهك، في تمزيق بعض الغرز الداخلية الدقيقة التي وضعتها يداها الرقيقتان تحت المطر.

كان الطبيب الخاص بعائلة الكامورا، وهو رجل عجوز ذو ملامح وقورة ونظارات طبية سميكة، يقف بجانب السرير ومعه حقيبته الطبية، وبدا عليه القلق الشديد والتوتر وهو يلتفت نحو (ماركو) الواقف عند زاوية الغرفة بوجه واجم.

قال الطبيب بصوت منخفض ومتحشرج: "ماركو، الجرح في حالة سيئة للغاية. النزيف الداخلي قد تكرر، والحمى بدأت تقترب من مستويات خطيرة قد تؤثر على وعيه. يجب أن أقوم بفتح الغرز وإعادة خياطة الجرح فوراً وتطهيره بمواد أقوى، وإلا فإن التسمم قد ينتشر في جسده."

تحرك أليساندرو فجأة حركة طفيفة، وفتح عينيه الرماديتين اللتين كسا طابعهما بريق أحمر مخيف بفعل حرارة الحمى المشتعلة في جوفه. انقبض فكه العريض بصرامة وحشية، ورفع يده اليمنى، الموشومة بشعار الخنجر والتاج، ليدفع يد الطبيب التي كانت تقترب من خاصرته بعيداً بقوة فاجأت الحاضرين رغم عجز جسده.

"ابتعد عني.. لا تلمس هذا الجرح،" خرج صوته رخيماً، مبحوحاً، ويحمل نبرة من الأمر القاطع الذي تراجع أمامه الطبيب رعباً. "ماركو.. خذه خارج الغرفة فوراً."

"ولكن يا سيد أليساندرو،" احتج ماركو باندفاع وإخلاص حقيقي وهو يتقدم نحو السرير. "أنت تموت ببطء! الحمى تلتهمك، والجرح الذي أصلحته الفتاة قد تمزق بالكامل بسبب عنادك وحملك لها. دع الطبيب يقوم بعمله لكي تستعيد قوتك؛ فعائلة ليون تتحين الفرصة بالخارج، ورجالك يحتاجون لزعيمهم بكامل عافيته."

ثبت أليساندرو نظراته الرمادية الحادة كشفرة الخنجر في عيني ماركو، ورغم الضعف والوجع الفظيع الذي كان يعتصر أحشاءه، إلا أن هيبته الطاغية لم تهتز ملمتراً واحداً. ونبس بنبرة منخفضة للغاية تعكس هوسه الأعمى: "الجسد جسدي يا ماركو، والأمر أمري. هذا الألم الذي يشتعل في خاصرتي هو الشيء الوحيد المتبقي لي من تفاصيل تلك الليلة العاصفة. لمسات أصابعها الناعمة والباردة هي التي نسجت هذه الغرز، ولن أسمح لإبرة هذا الطبيب القذرة بأن تمحو الأثر الذي تركته حارسة التاريخ في جسدي. اخرجوا.. واتركني بمفردي."

أدرك ماركو أن عناد أليساندرو وهوسه السري قد تجاوزا حدود العقل، وأن نقاء الفتاة قد أصبح بمثابة ترياق وسمّ في آن واحد لروحه الملتوعة. أشار للطبيب بالانسحاب، وخرجا معاً من الغرفة بخطوات صامتة، تاركين الزعيم الشاب يواجه وحوش حمّاه بمفرده في الظلام.

استلقى أليساندرو مجدداً، وأغمض جفنيه الثقيلين يصارع موجات الألم الحارق التي كانت تسري في جسده كالنار. كان عقله الشارد يسبح في تفاصيل صورتها وهي تصرخ في وجهه البارحة؛ كبرياؤها، دموع قهرها، وشفتها الممزقة التي تمنى لو أنه يستطيع مسح دمها بنور عينه. شعر برغبة عارمة، رغبة أنانية ومطبقة، في أن يرى عينيها العسليتين مجدداً، في أن يستمد من نقائها القوة التي يحتاجها لمواجهة العالم المظلم الذي يحيط به.

قال في نفسه، وسط غيبوبة الحمى التي بدأت تطبق على وعيه ببطء: "أنتِ تعتقدين أنني سجانكِ يا إيلينا، ولا تعلمين أنني الأسير الحقيقي في حبكة هذا القدر الذي جمعنا. لقد أغلقتِ بابكِ من الداخل لتفرّي من ناري، لكنكِ لا تعلمين أن ظلي يسكن زوايا غرفتكِ، وأنني أنتظر اللحظة التي تدركين فيها أن حياتكِ السابقة قد طواها الرماد، وأن نجاتي وموتكِ قد كُتبا بحبر واحد لا يمكن محوه."

مرت ساعات الليل التالية في هذه الهدنة الصامتة والمريرة التي لفت القصر بأكمله. كانت إيلينا لا تزال راكعة بجانب صناديق لوحاتها الممزقة، وقد بدأ التعب الشديد يفرض على جفونها إغلاقاً إجبارياً، لتستسلم لنوم متقطع ومضطرب وهي تفترش الأرض، واضعة رأسها على ذراعها النحيلة، بينما كان غلاف ولاعة أليساندرو الفضي مستقراً قريباً من كفها كحارس صامت يراقب أحلامها المشوهة.

ومع اقتراب خيوط الفجر الفضي لليوم التالي، بدأت حرارة أليساندرو تصل إلى ذروتها، وأصبح وضعه الصحي ينذر بخطر حقيقي لا يمكن السكوت عنه. دخل ماركو إلى غرفته مجدداً، ورأى الدماء الدافئة قد تسربت من خلال الشراشف الفاخرة لتصبغ السرير، والزعيم الشاب غائب عن الوعي بالكامل ويهذي بكلمات غير مفهومة، كان اسم "إيلينا" هو الحرف الوحيد الواضح من بين حشرجات صدره العريض.

وقف ماركو بنظرات صارمة، وأدرك أن هناك خياراً واحداً متبقياً لإنقاذ حياة صديق عمره وزعيم الكامورا؛ خيار يتطلب اقتحام القفص الذهبي للفتاة مجدداً، وجرّ "حارسة التاريخ" من محراب دموعها لتواجه الوحش الجريح الذي يحتضر في الجانب الآخر من القصر، لتبدأ المواجهة السيكولوجية والجسدية الكبرى بين عالمين يلتقيان مجدداً فوق سرير الموت والنار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   المرمر والحبر

    توغل الأبطال الأربعة بـخطى حذرة وموزونة في جوف النفق الأثري العريض، حيث أخذت القنوات المائية تزداد عمقاً وضيقاً، وأضحت أقدامهم تشق المياه الآسنة الباردة بـصوت رتيب يتردد صداه الخافت بين الأقبوة الرخامية المقوسة لـروما السفلية. كانت جدران القبو الأثري الممتد تحت أحياء القيصر القديم مغطاة بـطبقات كثيفة من العفن والأحجار الجيرية المتآكلة التي امتصت برودة القرن السابع عشر، بينما كانت خيوط الرطوبة الثقيلة تنهمر كـالدموع الباردة من السقف الرخامي لـتتساقط فوق أكتاف الرجال وستراتهم التكتيكية السوداء. خيّم صمت أمني خانق ومشحون بـأثير البارود الميت والترقب القتالي القاطع، حيث تحول المجرى المائي إلى شريان أثري معزول بالكامل عن العالم الخارجي، لا يقطعه سوى صفير الهواء القادم من فتحات التهوية العمودية المهجورة. كان ماركو يتقدم الموكب القتالي بكامل بنيته العضلية الضخمة وقامته الشامخة الفارهة، يمسك بـبندقيته الآلية القاطعة بـقبضة فولاذية دافئة لم تتأثر بـبرودة المكان؛ كانت عيناه الحادتان الشبيهتان بـالشفرات ترصدان بـتصويب حراري دقيق أدنى حركة في زوايا الظلام الدامس، متقدماً بـ

  • الظل   تحت الأرض

    انزلقت الموكب التكتيكي السوداء المؤلف من ثلاث سيارات مصفحة ضخمة ورباعية الدفع ببطء شديد وحذر أمني قاطع داخل الأزقة الخلفية الضيقة والمنعزلة لحي "تراستيفيري" الأثري في قلب روما؛ كانت خيوط الضباب الصباحي البارد تتصاعد من أرصفة الحجارة العتيقة كأردية هلامية تحجب الرؤية وتضفي غموضاً ساحراً على المعالم الرومانية القديمة. توقفت السيارات داخل باحة هادئة ومسقوفة لمستودع نبيذ أثري مهجور يعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر، وهو الموقع الطبوغرافي الدقيق الذي حددته إيلينا بذكائها الفذ كمدخل سري ونادر يربط أحياء السطح بـ "قنوات الغسق" المائية السفلية الممتدة تحت أساسات العاصمة. هبط ماركو أولاً من المقعد الأمامي للسيارة القيادية بكامل بنيته العضلية الفارهة وقامته الشامخة التي تسد الأفق كالجبل الصخر؛ كان يرتدي درعه التكتيكي الأسود، ويده القوية تحكم قبضتها حول السلاح الآلي المزود بكاشف حراري وكتم صوتي متطور. تفحص ماركو زوايا المستودع المظلم بعينين الحادتين اللتين تشبهان الشفرات القاطعة، موزعاً رجال النخبة من جيوش الشمال على النقاط الأمنية للباحة بآلية عسكرية ميتة شلت أي احتم

  • الظل   انفلات الحصان الاسود

    خيمت على الضواحي النائية والمعزولة لعاصمة روما عاصفة رعدية هوجاء، ومحملة بـرياح عاتية وأمطار غزيرة انهمرت كـالسيول الداكنة بـقسوة فوق الأسقف القوطية والجدران الخرسانية العتيقة لـلقصر المهجور؛ كانت صواعق البرق الخاطفة تشق استار الظلام الدامس بين الثنية والأخرى، لـتلقي بـأضواء هلامية زرقاء وشديدة السطوع عبر النوافذ المصفحة المغلقة لـلمخبأ السري لعائلة الكامورا. أحدثت الطبيعة الهائرة بـخارج القصر صخباً مجنوناً وصفيراً مرعباً ابتلع كافة الأصوات الخافتة، لـتتحول المساحات الطبوغرافية والمحيط الجغرافي الخارجي إلى مسرح مظلم، لزج، ومغلف بـالغموض الأمني الخانق الذي يحبس أنفاس أعتى القادة والرجال، محولاً ثنايا الليل إلى كابوس تتداخل فيه رائحة الأتربة المبتلة بـأثير الكبريت المنبعث من الصواعق.وفي عمق الممر الغربي المظلم والمؤدي إلى المنافذ السفلية الأثرية لـلقصر الأرستقراطي، كان ماركو يقف بكامل قامته العضلية الفارهة وبنيته الشامخة التي تسد الفراغ كـالدرع الفولاذي المنيع؛ كان يرتدي سترته التكتيكية السوداء المقاومة للمطر والحرارة، ويده القوية تعصر مقبض بندقيته الآلية المزودة بـمكبر بصري

  • الظل   عرش الرماد

    انغلقت الأبواب الخشبية السميكة للجناح الداخلي المعزول بـصوت مصمت قطع كل صلة للأبطال بـفضاء القصر الخارجي، ليحل صمت حذر وطاغٍ امتزج بـرائحة الأثاث المعتق وأثير البارود الميت العالق فوق الجدران؛ حيث كان الضوء الشاحب والمنكسر من خلف الستائر المخملية الداكنة يرسم ظلالاً طويلة ومرعبة لـقامة أليساندرو الفارهة الشامخة التي سدت أفق المكان بجبروت أرستقراطي لم ينحنِ يوماً أمام الأعاصير. تقدم القيصر الشاب نحو طاولة القراءة المرمرية الوسطى، وجلس بكامل بنيته العضلية المهيبة، وعيناه الرماديتين اللتين تشبهان الرخام الصقيل تلمعان بـبريق ناري مستعر ينم عن الهوس المطلق والشغف الشرس نحو إيلينا؛ كانت ذراعه اليمنى الموشومة بـرأس الخنجر والتاج الملكي تنزف ببطء، والدماء القانية الدافئة تسيل بغزارة لتصبغ بشرته الفولاذية الممزقة إثر رصاصة النهر الغادرة التي تلقاها فداءً لسلامة نبضها الطاهر.وقفت إيلينا على مسافة قصيرة منه بجسدها الرقيق النبيل، وهي تحتضن الحقيبة المصفحة بقوة ضد صدرها المنهك كأنها تتمسك بـآخر ما تبقى من براءتها الضائعة؛ كان قلبها معتصراً بـالوجع الحارق والشجن الوجداني العارم جراء صدم

  • الظل   ملاذ

    استقرت العجلات الضخمة والمصفحة للسيارة التكتيكية داخل الباحة السفلية المظلمة والمشيدة من الخرسانة المسلحة والفولاذ السميك؛ حيث انغلق خلفهم الباب الهيدروليكي العملاق لـلمخبأ السري الجديد بـدوي حديدي مكتوم، لـيعلن عزل الأبطال الأربعة بالكامل عن جحيم روما المشتعلة بالخارج. كان هذا المعقل السري لعائلة الكامورا يقبع في الضواحي النائية والمعزولة للعاصمة، وهو عبارة عن قصر أرستقراطي قديم ومهجور من القرن الثامن عشر، تم تحصينه وتحديث أجزائه السفلية الممتدة تحت الأرض بـأحدث تقنيات الرصد الراداري، وغرف العمليات المعزولة، والجدران المصفحة ضد الانفجارات الكبرى؛ ليتحول إلى قلعة صخرية منيعة لا تطولها أعين الخصوم أو رادارات عائلة "ليون".دلف ماركو أولاً بخطواته العسكرية الرنانة الموزونة، وقامته الفارهة الشامخة تسد الأفق والظل كـالحصن الحامي؛ ورغم نزيف كتفه الأيمن الذي تيبس فوق درعه الممزق، إلا أن الصرامة الصخرية والجفاف الميداني لم يفارقا ملامحه الرجولية الحادة. تفحص ماركو زوايا الباحة بـعينين شبيهتين بـالشفرات القاطعة، وأشار لـرجالات النخبة من جيوش الشمال الذين انتشروا بـأسلحتهم الآلية عند

  • الظل   شظايا نهر التيبر

    انشقت عتمة المجرى المائي الأثري الخانقة أخيراً عن فتحة دائرية واسعة ومغطاة بـقضبان حديدية متآكلة، نفذت من خلالها خيوط الضباب الصباحي الأبيض الكثيف الذي كان يغمر ضفاف نهر "التيبر" في العاصمة روما بـغطاء هلامي بارد. دفع ماركو البوابة الحديدية بـعزم جسده الصخر وبنيته العضلية الفارهة، لـتتحطم الأقفال الصدئة بصرير خافت ابتلعه صوت تدفق مياه النهر الرمادية المضطربة؛ ودلف الأبطال الأربعة واحداً تلو الآخر نحو الرصيف الحجري المهجور للضفة السفلى، وهم يتنفسون الصعداء بعد الكيلومترات الطويلة التي قطعوها في جوف الأرض، حيث اختلطت برودة الطقس الصباحي بـأنفاس الفتاتين المتهدجة وأثير البارود الميت العالق فوق ثياب الحراس. كان الضباب يفرض غموضاً بصرياً مطلقاً، ويحجب الرؤية لأمتار قليلة، مما جعل المحيط الميداني برميلاً مغلقاً من الترقب والحذر العسكري الصارم؛ تقدم ماركو الموكب الميداني لـتأمين مسار الصعود نحو الشارع العلوي حيث تنتظرهم سيارات الدعم البديلة، بينما كان أليساندرو يحكم ذراعه القوية حول خصر إيلينا النحيل التي كانت تحتضن الحقيبة المصفحة بـثبات ونبل أرستقراطي لم تزعزعه مرارة

  • الظل   أنفاس العدو

    في الجانب الجنوبي من إقليم توسكانا، حيث تلتقي التلال الخضراء بظلال قلاع روما القديمة، كان يمتد معقل عائلة "ليون"، العدو اللدود الذي لا ينام لشبكة الكامورا. في قصر ريفي مهيب يحيطه الغموض، كان يجلس (ليون) خلف طاولة بلياردو مصنوعة من الخشب العتيق، يمسك بعصا اللعب ويوجه ضربات قاسية ومركزة للكرات

  • الظل   عتبات الجحيم العاجي

    كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب ال

  • الظل   إلى عرش الظلام

    كانت الدقائق التي تلت تلك المجزرة الرهيبة تمر على إيلينا كأنها مسامير من الجليد تُدق في وعيها المنهك. لم تعد تشعر ببرودة الأرض الخشبية تحت جسدها، ولا برذاذ المطر الناعم الذي بدأ يتسلل مجدداً عبر النوافذ المحطمة ليمتزج بغبار الجدران المتداعية. كان كل ما يحيط بها قد استحال إلى رماد؛ لوحاتها ال

  • الظل   انكسار الحصن

    لم يكن السكون الذي لفّ شقة إيلينا في تلك الليلة سوى غشاء رقيق يخفي خلفه مخالب الموت. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وتحولت أزقة فلورنسا القديمة إلى سراديب من العتمة التي لا يكسرها سوى وميض مصباح الشارع النحاسي الشاحب، الذي كان يرسل ضوءاً أصفر مريضاً يرتعش عبر زجاج نافذتها. كان الهو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status