Home / مافيا / الظل / عتبات الجحيم العاجي

Share

عتبات الجحيم العاجي

last update publish date: 2026-05-25 09:23:19

كانت سيارات الدفع الرباعي السوداء والمدرعة تشق طريقها الصاعد عبر المنحدرات المتعرجة لتلال "فيسولي" كأنها قطيع من الوحوش الحديدية التي تفر من أضواء فلورنسا المتلاشية في الأفق. كان رذاذ المطر الناعم يضرب النوافذ الزجاجية المعتمة للسيارة الخلفية الفارهة، ليرسم خطوطاً مائية متعرجة تشبه الندوب التي تركتها ليلة الدم في نفس إيلينا. غاصت السيارة في ظلام دامس لا تكسره سوى الأضواء الأمامية الكاشفة للموكب، والتي كانت تسلط شعاعاً أبيض حاداً يخترق ضباب الصباح الباكر، لتظهر من بين طياته أشجار السرو العالية والقديمة، المنتصبة على جانبي الطريق كحراس صامتين يشهدون على اقتياد حارسة التاريخ نحو مصيرها المجهول.

داخل المقعد الخلفي الواسع، كانت إيلينا منكمشة على نفسها بالكامل في أقصى زاوية من المقعد، كأنها تحاول تقليص مساحة جسدها لئلا تلامس أي جزء من هذا العالم المطبق عليها. كانت يداها النحيلتان، اللتان تلوثتا ببقايا أصباغ لوحاتها ودماء المقتحمين، تطوقان جسدها المرتعش بعنف لا إرادي. وجهها الرقيق كان شاحباً كمرمر التماثيل المنسية، وشفتها الممزقة قد جف فوقها خط الدم القرمزي الصغير، ليمثل تذكاراً حياً ومرعباً لصفعة المافيا القاسية التي أطاحت بأمانها. كانت عيناها العسليتان متسعتين بركود يملؤه الذهول الصرف، تحدقان في الفراغ الرمادي للسيارة دون أن تستوعبا كيف انفرط عقد حياتها الهادئة في دقائق معدودة، وكيف تحول محرابها الفني الدافئ إلى مسلخ تسكنه الأرواح القلقة.

كانت الأفكار تعصف في خلدها بإيقاع بطيء وموجع، يتداخل فيه صوت طلقات الرصاص بدوي صرخات الرجال المحتضرين: "لقد انتهى كل شيء.. ماتت المرأة التي كانت تعيش بين الألوان لتتجنب قسوة البشر، ولدت الليلة امرأة أخرى، امرأة مسلوبة الحرية، تُقاد كذبيحة نحو قلعة وحش الشمال. هذا الجسد الضخم القابع بجانبي، هذا الرجل الذي أنقذتُ حياته تحت المطر، قد تحول إلى السجان الذي يغلق قضبان قفصي بيده الموشومة. كيف سأتنفس في هواء يخنقه البارود؟ وكيف سأحمي نقائي من نار هوسه التي تهدد بحرق تاريخي بأكمله؟ ليتني كنتُ قماشاً بالياً يمزقه الزمن، ولا أكون الجائزة التي يتنافس عليها قياصرة الظلام."

على الجانب الآخر من المقعد، كان أليساندرو يجلس بكامل قامته الفارهة ومهابته الطاغية، يمتد كبرج من الصخر الصامت الذي لا يرحم. كان يضع يده اليمنى، التي تحمل وشم الخنجر والتاج، فوق ركبته بثبات مخيف، بينما كانت عيناه الرماديتين الباردتين تحدقان في الطريق أمامه بركود يسبق العواصف المدمرة. معطفه الأسود الطويل كان يحيط بجسده العريض كعباءة إمبراطورية مظلمة، والأنفاس الثقيلة التي كانت تخرج من صدره العريض كانت الدليل الوحيد على صراعه الخفي مع ألم جرحه في خاصرته، والذي بدأ ينزف سراً مجدداً تحت الضمادات الطبية جراء المجهود العنيف الذي بذله لحملها قسراً. لم يلتفت نحوها، ولم ينبس ببنت شفة، لكن حضوره الطاغي كان يملأ الغرفة الفارهة للسيارة بنبرة من التملك المطلق والتعلق السري الذي جعل الهواء يبدو خانقاً بينهما.

تباطأت السيارات فجأة، وصدر عن إطاراتها صرير خفيف فوق الحصى المبلل، ليعلن عن الوصول إلى عتبات الجحيم العاجي.

انفتحت البوابات الحديدية الضخمة والأثرية لقصر عائلة الكامورا بصوت معدني حاد تردد صداه في سكون الفجر التوسكاني. كانت البوابات تعلوها تماثيل لأسود رخامية كاسرة تحمي الأسوار الحجرية المرتفعة، والتي كانت تصطف فوقها أسلاك شائكة وكاميرات مراقبة حديثة تعكس التناقض الصارخ بين تاريخ المكان الأثري وقسوته الأمنية الحديثة. تحرك الموكب ببطء داخل الباحة الخارجية الفسيحة، حيث كانت تتناثر شجيرات الورد المقلمة بعناية، وتحيط بها نافورة رخامية ضخمة يتدفق منها الماء بصوت رتيب كأنه ترانيم شؤم تستقبل الزائرة الجديدة.

توقفت السيارة بالكامل أمام المدخل الرئيسي للمبنى، وهو قصر يعود لعصر النهضة، ذو طراز معماري مهيب وجدران مغطاة بالحجر الفلورنسي الداكن. اندفع الحراس الشخصيون بسرعة، وفتح أحدهم الباب الخلفي للسيارة وانحنى باحترام مطلق.

ترجل أليساندرو أولاً بخطوات ثقيلة ومستندة بيده على جرحه، ثم التفت نحو الداخل، ومد ذراعه القوية نحو إيلينا، قائلاً بصوت رصين، عميق، ويحمل بحة السلطة الأرستقراطية الباردة: "ترجلي يا إيلينا. لقد وصلنا إلى المكان الذي لن يجرؤ أحد في هذا العالم على مساسكِ فيه بسوء."

نظرت إيلينا إلى يده الممتدة، وشعرت برغبة عارمة في الصراخ والرفض، لكن جسدها المنهك وخوفها من الرجال الأشداء المحيطين بالسيارة جعلاها تتحرك بآلية ميتة. تجاهلت يده، وترجلت بمفردها، لتستقبل وجهها لفحة من الهواء البارد الممزوج برذاذ المطر، جعلت جسدها يرتعش تحت ثيابها الرقيقة الملوثة. نظرت إلى القصر الشاهق أمامها، وبدا لها في ضوء الفجر الفضي كعملاق حجري يستعد لابتلاع بقايا حريتها.

قبض أليساندرو على معصم يدها برقة متناهية تحاذر إيذاءها، لكن بضغط قاطع منعها من التراجع، وقادها نحو الداخل. انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة والمصقولة لتدخل إيلينا إلى عالم من الفخامة المظلمة التي لم ترَ لها مثيلاً إلا في اللوحات التاريخية القديمة.

كانت الردهة الرئيسية للقصر شاسعة، ذات سقوف مرتفعة جداً تغطيها لوحات جدارية فرسك لملائكة وفرسان تتشابك في معارك أسطورية، وتتدلى منها ثريات ضخمة من الكريستال البوهيمي الأسود تطلق ضوءاً خافتاً يبعث على الرهبة. الأرضيات كانت من الرخام الإيطالي النادر المسكوب بلونين الأبيض والأسود كرقاع الشطرنج، تعكس صورة أليساندرو وإيلينا كظلال مشوهة تتحرك عبر المكان. كانت الجدران مغطاة بخشب الجوز الداكن، وتصطف عليها لوحات زيتية ضخمة لأسلاف عائلة الكامورا؛ رجال ذوو ملامح قاسية ونظرات حادة يشبهون أليساندرو، ونساء يرتدين فساتين مخملية فاخرة بنظرات تملؤها الكبرياء والبرود.

كان كل شيء في القصر ينضح بالثروة والنفوذ والسلطة المطلقة، لكنه كان ينضح أيضاً برائحة الخطر والموت؛ فخامة عاجية بنيت فوق جماجم الضحايا ودماء الخصوم. سارت إيلينا بجانبه، وأحذيتها تصدر صوتاً رناناً على الرخام بدا لها كدقات طبول تقودها نحو حبل المشنقة. كانت تلتفت يمنة ويسرة بذعر، ورأت الحراس ينتشرون في كل زاوية، يقفون بصلابة الأوثان وأيديهم تحت ستراتهم، مما أكد لها أن هذا المكان ليس بيتاً، بل هو حصن عسكري محكم الإغلاق.

قادها أليساندرو صعوداً عبر درج رخامي عريض ومتفرع، يمتد في وسط الردهة كأنه طريق نحو عرش الظلام. كانت خطواته متباطئة، وضغطه على خاصرته يزداد قوة، وصدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس متهدجة تعلن عن تفاقم ألمه الجسدي، ومع ذلك كان يرفض إظهار أي لمحة من الضعف أمام رجاله وأمام الفتاة التي يقتادها.

وصلوا إلى الجناح الشرقي للقصر، وهو ممر طويل وهادئ يلفه السكون التام وتغطيه السجاد العجمي الفاخر بلون القرمز الداكن. توقف أليساندرو أمام باب خشبي عريض مزين بنقوش نحاسية لتاج الأشواك وخنجر الكامورا. فتح الباب بيده اليسرى، ودفعها برفق نحو الداخل.

"هذا هو جناحكِ الخاص يا إيلينا، القفص الذي أسميتِهِ جحيماً، ولكنه الحصن الذي سيحميكِ من نار عالمي،" قال أليساندرو بصوت منخفض وعميق، وعيناه الرماديتين تتأملان وجهها الشاحب بنظرة تحمل تملكاً مطلقاً وهوساً لا يرحم.

دخلت إيلينا خطوتين، وتسمرت في مكانها بذهول جديد اختلط بمرارة حارقة في حلقها.

كان الجناح واسعاً وفخماً للغاية، يتكون من غرفة نوم ملكية ذات سرير ضخم مغطى بالحرير العاجي، وردهة صغيرة للجلوس تحتوي على مدفأة حجرية مشتعلة تطلق دفئاً يطرد برودة الخارج. ولكن الجزء الأكثر إثارة للصدمة، كان الزاوية البعيدة من الجناح؛ فقد تم تجهيزها بالكامل لتحاكي مرسمها الفني المدمر في الشقة القديمة. كانت هناك حوامل خشبية ضخمة وجديدة للوحات، وطاولات مليئة بزجاجات المذيبات، والألوان الزيتية الفاخرة، والفرش المصنوعة من شعر السنجاب النادر، وحتى اللوحات والأدوات القديمة التي تمكن رجاله من إنقاذها من وسط الحطام كانت مستقرة هناك بعناية فائقة.

لقد قام أليساندرو بنقل عالمها الفني بأكمله إلى داخل سجنه الذهبي، محاولاً إعادة بناء حصنها المكسور تحت سقفه، ليمسك بخيوط حياتها وشغفها ويجعلها تابعة له بالكامل.

التفتت إيلينا نحوه، وعيناها العسليتان تشتعلان بغضب مكبوت ودموع قهر انحدرت فوق وجنتها، وقالت بصوت يرتجف بالكامل: "هل تظن أنك بهذه الألوان الفاخرة وهذا الرخام العاجي ستنسيني أنك خطفتني؟ هل تظن أنك تستطيع شراء حريتي وروحي بمرسم جديد تضعه في قلب سجنك؟ أنت لا تفهم الفن يا أليساندرو، ولا تفهم النقاء؛ الفن يحتاج إلى الحرية ليتنفس، وهذه الجدران الفاخرة تخنقني برائحة دمائك القذرة التي تصبغ كل زاوية في هذا القصر."

ثبت أليساندرو في مكانه كالصخرة الباردة، ولم تتحرك ملامحه الرجولية القاسية أمام كلماتها الحارقة؛ بل ظل ينظر إليها بنفس الركود المخيف الذي يملؤه التعلق السري. خطا خطوة نحو الداخل، وقال بنبرة هادئة ولكنها تحمل صرامة قاطعة: "أنا لا أشتري روحكِ يا حارسة التاريخ، أنا أحميها. الحرية في الخارج تعني موتكِ المحتوم على يد عائلة ليون، والنقاء الذي تدافعين عنه كان سيُذبح البارحة تحت أقدام الأوغاد لولا وجود رجالي. تقبلي واقعكِ الجديد؛ فهذا الجناح هو عالمكِ الآن، والألوان هنا ستكون رفيقتكِ حتى تعتاد نفسكِ على العيش في ظلي."

تحرك نحو الباب ليغادره ويتركها لعزلتها، لكنه التفت في اللحظة الأخيرة، وقال بنبرة منخفضة وعميقة تغلغلت في مسام روحها: "ارتاحي وتناولي طعامكِ، فرجالي في خدمتكِ لكل ما تطلبينه. ولكن تذكري.. الباب لن يُغلق عليكِ من الخارج كالسجناء، بل سأتركه مفتوحاً لكِ لتدركي أنني لا أستعبد جسدكِ، بل أنتظر اللحظة التي تستسلم فيها روحكِ لقدرها بجانبي."

خرج أليساندرو من الجناح بخطوات ثقيلة، وأغلق الباب خلفه بهدوء. بمجرد غيابه، اندفعت إيلينا نحو الباب بسرعة مجنونة، وأدارت المفتاح النحاسي الداخلي لتغلقه بإحكام من الداخل، وكأنها تحاول وضع حد فاصل بين نقائها وجحيمه العاجي.

رمت بجسدها المنهك خلف الباب، وهبطت ببطء حتى استقرت على الأرض السجاد الفاخرة، وأسندت رأسها بين ركبتيها، وانفجرت في بكاء مرير وعنيف هزّ وجدانها بالكامل. كانت صرخاتها المكتومة تضيع في فخامة الجناح الشاسع، وعيناها العسليتان تتأملان الأدوات والألوان الجديدة بنظرة يملؤها الذهول والضياع الصرف، مدركة بغصة حارقة في صدرها أن عتبات الجحيم العاجي قد أطبقت عليها بالفعل، وأن حياتها القديمة قد طواها الرماد، لتصبح الأسيرة المفضلة في قفص زعيم المافيا الشاب، بانتظار العاصفة القادمة التي ستحدد مصير روحها بين جدران قلعته التي لا تعرف معنى الرحمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status