في الجانب الآخر من المدينة، حيث لا يجرؤ صخب الرصاص على تدنيس حرمة التاريخ، كانت شقة (إيلينا) تبدو وكأنها ملاذ آمن معزول عن العالم بأسره، أو سفينة خشبية عتيقة تمخر عباب ليلة عاصفة دون أن تخشى الغرق. لم يكن بيتها مجرد مكان للسكن، بل كان امتداداً لروحها؛ جدران مرتفعة يغطيها طلاء عاجي تقشرت بعض أطرافه بفعل الزمن، لتكشف عن حجر فلورنسي قديم يعود لعصر النهضة. كانت الرائحة التي تصبغ المكان هي مزيج ساحر لا يخطئه أنف؛ رائحة زيت الكتان، والصموغ الطبيعية، وألوان الأكريليك المخلوطة بالتراب الفني القديم، تمتزج كلها برائحة زكية لقهوة إيطالية سوداء مُرّة، تصاعد بخارها ليملأ الأجواء بدفء يطرد برودة الخارج القارسة.
كانت إيلينا تقف أمام حامل خشبي ضخم يتوسط غرفتها الواسعة، حيث تستند لوحة زيتية أثرية تعود للقرن السابع عشر، تمثل قديساً مجهولاً ينظر نحو السماء بعينين يملؤهما الرجاء. كانت تمسك بيدها اليمنى فرشاة دقيقة للغاية مصنوعة من شعر السنجاب، وتضع في يدها اليسرى لوحة الألوان الخشبية. شعرها الكستنائي الناعم كان معقوداً بإهمال وراء رأسها بواسطة قلم رصاص خافق، لتترك بعض الخصلات المتمردة تنسدل على جبهتها، وتداعب وجهها ذي الملامح الهادئة والمليئة بالعمق. كانت عيناها بلون العسل المصفى، واسعتين وصافيتين كبحيرة جبلية لم تلمسها الرياح، تعكسان نقاءً داخلياً نادراً، وجاذبية تنبع من رقتها البالغة وقوتها الصامتة في آن واحد.
كانت ترتدي مئزراً قطنياً أبيض ملطخاً ببقع صغيرة من الألوان الفضية والذهبية، تبدو كنجوم منثورة في سماء ليلية خاصة بها. كانت حركاتها انسيابية، بطيئة ومدروسة، كأنها تمارس طقساً دينياً مقدساً. كانت تضع ضربات خفيفة وشبه غير مرئية من الطلاء لإعادة إحياء جزء متآكل من ثوب القديس في اللوحة، متناغمة مع صوت قطرات المطر العنيفة التي كانت تضرب النوافذ الزجاجية الكبيرة لشقتها، والتي تطل على الزقاق الضيق في الأسفل.
توقفت إيلينا عن الرسم لبرهة، وأنزلت يدها ببطء، ثم أخذت نفساً عميقاً وهي تتأمل اللوحة. كانت هذه مهنتها وشغفها الأكبر في الحياة: ترميم اللوحات الفنية القديمة في متحف صغير غير حكومي بفلورنسا. كانت ترى في عملها نوعاً من أنواع البعث؛ إعادة الحياة لأشياء ظن الناس أن الزمن قد طواها وقضى عليها.
أرجعت خطوة إلى الوراء، ومسحت جبهتها بظهر يدها، ثم سارت نحو طاولة صغيرة لتتناول فنجان القهوة الدافئ. نظرت إلى النافذة حيث كان البرق يشق السماء السوداء لفلورنسا، ليضيء الغرفة بلحظة خاطفة من البياض الناصع قبل أن يعود الظلام ليتسيد المشهد، متبوعاً بدوي رعد عنيف هز أركان المبنى القديم.
استسلمت إيلينا لمونولوجها الداخلي، وهو حديث نفس اعتادت عليه في عزلتها الاختيارية. فكرت: "ما أغرب هذه المدينة! كم من الأسرار تخفيها هذه الجدران الحجرية تحت عباءة المطر؟ إنها تغسل الشوارع كل ليلة، لكنها تعجز عن غسل آلام البشر الذين مروا من هنا. نحن نرمم اللوحات، نعيد الألوان للأقمشة الميتة، لكن من يرمم الأرواح التي مزقتها الحياة؟ من يعيد النقاء لقلوب تلوثت بالواقع؟"
تنهدت بهدوء، وشربت رشفة من قهوتها، شاعرة بالمرارة اللذيذة تشتعل في حلقها. كانت إيلينا قد اختارت هذه الحياة الهادئة المنعزلة تماماً بعد صدمة قديمة عاشتها في طفولتها، عندما فقدت والديها في حادث مأساوي، لتجد نفسها وحيدة في عالم لا يرحم الضعفاء. ومنذ ذلك الحين، نذرت نفسها للفن والتاريخ، حيث تجد في صحبة الموتى من الفنانين أماناً لا تجده بين الأحياء. كانت شقتها هي حصنها المنيع، محرابها الذي لا تسمح لأي غريب بدخوله، متدثرة بالسلام الذي صنعته لنفسها بجهد جهيد.
عادت إلى لوحتها مجدداً، وغمرت الفرشاة في سائل المذيب ببطء، وهي تستمع إلى صوت العاصفة التي كانت تزداد عنفاً بالخارج. كانت الرياح تصفر عبر شقوق النافذة كأنها كائن حي يئن من الألم. وفجأة، وفي وسط ذلك النسيج الصوتي الرتيب للمطر والرعد، تغلغل إلى مسامعها صوت غريب، مغاير تماماً لطبيعة الليلة.
لم يكن صوت رعد، ولم يكن صوت ارتطام الرياح بالخشب. كان صوتاً ثقيلاً، مكتوماً، كأن شيئاً ضخماً قد ارتطم بالجدار السفلي للمبنى، يليه صوت احتكاك طويل وبطيء ينتهي بوقوع شيء ما على الأرض الحجرية مباشرة عند عتبة بابها الخارجي.
تسمرت إيلينا في مكانها. ظلت الفرشاة معلقة في الهواء بين أصابعها، ونبضات قلبها تسارعت فجأة لتدق بعنف في صدرها. وضعت فنجان القهوة بطلب على الطاولة، وهي تحبس أنفاسها، محاولة استيضاح الصوت. مرت لحظات من الصمت المطبق، لم يكن يقطعه سوى أنين العاصفة.
قالت في نفسها وهي تحاول تهدئة روعها: "ربما هي مجرد حاوية نفايات قلبتها الرياح العاتية.. أو غصن شجرة مكسور سقط من الشرفة العلوية. نعم، لا داعي للقلق، لا يوجد ما يخيف في هذا الزقاق المنعزل."
لكن غريزتها الأنثوية، وحاستها السادسة التي نادراً ما تخطئ، كانت تخبرها بأمر آخر تماماً. كان هناك إحساس بالثقل يملأ الهواء المحيط بالباب. خطت خطوات بطيئة وصامتة فوق الأرضية الخشبية التي كانت تصدر صريراً خفيفاً، متجهة نحو الردهة الصغيرة المؤدية إلى الباب الخشبي العتيق للشقة. كانت كل خطوة تخطوها تبدو وكأنها تستغرق دهراً، وكان الخوف يزحف ببطء إلى أطرافها ليجعلها باردة.
وقفت خلف الباب مباشرة. وضعت يدها الرقيقة على سطح الخشب البارد، وشعرت باهتزاز طفيف، كأن هناك من يستند عليه من الجانب الآخر، نفس ثقيل ومتقطع يكاد يلامس مسامعها رغم عاصفة المطر. ترددت كثيراً، وصراعها الداخلي كان عنيفاً؛ عقلها يصرخ بها أن تتراجع، وتغلق الأقفال بإحكام، وتعود إلى لوحتها الآمنة، بينما قلبها وإنسانيتها، والنذر القديم الذي قطعته على نفسها بأنها لن تدير ظهرها أبداً لمستغيث، كانا يدفعانها للاستكشاف.
حركت يدها نحو القفل الحديدي العتيق. أدارت المفتاح ببطء وبحذر شديد، لتصدر تروس القفل صوتاً معدنياً حاداً انقشع في صمت الردهة. أمسكت بمقبض الباب، وفتحته موارباً بضعة سنتيمترات فقط، لتستقبل وجهها لفحة من الهواء البارد الممزوج بحبات المطر الشديدة، والتي جعلتها ترتعش.
نظرت إلى الأسفل عبر الشق الصغير، وفي تلك اللحظة، تجمد الدم في عروقها، واتسعت عيناها العسليتان بذهول ورعب حقيقيين.
لم يكن هناك غصن شجرة، ولم تكن حاوية نفايات. كان هناك رجل. رجل ضخم البنية، ملقى بكامل جسده على الأرض الحجرية الباردة، مستنداً بكتفه على عتبة بيتها. كان يرتدي حُلة سوداء فاخرة تمزقت أطرافها، وقميصاً أبيض كان يغطيه لون أحمر قارم وداكن، لون دماء غنية ودافئة كانت لا تزال تتدفق ببطء لتختلط بمياه المطر الجارية حول جسده، صابغة عتبة بيتها النظيفة برمز الموت والهلاك.
تراجعت إيلينا خطوة إلى الوراء، ويدها على فمها لتمسك صرخة رعب كادت أن تنطلق من حنجرتها. كان المنظر مرعباً ومفاجئاً لدرجة شلت تفكيرها لثوانٍ. نظرت إلى وجهه المستلقي تحت الضوء الشاحب للمصباح النحاسي؛ كانت ملامحه حادة، رجولية، وقاسية للغاية، كأنه تمثال منحوت من صخر بركاني. وجهه كان شاحباً كالموت، وشعره الأسود الفاحم كان مبللاً ويلتصق بجبهته، بينما كانت عيناه مغلقتين تماماً، وأنفاسه تخرج بصعوبة بالغة على شكل فحيح متقطع.
"يا إلهي.. إنه يموت!" همست إيلينا باللغة الفصحى بصوت مرتجف، والذعر يتملكها.
كانت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تغلق الباب في وجه هذا الغريب وتتركه لمصيره المحتوم تحت المطر والنزيف، أو أن تتدخل وتخاطر بكل شيء لإنقاذ حياة رجل لا تعرف عنه شيئاً، سوى أنه ينزف حتى الموت على عتبة بيتها. كانت تعلم أن الاتصال بالشرطة أو الإسعاف في هذه الليلة العاصفة وفوق هذا الزقاق النائي قد يستغرق ساعات، ساعات لا يملكها هذا الرجل الراقد أمامها.
نظرت إلى دمائه التي بدأت تتسرب إلى داخل الردهة تحت الباب، وكأنها خيوط من القدر تلتف حول قدميها لتجبرها على الاختيار. تذكرت والديها، وتذكرت اللحظة التي تمنت فيها لو أن أحداً ما ظهر لإنقاذهما في ذلك الماضي البعيد. تحولت ملامح الخوف في عينيها إلى تصميم غريب وقوة نفسية مفاجئة.
اندفعت نحو الأمام، وفتحت الباب على مصراعيه، غير مبالية بالمطر الذي بدأ يغرق ثيابها ومئزرها. انحنت بجانب الرجل الضخم، ووضعت أصابعها المرتجفة على عنقه تبحث عن نبض. كان نبضه ضعيفاً، سريعاً، ومضطرباً كطائر يصارع الموت بين مخالب صياد.
"سيدي! سيدي، هل تسمعني؟" نادته بصوت مرتفع وهي تهز كتفه برفق، لكنه لم يبدِ أي استجابة؛ كان غارقاً في ظلام غيبوبته المطبقة.
أدركت إيلينا أنها إن لم تدخله إلى الشقة فوراً، فإن البرودة والمطر سينهيان حياته قبل النزيف. بدأت المحاولة المضنية؛ أمسكت به من تحت إبطيه وحاولت سحبه إلى الداخل. كان جسده ثقيلاً للغاية، بنيته العضلية الضخمة وطوله الفارع جعلا المهمة شبه مستحيلة لجسدها الرقيق والناعم. كانت تضغط بقدميها على الأرض، وتستجمع كل قوتها، وتتأوه من المجهود، بينما كان المطر يبلل وجهها ويختلط بدموع التوتر التي بدأت تنهمر من عينيها.
"أرجوك.. ساعدني قليلاً.. تحرك!" كانت ترجوه بالفصحى وهي تسحبه سنتيمتراً تلو الآخر. بجهد جهيد، وبقوة نبعت من الأدرينالين الخالص الذي تدفق في جسدها، تمكنت أخيراً من سحب جسده الهامد عبر العتبة وإدخاله تماماً إلى داخل الردهة الدافئة.
أغلقت الباب الخشبي بسرعة، وأدارت الأقفال بإحكام، وكأنها تغلق الباب في وجه الموت نفسه الذي كان يلاحقه بالخارج. استندت بظهرها إلى الباب، وأنفاسها تتصاعد وتتلاحق بعنف، وجسدها يرتجف بالكامل من الخوف والمجهود الشاق. كانت الردهة هادئة الآن، لكن هذا الهدوء كان مشحوناً برائحة الدماء والحديد التي بدأت تطغى على رائحة القهوة والألوان الفنية.
التفتت لتنظر إلى الرجل المستلقي على أرضيتها الخشبية الفاخرة. كانت الحُلة السوداء غارقة بالماء والدم، والجرح يبدو في خاصرته الأيمن كفم مفتوح يلفظ الحياة مع كل نبضة قلب. تخلت إيلينا عن خوفها، وحلت محلها عقلية المرممة الدقيقة التي تتعامل مع اللوحات التالفة؛ فالأمر هنا لا يختلف كثيراً، هناك جسد بشري يتلف، وعليها ترميمه قبل فوات الأوان.
ركعت بجانبه مجدداً، وبدأت في خلع سترته الثقيلة بصعوبة، لتظهر قميصه الأبيض الذي أصبح أحمر بالكامل. بدأت في تمزيق أزرار القميص لتكشف عن مكان الجرح، لتصدم بنوع الإصابة؛ لم تكن طعنة سكين، ولم تكن ضربة عادية. كان ثقباً صغيراً ومستديراً يتوسط خاصرته، يتدفق منه الدم بغزارة.
"هذه.. هذه رصاصة!" همست برعب، واجتاحتها موجة جديدة من الذعر. لم يكن هذا رجلاً عادياً تعرض لسرقة في الشارع، فالرصاص في إيطاليا يعني شيئاً واحداً كبيراً ومرعباً: المافيا والعصابات المنظمة.
تراجعت خطوة إلى الوراء، ونظرت إلى وجهه القاسي والندبة الصغيرة التي تزين وجنته اليسرى، ثم نزلت عيناها إلى يده اليمنى الملقاة على الأرض. رأت وشمًا غامضاً ومتقناً يمتد من معصمه حتى أصابعه؛ كان عبارة عن ظل أسود يلتف حول خنجر عتيق وتاج من الأشواك، وهو الشعار السري لعائلة "الكامورا" في الشمال، الرمز الذي يعرفه الجميع ويخافون حتى من ذكره.
امتلأ عقله بصدمة مروعة، ومونولوغها الداخلي عاد ليعصف بها: "ماذا فعلتِ يا إيلينا؟ من هذا الذي أدخلتِهِ إلى محرابكِ الآمن؟ إنه وحش.. إنه رجل من رجال الظلام والدماء! لو علم أعداؤه بوجوده هنا، لقتلوني ودمروا عالمي في ثوانٍ. ولو استيقظ هو، ربما يقتلني ليخفي أثره."
نظرت إلى الباب، ثم نظرت إلى جرحه الذي بدأ ينزف بغزارة أكبر، وبدا وجهه يزداد شحوباً كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. نظرت إلى يدها الملطخة بدمائه الدافئة. سألت نفسها بالفصحى: "هل أخرجه مجدداً؟ هل أدعه يموت لأن هويته مرعبة؟ لا.. الفن علمني أن لكل شيء قيمة، وأن الحياة تظل حياة بغض النظر عن صاحبها. أنا لا أستطيع القتل بالترك، سأفعل ما يمليه عليّ ضميري، وليحدث بعد ذلك ما يحدث."
استجمعت شجاعتها، ونهضت مسرعة نحو مطبخها الصغير وغرفتها. أحضرت صندوق الإسعافات الأولية الكبير الذي تحتفظ به دائماً، وجلبت زجاجات من الكحول الطبي المطهر، ولفافات شاش بيضاء نقية، وإبراً وخيوطاً طبية معقمة كانت تستخدمها أحياناً في خياطة الأقمشة الخلفية للوحات القديمة الثمينة. كما أحضرت وعاءً كبيراً مليئاً بالماء الدافئ وقطعاً من القماش النظيف.
عادت وركعت بجانبه، ممسكة بقطعة قماش مبللة، وبدأت في مسح الدماء المحيطة بالجرح ببطء وحذر. كانت ملامحه تنقبض مع كل لمسة، ويصدر عنه أنين مكتوم وعميق ينبئ عن ألم فظيع يستقر في أعماقه رغم غيابه عن الوعي. كانت يداها ترتجفان وهي تصب الكحول المطهر مباشرة فوق الجرح، ليتصاعد صوت أزيز خفيف، وينتفض جسد الرجل الضخم انتفاضة عنيفة كادت أن تطيح بها أرضاً، لكنه لم يفتح عينيه؛ ظل أسيراً لغيبوبته.
"تحمل.. أرجوك تحمل.." كانت تمتم بخوف وهي تضغط بقطعة الشاش النظيفة لكتم النزيف.
أمضت الساعات التالية في معركة حقيقية وضارية ضد الموت. كانت تعمل بدقة متناهية وسرعة فرضتها الظروف. فحصت الجرح بعناية لتكتشف بمعجزة أن الرصاصة قد نفذت من الجانب الآخر ولم تستقر في الداخل، مما يعني أن الأحشاء الداخلية لم تتلف بالكامل، وأن النزيف الخارجي هو الخطر الأكبر. بدأت في استخدام الإبرة والخيط الطبي، وبأصابعها الرقيقة التي اعتادت على التعامل مع أكثر اللوحات حساسية وتلفاً في التاريخ، بدأت في خياطة حواف الجرح الممزق.
كانت كل غرزة تضعها تبدو وكأنها ترسم خطاً جديداً في لوحة قدرها الخاص. كانت الدماء تلوث يديها وثيابها، وعرق المجهود يتصبب من جبينها ليختلط بدموعها. وصف السرد هنا يعكس تفاصيل الألم؛ ملامح أليساندرو الحادة كانت تنقبض، وعضلات جسده القوية تتوتر مع كل غرزة، بينما كانت إيلينا تهمس بكلمات وتضرعات خافتة بالفصحى، ترجو فيها أن ينتهي هذا الكابوس على خير.
بعد ما بدا وكأنه دهر من الزمن، وضعت إيلينا الغرزة الأخيرة، وقطعت الخيط بأسنانها المرتجفة. قامت بلف شاش أبيض نقي بإحكام حول خاصرته وصدره العريض، متأكدة من أن النزيف قد توقف أخيراً، وأن نبضه بدأ يستقر قليلاً، ويصبح أكثر عمقاً وهدوءاً.
رمت بجسدها المنهك إلى الوراء، وجلست على الأرض مستندة بجدار الردهة، وهي تنظر إلى صنع يديها. كان وعاء الماء قد تحول إلى اللون الأحمر القاتم، والقطع القطنية الملطخة بالدماء منثورة حولها، ورجل المافيا المخيف راقد بسلام نسبي على أرضيتها، وصدره يرتفع وينخفض بأنفاس منتظمة.
نظرت إلى وجهه في هذا السكون الفجري الذي بدأ يحل بعد انقشاع العاصفة تدريجياً. لاحظت لأول مرة تفاصيل ملامحه دون رعب؛ كان وسيماً بشكل مظلم ومهيب، وسامة تحمل طابع الخطر والغموض الذي يلف رجال الحكايات القديمة. فكرت بذهول: "من أنت أيها الغريب الملطخ بالدماء؟ وما الذي جلبك إلى عتبة عالمي الساكن؟ لقد رممتُ جسدك الليلة.. لكنني أشعر أنني فتحتُ باباً لبركان لن أستطيع إغلاقه أبداً."
ومع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تتسلل عبر النافذة لتصبغ الغرفة بلون أزرق باهت، شعرت إيلينا بثقل هائل يجتاح جسدها. أغمضت عينيها العسليتين المنهكتين لثوانٍ فقط لتستريح، مستسلمة لنوم عميق وبدون وعي بجانب الرجل الذي أنقذته، دون أن تعلم أن هذه الليلة كانت مجرد البداية، وأن وحش فلورنسا المخيف يوشك على الاستيقاظ ليقلب عالمها رأساً على عقب.