เข้าสู่ระบบكادت ساقا إريك تخونانه مع آخر الخطوات. كان معظم ثقله يستند إلى كتف إيلينا، بينما تقاوم انزلاقهما فوق الثلج المتجمد. لم تعد تشعر ببرودة الليل ولا بآلام ذراعها المرتجفة. كل ما يهمها أن توصله قبل أن يسقط فاقد الوعي.
سمعت أنفاسه المتقطعة خلفها. قال بصوت خافت يكاد يضيع مع الريح: — اتركيني... ما زال بإمكانك العودة. لم تلتفت. — وفر أنفاسك. خرج منه ضحكة قصيرة تحولت إلى تأوه: — أنتِ عنيدة. ابتسمت ابتسامة باهتة: — سمعتُ ذلك كثيرًا. — إذن كانوا على حق. ظهرت أضواء المنزل بين الأشجار أخيرًا. كلما اقتربت ازداد الثقل على صدرها. توقفت أمام الباب وأغمضت عينيها لثانية. إذا عبر هذا الرجل العتبة... فلن يعود شيء كما كان. شعر بترددها ورفع رأسه بصعوبة: — هذه فرصتك. اتركيني هنا. نظرت إلى وجهه الشاحب والدم الذي يلطخ الثلج عند قدميه. هزت رأسها: — فات الأوان. طرقت الباب طرقات خفيفة. انفتح بعجلة وظهرت ماريا بوجه شاحب. — إيلينا! أين كنتِ؟ لقد... توقفت الكلمات. انتقلت نظراتها من ابنتها إلى الرجل المستند إليها، ثم إلى زيه العسكري. اختفى القلق وحل محله الذهول. خرج صوت كاتارينا من الغرفة المجاورة. وما إن وقع بصرها على إريك حتى تصلبت ملامحها. اقتربت ببطء وقالت بصوت حاد: — لا... لن يدخل هذا الرجل بيتنا. شعرت إيلينا بثقل جسده يزداد. قالت بهدوء: — جدتي... إنه ينزف. ضربت كاتارينا الأرض بعصاها: — ويرتدي زي من قتلوا أباك. رفع إريك رأسه بصعوبة: — إنها محقة. دعوني أرحل. حاول الابتعاد لكن ساقيه خانته. ترنح ولولا إيلينا لسقط. تنهدت ماريا وهي تنظر إلى الدم على العتبة: — هل وجدته في الغابة؟ — كان وحده... وكان سيموت. بقيت كاتارينا تنظر إليه كأنه شبح من الماضي: — دعيه يموت. الحرب لم ترحم أحدًا... فلماذا نرحم نحن؟ رفعت إيلينا رأسها بثبات: — لأنني لا أريد أن أصبح مثلها. تبادلت ماريا وكاتارينا النظرات. كانتا تعرفان أن إيلينا حين تتحدث بهذه النبرة يكون قرارها قد حُسم. في تلك اللحظة أغلق إريك عينيه وانحنى رأسه. شهقت إيلينا: — إريك! هزته برفق فاستجاب بصعوبة. نظرت ماريا إلى الجرح الذي نزف من جديد، ثم أطلقت زفرة طويلة. كانت ترى جنديًا ألمانيًا... لكنها رأت أيضًا إنسانًا يلفظ أنفاسه. أغمضت عينيها ثم قالت: — أدخلوه. — ماريا... قاطعتها دون أن تنظر إليها: — لن أدعه يموت على عتبة بيتي. دخلت إيلينا تسنده بينما بقيت الجدة عند الباب وعيناها لا تفارقان الزي. دفعت الباب بقدمها حتى أغلقته، وساعدت إريك على الجلوس قرب المدفأة. ما إن استند حتى أغمض عينيه كأن جسده توقف عن المقاومة. انحنت ماريا قرب الجرح. أبعدت طرف المعطف بحذر. ما إن رأت كمية الدم حتى انعقد حاجباها: — الرصاصة خرجت... لكنه فقد دمًا كثيرًا. أدركت إيلينا المعنى فورًا. إن لم يُعالج الآن فلن يصمد حتى الصباح. أطلقت كاتارينا زفرة غاضبة: — كل دقيقة يقضيها هنا تزيد خطرنا. لم ترد ماريا. نهضت واتجهت إلى الموقد. وضعت قدرًا صغيرًا فوق النار وبدأت تبحث عن قماش نظيف وأعشاب طبية. راقبتها كاتارينا ثم قالت بصوت خافت: — لو كان أليكسي حيًا... توقفت ماريا لثوانٍ ثم أجابت دون أن تستدير: — لو كان حيًا... لما أراد أن يموت أحد على باب بيته. انفتح باب الغرفة الداخلية وخرج ميخائيل يفرك عينيه. توقف حين رأى الغريب. ظل يحدق ثم انتقلت عيناه إلى الضماد الملطخ بالدم. اقترب خطوة قبل أن توقفه الجدة بنظرة حادة: — ابقَ مكانك. لكنه لمح الشعار الألماني. اختفى الفضول من وجهه ورفع نظره إلى إيلينا ينتظر تفسيرًا. لم تجد ما تقوله. فتح إريك عينيه والتقت عيناه بعيني الطفل. خفض بصره في هدوء كأنه لا يحتمل الخوف في وجه طفل آخر. وضعت ماريا الوعاء الساخن على الطاولة ولفت كميها: — يجب أن أنزع الضماد. أومأ إريك بصمت. أبعدت القماش الملطخ وبدأت تنظف الجرح بحركات ثابتة. كان الماء المحمر ينساب بينما ظل ساكنًا لا يصدر سوى أنفاس متقطعة. انقباض فكه كان يكشف حجم الألم. راقبته إيلينا بصمت. كيف يحتمل كل هذا الوجع دون شكوى؟ رفعت ماريا رأسها: — الرصاصة خرجت... لكن النزيف لن يتوقف ما لم يرتح. مدت إيلينا يدها لتناول الضمادات. التقت عيناها بعيني إريك. رأت في نظرته امتنانًا صامتًا فخفض بصره سريعًا. بعد دقائق انتهت ماريا من التضميد: — لن يموت الليلة... إذا بقي هادئًا. لم تكد كلماتها تنتهي حتى شق سكون الليل صوت ارتطام عنيف بالباب. دق... دق... دق... تجمد الجميع. انطفأت حتى همسات النار. ثم جاء صوت خشن من الخارج: — افتحوا الباب! تفتيش عسكري! تبادلت ماريا وإيلينا النظرات. شحب وجه كاتارينا وهي تقبض على عصاها. فتح إريك عينيه دفعة واحدة. اختفى الإرهاق وحل مكانه يقظة الجندي. أدرك الجميع الحقيقة: إذا دخل الجنود ورأوه... فلن يخرج أحد من هذا المنزل حيًا. تقدمت إيلينا نحوه وهمست: — لا تصدر أي صوت. أومأ ببطء. لكن الطرق ازداد عنفًا: — افتحوا... فورًا! ارتجف مقبض الباب كأن من في الخارج بدأ يحاول فتحه بنفسه.بينما الأجواء هادئة في ألمانيا، فإن نيويورك كانت تموج بالأنوار والموسيقى في قاعة فندق بلازا الكبرى. إيلينا فونشتاين وقفت وسط الحشد الأنيق، وقد أعلن المنظمون نجاح مجموعتها الجديدة في عالم التصميم. التصفيق ما زال يتردد حين اقترب منها أحد المنظمين وقال بهدوء: ـ سيدتي فونشتاين، اسمح لي أن أقدم لك السيد ديمتري روشينسكي، أحد كبار رجال الأعمال الروس. مد الرجل يده. كان طويل القامة، شعره أسود، وعيناه رماديتان باردتان. ابتسم ابتسامة مهذبة وقال: ـ شرف كبير لي. تابعت أعمالك منذ أيام وارسو. موهبتك نادرة حقاً. صافحته إيلينا وقالت: ـ شكراً لك، سيد روشينسكي. هذا لطف منك. جلسا على طاولة جانبية. تحدث عن الفن والعمارة الروسية، عن كيف أن الجمال الحقيقي يولد من الألم. كانت كلماته مثقفة وهادئة. ثم قال فجأة: ـ سمعت أنكِ تزوجتِ من إريك فونشتاين... الألماني. ابتسمت إيلينا: ـ نعم. زوجي. نظر إليها طويلاً ثم قال بنبرة ساخرة خفيفة: ـ ألم يكن غريباً أن تختار امرأة بولندية رجلاً من عائلة ألمانية؟ تجمدت ابتسامتها للحظة: ـ الماضي ماضٍ، سيد روشينسكي. نحن نعيش الحاضر. ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه:
ثلاثة أشهر مرت كسراب خاطف على برلين ونيويورك وجحيم الشرق. على واجهة أكشاك الصحف في جادة "ماديسون" بنيويورك، كانت صورة إيلينا تتصدر غلاف أشهر المجلات الأمريكية للموضة. ظهرت برداء أبيض عاجي بأسلوب ناعم يجمع بين كبرياء أوروبا الشرقية وحداثة العالم الجديد، تحت عنوان عريض: "الأسطورة القادمة من الظلال.. إيلينا تقتحم عرش التصميم العالمي". داخل جناحها الدافئ، كانت إيلينا تقف أمام النافذة العريضة. وضعت يدها برفق على بطنها التي لم تبدُ عليها آثار الحمل بوضوح بعد، إذ لم يتجاوز شهرها الثالث، لكن لمستها كانت تفيض بحنان حذر. تذكرت كلمات طبيبها الأخير في نيويورك بنبرته الحازمة: "جسمكِ أُجهد كثيراً يا سيدة إيلينا، والسفر عبر المحيط في حالتكِ هذه مخاطرة كبرى.. يمنع عليكِ السفر منعاً قاطعاً حتى تضعين مولودكِ بسلام". ابتسمت إيلينا بأسى، وسحبت من درج مكتبها المظروف الجلدي الثقيل الذي يحوي رسائل إريك. فتحت الرسالة الأخيرة التي وصلتها منه قبل أسابيع بخط يده الموزون: > "إيلينا.. أختبئ من قسوة الجليد برسم عينيكِ في مخيلتي. اعلمي أنني لم أحارب يوماً لأجل الرتب أو الجاه، بل لأعود إليكِ حياً. حافظي على صغي
تحت سماء برلين الرمادية، كان المطر الخفيف يتساقط ببرود على أرض المقبرة الهادئة، ليبلل التراب المستحدث حول القبر المفتوح. لم تكن هناك معازف عسكرية، ولا حرس شرف، ولا وسام واحد يزين التابوت الخشبي البسيط الذي ووري فيه جثمان هنريش فونشتاين. كان المشهد عارياً من كل هيبة. يقف حول القبر أربعة أشخاص فقط، تلتف أجسادهم بالمعاطف الداكنة: فيلهلم، ابنه كارل، وزوجته إيفا، والابن الأصغر. نظر فيلهلم إلى التابوت والدموع تخنق صوته، ينكش التراب بعصاه الخيزرانية بنبرة يملؤها الشجن والانكسار: — «من كان يصدق أن تموت هذه الموتة البشعة في زنزانة باردة يا هنريش؟ وأن تُحرم حتى من الجنازة العسكرية التي قضيت عمرك تحلم بها؟ أشعر بالحزن والحرقة عليك يا أخي.. رحماك يا رب.» رد كارل بصلابة وقسوة، مضيقاً عينيه بنظرة خالية من أية رحمة: — «ولماذا الحزن يا أبي؟ ما فعله هنريش لا يستوعبه عقل بشر! لقد لطخ تاريخ العائلة بالدماء والتزوير والقتل، وما حدث له اليوم هو الجزاء العادل لجرائمه. نال ما تستحقه يداه.» التفتت إيفا نحو ابنها كارل بنبرة غاضبة وممزوجة بالحزن والزجر: — «احترم عمك يا كارل! إنه الآن في دار الحق بين يدي
في صباح نيويورك البارد، جلست إيلينا أمام الطاولة الزجاجية في مكتب إليانور. العقد ممدود أمامها، ست صفحات أنيقة بالحبر الأسود. إليانور كانت تراقبها بصمت، يداها مضمومتين فوق ركبتيها. ستة أشهر قالت إليانور بهدوء. -مع إمكانية التجديد. استوديو خاص، راتب محترم، ورعاية طبية كاملة لكِ ولطفلكِ. هذا أفضل ما يمكن أن تحصلي عليه الآن. أمسكت إيلينا القلم. يدها توقفت في الهواء لحظة طويلة. ثم وضعت يدها الأخرى على بطنها، كأنها تستشير الجنين، ووقّعت اسمها بخط ثابت. بعد أن انتهت، رفعت رأسها ونظرت من النافذة إلى المدينة اللامعة. 'أنا لم أختر البعد»، همست. «لكنني اخترت حياته"ابتسمت إليانور ابتسامة راضية. "أحسنتِ اختياركِ"خرجت إيلينا من المبنى وهي تشعر بثقل غريب وراحة أغرب. في الشارع، وضعت يدها مجدداً على بطنها وهمست: امضينا العقد… الآن نبدأ الانتظار الحقيقي"في أوروبا كانت السماء تمطر رصاصاً. الأخبار تصل متقطعة: تصعيد عنيف على الجبهة الشرقية، قصف ليلي على المدن، وإغلاق تدريجي لكل الموانئ والطرق الآمنة. ماريا جلست في غرفة مظلمة في برلين، الهاتف في يدها ترتجف. حاولت لأسابيع ترتيب سفر إلى أمري
كان الصباح رمادياً في نيويورك، والسماء مثقلة بالغيوم كأنها تشارك إيلينا ثقلها. جلست في جناحها الفاخر، يدها على بطنها، والصورة القديمة لإريك ممددة أمامها على الطاولة. فجأة رنّ الهاتف. رفعت السماعة بتردد. ايلينا؟" جاء صوت ليليان دافئاً ومليئاً بالفرح. "ماريا أخبرتنا الخبر… أنتِ حامل! مبروك من أعماق قلبي يا عزيزتي. العائلة كلها فرحة" حاولت إيلينا أن تبتسم، لكن صوتها خانها. "شكراً لكِ… ليليان" صمتت ليليان لحظة، ثم سألت بقلق حقيقي: "ماذا هناك؟ صوتكِ حزين جداً. ما الذي يحدث؟" تنهدت إيلينا بعمق، والدموع بدأت تلمع في عينيها. "الطبيب منعني من أي سفر طويل. قال إنني يجب أن أبقى هنا في أمريكا حتى الولادة كاملة… تسعة أشهر كاملة. لن أستطيع العودة، حتى بعد أن يولد" سمعَت ليليان الشهيق المكتوم في الجهة الأخرى. "إلهي… همست. ثم قالت بحزم أمومي: لا تخافي. سأتصل بفريدريش فوراً. سأجعله يجد طريقة ليصل إريك بكِ في أقرب فرصة ممكنة، مهما كلف الأمر. لا تقلقي يا عزيزتي، سيكون كل شيء على ما يرام. أنا معك" بعد أن أغلقت الخط، شعرت إيلينا بشيء من الهدوء يتسرب إلى صدرها. غسلت وجهها، وارتدت معطفاً خ
استيقظت إيلينا على ضوء خافت يتسرب من بين الستائر الثقيلة. رأسها يدور بشدة، وحلقها جاف كالصحراء. وجدت قريبة جدتها الأمريكية جالسة إلى جوارها، عيناها مليئتان بالقلق الصامت. "الحمد لله أنكِ فتحتِ عينيكِ" قالت المرأة وهي تمسك يدها برفق."سقطتِ مغشياً عليكِ البارحة. أحضرتُ الطبيب فوراً' دخل الطبيب، رجل هادئ في منتصف العمر، وفتح حقيبته الطبية ببطء مدروس. فحص نبضها، ثم استمع إلى صدرها، ونظر إليها نظرة طويلة قبل أن يتكلم. -الآنسة إيلينا… أنتِ حامل. في الأسابيع الأولى تقريباً" تجمدت إيلينا في مكانها. الهواء خرج من رئتيها دفعة واحدة، كأن شيئاً ثقيلاً سقط على صدرها. وضعت يدها على بطنها غريزياً، كأن نبضاً خفياً قد استيقظ فجأة تحت جلدها. -حامل؟، همست بصوت مكسور لا يكاد يُسمع. أومأ الطبيب برأسه بهدوء. "نعم. والحمل يبدو مستقراً حتى الآن، لكنكِ بحاجة إلى راحة تامة. ممنوع عليكِ أي سفر طويل أو إرهاق شديد. يجب أن تبقي هنا في أمريكا حتى الولادة على الأقل. أي رحلة عبر المحيط في حالتكِ قد تعرضكِ أنتِ والجنين للخطر" سكتت الغرفة سكوتاً مطبقاً. نظرت إيلينا إلى الطبيب كأن الكلمات كانت تُقال بلغة غر







