LOGINمرّ أسبوع منذ آخر حملة تفتيش. لم تكن فيرينوفا قرية كبيرة، لكنها خلال أيام قليلة بدت وكأنها هرمت عقودًا. اختفت ضحكات الأطفال من الأزقة، وأصبح الناس يغلقون أبوابهم قبل الغروب بوقت طويل. بعدها لا يُسمع سوى صفير الريح بين البيوت الخشبية أو نباح كلب بعيد يقطعه صمت ثقيل.
غطّت الثلوج كل شيء: الطرق والأسوار والأغصان المنحنية تحت ثقل البياض. وعلى أطراف القرية وقفت أشجار الصنوبر شامخة كحراس صامتين يراقبون الحرب دون أن يستطيعوا إيقافها. داخل منزل عائلة بتروفا كان الدفء المتصاعد من الموقد الشيء الوحيد الذي يقاوم الشتاء القاسي. تصاعدت رائحة الحساء البسيط بينما جلست ماريا تخيط معطف ميخائيل الممزق، وكانت كاتارينا تفرغ ما تبقى من الدقيق في وعاء خشبي. أما إيلينا فكانت تقف أمام النافذة تحدق في الغابة التي وجدته فيها قبل أسبوع. ما زالت تتذكر تلك الليلة بوضوح: الثلج، الدم، وذلك الرجل الذي رفع مسدسه نحوها وهو بالكاد يستطيع الوقوف. سمعت حركة خلفها فاستدارت. كان يحاول الوقوف دون أن يستند إلى الجدار. راقبته حتى اعتدل، ثم قالت وهي تعقد ذراعيها: — يبدو أنك مصرّ على تحدي الجرح. — بل أحاول التأكد أن قدمي ما زالتا تتذكران المشي. — لا تقلق... ستتذكران السقوط أيضًا إذا واصلت العناد. نظر إلى جانبه: — الألم أصبح أخف. — لكنه لم يختفِ. ولن يختفي وأنت حبيس هذه الغرفة. اقترب من النافذة ونظر إلى الثلج المتساقط: — على الأقل... السماء هناك أوسع. ابتسمت دون أن تشعر: — لم أتوقع أن يقول ضابط ألماني جملة كهذه. — ولم أتوقع أن أجادل فتاة أنقذت حياتي كل صباح. دخل ميخائيل راكضًا يحمل قطعة خشب. ألقتها إيلينا في الموقد فارتفعت ألسنة اللهب وأضاءت الغرفة بلون برتقالي. جلس إريك قرب النار ومد يديه، وقال بصوت منخفض إنه نسي منذ متى لم يجلس هكذا دون أن يسمع إطلاق نار أو أوامر أو صراخًا. ساد الصمت. كسرت ماريا الهدوء وهي تضع الوعاء على الطاولة: — الهدوء جميل... لكنه لا يملأ البطون. فتحت كاتارينا كيس الدقيق وهزته فلم يسقط منه سوى القليل: — هذا آخر ما بقي لدينا. تقدمت إيلينا: — يكفينا يومين على الأكثر. رفع إريك رأسه. كان يدرك أن الوقت حان ليتوقف عن كونه مجرد ضيف. قال فجأة: — سأخرج الليلة. رفعت ماريا رأسها بسرعة: — ماذا قلت؟ — سمعتموني. رفضت إيلينا بشدة قبل أن يشرح، لكنه أصر. بعد حوار قصير اعترف أنه لم يعد عاجزًا، وأن بقاءه يعني نفاد الطعام. رأت فيه تهورًا، فأجاب أنه لا يستطيع الجلوس ومشاهدتهم يجوعون بسببه. فاجأتهم كاتارينا بقولها إن كرامته ما زالت حية، فوبختها ماريا، بينما ابتسم إريك رغمًا عنه. جلس ميخائيل يراقب الشجار وقال ببراءة إنهما يتشاجران كثيرًا لكنهما لا يغضبان. خفضت إيلينا نظرها. قالت ماريا أخيرًا إنه إذا خرج أحد فلن يكون قبل حلول الظلام. سألته أين سيذهب، فأجاب: إلى الطاحونة القديمة. أوضح أنه رآها حين كانت إيلينا تحمله من الغابة وبدت مهجورة. أكدت ذلك، واقترح أن تكون مكانًا مناسبًا لإخفاء المؤن. تذكرت أن بعض القرويين كانوا يضعون أكياس القمح فيها قبل الحرب، لكنها حذّرته من احتمال وجود جنود. ابتسم وقال إنه كان يعلم أنها سترى النصف الفارغ، ثم أضاف بهدوء أنه منذ التقاها بدأ يحاول رؤية النصف الممتلئ. ساد صمت قصير. ابتعدت نحو النافذة لتخفي ارتباكها، ثم قالت دون أن تلتفت: — سنخرج بعد منتصف الليل. — إذًا وافقتِ. استدارت بسرعة: — وافقت لأنني أعرف أنك ستخرج حتى لو رفضت. ولهذا سأكون معك... حتى لا ترتكب حماقة. ضحك بخفة: — كنت أظن أنك لا تثقين بي. — لا أثق بقراراتك. — هذا تقدم. همست كاتارينا لماريا أنها لاحظت تغير نبرتهما. نظرت ماريا إليهما ورأت الابتسامات الصغيرة التي بدأت تظهر بين الكلمات. وقبل أن يتحدث أحد دوّى في الخارج صوت صفارة حادة تبعه وقع حوافر خيول. توقف الجميع واختفت الابتسامات. أدركوا أن حلول الليل لن يكون بداية رحلتهم فقط، بل بداية اختبار قد يغيّر حياتهم جميعًا. حلّ الليل ببطء حتى ابتلعت العتمة آخر خيط من الضوء. أطفأ أهل القرية مصابيحهم ولم يبقَ سوى وهج خافت. كان البرد أشد والريح تعصف بين أشجار الصنوبر فتجعلها تصدر أنينًا. داخل المنزل جلسوا حول الموقد في صمت. وقفت إيلينا وارتدت معطفها الصوفي ولفّت وشاحًا رماديًا حول عنقها. أخذت فانوسًا وأطفأته حتى لا يكشفهم الضوء. أخرجت خريطة قديمة وفرشتها فوق الطاولة، فأشارت إلى موقعهما والغابة والطاحونة قرب مجرى النهر. رفضت الطريق الرئيسي خوفًا من الدوريات، وقررت المرور من بين أشجار الصنوبر رغم أنه أطول لأنه أكثر أمانًا. ابتسم إريك وقال إنه بدأ يفهم لماذا نجَت حتى الآن: لأنها تفكر قبل أن تتحرك. اقتربت ماريا من ابنها وربت على كتفه، ثم أوصت ابنتها بالعودة قبل الفجر وأن يعودا فورًا إذا شعر إريك بألم الجرح. أخرجت كاتارينا سكينًا قديمًا داخل غمد جلدي وناولته لإيلينا قائلة إنها لم تكن تستغني عنه منذ سنوات، لكنه اليوم يحتاجه معها أكثر. أخذته بهدوء وشكرتها. فتحت الباب ببطء فاندفعت موجة من الهواء البارد. علق إريك أن الثلج ازداد، فردّت أن هذا في صالحهما لأنه سيخفي آثارهما. خرجا، وأغلقت ماريا الباب خلفهما بهدوء. كان الليل ساكنًا بصورة مخيفة، وكل خطوة فوق الثلج تصدر صوتًا خافتًا فيلتفتان غريزيًا قبل أن يواصلا. سارا بمحاذاة البيوت حتى وصلا إلى أطراف القرية. أمامهم امتدت الغابة مظلمة. توقفت إيلينا قائلة إن المشكلة تبدأ من هنا. عرض العودة، فسألته إن كان سيتوقف عناده إن عادا. ابتسم وقال لا. تنهدت وقالت إنها كانت تعرف. خطت أول خطوة داخل الغابة وتبعها مباشرة. لم يكونا يعلمان أن عينين كانتا تراقبان خروجهما من بعيد، من خلف سور خشبي عند آخر منزل في القرية. ظل الرجل واقفًا في الظلام حتى اختفيا بين الأشجار، ثم همس لنفسه متسائلًا إلى أين يذهبان في هذا الوقت، وأدار ظهره واتجه نحو الطريق المؤدي إلى مركز الحراسة.مرت خمس سنوات كاملة على ضفاف شاطئ "لونغ آيلاند" الساحر بنيويورك. كانت الأجواء مشمسة ودافئة، والمحيط يمتد أزرق صافياً، تلتقي أمواجه الهادئة بالرمال الذهبية في سلام تام. كان التوأمان ألكسندر وألكسندرا يركضان بضحكات عذبة على الرمال، يطاردهما ميخائيل الذي صار شاباً يافعاً يرقبهما بعناية وحذر أخيّ، وكأنه حارسهم الشخصي الأبدي. وعلى مقربة منهما، تجلس ليليان تبتسم وهي تتابع طفلها "فيديريش الصغير" يلعب بهدوء ويبني قصوراً رملية، ب ينما تجلس الجدة ماريا تحت ظلال المظلة الصيفية تحيك الصوف برضا، وهي ترى شجرة عائلتها المورقة تنمو بعيداً عن أشباح الحرب القديمة ودمارها الذي أكل الأخضر واليابس. حققت إيلينا نجاحاً باهراً؛ إذ غدت دار الأزياء التي أسستها بالشراكة مع إليانور علامة فارقة تتصدر مجلات الفن العالمية، مزجت فيها بين أناقة الشرق الكلاسيكية وقوة الغرب الحديثة. أما إريك، فقد طوى صفحة الجندية والحروب إلى غير رجعة؛ استثمر خبرته العسكرية والتكتيكية ليصبح رجل أعمال ناجحاً في مجال التجارة والملاحة البحرية، مكرساً كل لحظة من حياته ليكون الأب المخلص والزوج العطوف الذي يعوض عائلته عن كل دقيقة خوف
شخصت الأبصار نحو أفق برلين المشتعل؛ صفارات الإنذار لا تهدأ، وأصداء القصف الجوي تدوي كأنها الهزيم الدائم. في حي الشارع السفلي، حيث تقيم ماريا وزوجها، بينما كان ميخائيل صغير عند ايلينا ،اخترقت قذيفة عشوائية المبنى المباشر. سقطت الأسقف الترابية، وانفجر الغبار العاتية ليحجب الرؤية كلياً. كان زوج ماريا قد اندفع ببطولة استثنائية وجسد أجسادها، ليتلقى الردم المتساقط والشظايا القاتلة بنفسه، دافعاً إياها تحت الطاولة الخشبية الفولاذية. سقط الزوج صريعاً ومات في الحين، بينما غاصت ماريا تحت الأنقاض، جريحة ومغمى عليها من شدة الصدمة والدخان. وصل إريك وإيلينا إلى الموقع وسط فزع عارم، والأنقاض تدخن في كل زاوية. — «أمي! أميييي!» صرخت إيلينا بدموع حارقة وهي تحاول اقتحام الركام، لكن إريك مسكها بقوة وسحبها للخلف. — «إيلينا اهدئي! المكان ينهر بالكامل!» قال إريك ونبرته مشدودة من القلق. — «أمي بالداخل يا إريك! اتركني!» بكت إيلينا وهي تعتصر ثوبها. تقدم بعض الأهالي والمنقذين المذعورين، وهتف أحدهم بنبرة يائسة: «لا يوجد أحياء تحت هذا الجانب! المبنى سحق من فيه كلياً!» انهارت إيلينا على ركبتيها بين يدي إريك
في تلك الأجواء الحرب الصعبة كان فالكن وإليزابيث قد توجها إلى المقر الإداري للقيادة العسكرية في قلب المدينة لتدمير الوثائق السرية الخاصة بعائلة فونشتاين وتأمين أوراق التسريح النهائي لإريك ليتمكنوا من الفرار. لكن الغارات لم ترحم أحداً؛ سقطت القذائف المباشرة على المقر، لينهار المبنى الضخم المكون من أربعة طوابق فوق رؤوس من فيه، محولاً الأروقة إلى ركام وهباء. وصل إريك إلى الموقع بعد شروق الشمس مباشرة، يقود سيارته العسكرية القديمة وسط الشوارع المحطمة. عندما ترجل أمام جبل الأنقاض، جمدت الدماء في عروقه. جثا على ركبتيه بين الركام المشتعل، وبدأ يحفر بيديه العاريتين بلا رحمة، يرفع الحجارة الثقيلة والحديد المنصهر وأصابعه تدمى، صامتاً كالصخر دون أن تخرج منه زفرة واحدة. وقف جنود الدعم من حوله يرقبون ذهوله بقلق، حتى تمكن من إخراج جثمان والدته إليزابيث وبجوارها فالكن الذي ألقى بجسده فوقها في لحظاته الأخيرة ليكون سداً دون القذيفة. أعاد إريك جثمانيهما إلى حديقة الفيلا الخلفية. في الشتاء القارس، وتحت زخات المطر والرماد المتساقط، حفر إريك القبرين بمفرده، يرفض مساعدة أي شخص. وقفت إيلينا على مقربة من
لم تدم هدأة بال برلين طويلاً؛ إذ سرعان ما تحولت تلك السكينة المؤقتة إلى كابوس داكن يطباق على أرجائها. بدأت نُذر العاصفة تتسلل إلى العاصمة القيصرية بثقل مريع، وأخذت أجهزة الراديو تصدح بأخبار التراجع الجماعي والانكسارات المتتالية. لم تعد الحرب مجرد عناوين تتصدر الصحف اليومية، بل أضحت صفيراً مريعاً لصفارات الإنذار التي باتت تقطع هدوء الليل، وأدخة متصاعدة تشوه أفق المدينة كلما ألقت طائرات الحلفاء حممها على الضواحي الجنوبية. في الفيلا العائلية، كانت الأجواء مشحونة بقلق مكتوم. الدخان المتصاعد من بعيد يصبغ السماء بلون الرماد، والوجوم يخيم على الوجوه، بينما كانت إيلينا تجلس عند الطاولة الخشبية الكبرى، تحاول تهدئة ميخائيل الصغير الذي كان يتعقب حركتها بعينين مرعوبتين. انفتح الباب الخارجي بحدة، ودخلت السيدة مريم وزوجها جوزيف، وبصحبتهما كريستوف ولين. كانت الحقائب المحزومة في أيديهم تخبر عن قرار حاسم لا رجعة فيه. أسرعت إيلينا نحوهم، وساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم السيدة مريم وتضم إيلينا بحرارة، واعتصرت كفيها بنبرة يختنق فيها الرجاء بالتوسل: — «إيلينا.. لم يعد هناك وقت للمجازفة. الأوضاع تتداعى
استعاد العقيد إريك فونشتاين كامل لياقته وقوته، وكأن جسده الفولاذي أبت الإذعان للجراح والغيبوبة. عادت بسالته المعهودة، على الرغم من الغيوم المتلبدة فوق سماء البلاد، قرر إريك أن يهب زوجته استراحة طال انتظارها بعيداً عن أروقة برلين وضوضائها. أودعا التوأمين ألكسندر وألكسندرا تحت الرعاية الحنونة للجدة ماريا وإليزابيث، وانطلقا في رحلة خاصة نحو الكونتريهاوس؛ ذلك المنتجع الريفي الساحر القابع على ضفاف نهر "إلبه"، حيث تحيط بالأكواخ الخشبية أشجار الصنوبر الشاهقة وصوت جريان المياه العذبة. حل المساء هادئاً كحلم استثنائي. كان الشتاء يلقي ببرودته الخفيفة على الزجاج الخارجي، بينما في الداخل، كانت ألسنة اللهب البرتقالية تتراقص بدفء في المدفأة الحجرية الكبرى، لتسقط ظلالاً دافئة على السجادة الصوفية الناعمة. كانت إيلينا تجلس أمام النار، ترتدي رداءً حريرياً باللون العاجي. شعرها الاسود ينساب على كتفيها بطلة آثرة. تقدم إريك بخطوات هادئة، وجلس خلفها تماماً. أحاط خصرا بنعومة بساعديه القويين، وأسند ذقنه على كتفها، يستنشق عبير شعرها الذي طالما كان ملجأه الوحيد في جحيم الموت. — «أخيراً.. نحن بمفردنا يا
اقتحم الفريق الطبي غرفة العناية المركزة بلهفة عارمة، تحيط بهم أجهزة الكشف وأدوات الفحص الطارئة، بينما كانت إيلينا تقف عند الزاوية تستند إلى الجدار، ويدها ترتجف فوق بطنها. فحص الجراح الرئيسي حدقتي إريك وخطوط نبضه، ثم التفت نحو إيلينا المتألمة بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص ذعرها: — «اهدئي يا سيدة إيلينا.. استجابته الواعية وافتضاض عينيه واستنطاق اسمكِ أدلة قطعية على نجاة دماغه من التلف. لكن جسده المنهك من العملية المعقدة آثر التراجع إلى غيبوبة عميقة كآلية دفاعية للتعافي. الجسد يرمم نفسه بنفسه، ولا يمكننا تحديد موعد دقيق لاستفاقته الكاملة.. قد تكون أياماً، وقد تمتد لشهور.» شعرت إيلينا بغصة حارقة تخنق حنجرتها. كان الحزن يحاول جرف روحها مجدداً، لكنها رفعت رأسها بكبرياء وثبات، ونظرت إلى وجه زوجها النائم: — «سأنتظره.. مهما طال الوقت.» مرت أربعة أشهر كاملة كأنها دهور متطاولة. أربعة أشهر وإريك يرقد في تلك الغيبوبة الصامتة، بينما لم تغادر إيلينا المستشفى إلا لسبل نادرة. أصبحت مقيمة في الغرفة المجاورة له، تمسك بيده كل صباح، تقرأ له الفصول من رواياتهما المفضلة، وتستند بكفها الناعمة على بطنها ا







