LOGINابتلعت الغابة خطاهما كما لو أنها أخفتهما عن العالم. كان الثلج يتساقط بخفة بين أشجار الصنوبر الشاهقة، فتنعكس خيوط ضوء القمر على الأرض البيضاء وتمنح المكان هدوءًا مخادعًا. لم يُسمع سوى صوت الريح وهي تمر بين الأغصان، وصوت خطواتهما التي تغوص في الثلج ثم تختفي تحت طبقة جديدة من البياض.
إيلينا تسير في المقدمة تمسك بغصن طويل تزيح به الأغصان المنخفضة. تعرف هذه الغابة منذ طفولتها، تعرف أين يضيق الممر وأين تختبئ الصخور تحت الثلج. أما إريك فكان يتبعها بخطوات أبطأ. جرحه لم يعد ينزف كما في الأيام الأولى، لكن وخزًا حادًا كان يصيبه كلما رفع قدمه. توقفت فجأة والتفتت إليه: — يؤلمك، أليس كذلك؟ ابتسم كمن اعتاد إخفاء الحقيقة: — أقل مما تتوقعين. نظرت إلى آثار خطواته. كان أثر قدمه اليمنى أعمق من الأخرى: — ما زلت تكذب بطريقة سيئة. — وهل أصبحتِ خبيرة في اكتشاف الكذب؟ — منذ أن دخلت حياتي... نعم. ضحك بخفة: — يبدو أنني علمتك شيئًا. — علمتني أن العسكريين عنيدون. تابعا السير. كان الصمت بينهما مختلفًا عن الأيام الأولى؛ لم يعد صمت خوف بل صمت راحة. سألها إن كانت تأتي إلى هنا كثيرًا، فأجابت أنها تأتي كل شتاء تقريبًا، أحيانًا مع أبيها الذي توفي قبل الحرب بعامين. كان نجارًا، وهذا ما يفسر الباب الذي أصلحته في المنزل. ضحكت لأول مرة بصوت مسموع حين أدرك ذلك، وقالت إنها كانت في الثانية عشرة حين ساعدته في صنعه. أضافت أنها ورثت عنه أكثر من النجارة: نصيحته بأن تختار الطريق الصحيح حتى لو عادت منه متعبة. ابتسم ابتسامة حزينة وقال إن والدها كان رجلًا حكيمًا. سألته إن كان والده يعطيه نصائح أيضًا، فتردد ثم قال بهدوء إن والده كان يقول إن الشجاعة ليست أن تحمل السلاح، بل أن تعرف متى تتركه. توقفت والتفتت إليه: — هذا غريب... ابتسم بمرارة: — أعرف... لهذا لم يفهم أبدًا لماذا اخترت الجيش. وقبل أن تسأله وصل إلى مسامعهما صوت بعيد: حوافر، ثم نباح كلاب. تلاشت الابتسامات. رفعت يدها تشير إليه أن يصمت. اقترب الصوت أكثر: حوافر منتظمة، وصفير قصير، وارتطام حديد بحديد. همست: — الدوريات... أومأ برأسه. ألقت نظرة سريعة بين الأشجار. إلى اليمين منحدر صغير تغطيه الشجيرات. أشارت إليه وركضا بخطوات حذرة. توقف فجأة بعد خطوتين وشد على جانبه بقوة. عرفت من وجهه أنه الجرح. أمسكت بذراعه وساعدته على النزول واختبآ خلف شجيرات كثيفة حتى كادت الثلوج تلامس وجهيهما. ظهرت أول أضواء الفوانيس بين الأشجار. أربعة رجال يتقدمهم جندي يقود كلبًا ضخمًا. همست: — الكلاب... — إذا وصلت إلى آثارنا... انتهى الأمر. توقفت الدورية على بعد أمتار. انحنى أحدهم وقال إن هناك آثارًا حديثة لرجل وامرأة، والاتجاه نحو الطاحونة. رفع الضابط رأسه وأمرهم بالإسراع. بدأ الكلب يجر السلسلة بقوة. اقترب إريك من أذنها: — لا تتحركي مهما حدث. كانت تسمع أنفاس الكلب تقترب. وفجأة دوى صوت طلقة نارية من الجهة المقابلة للغابة. انتفضت الخيول ورفع الجنود أسلحتهم. استدار الضابط وأمرهم بالذهاب إلى هناك. ركضت الدورية كلها بينما قاوم الجندي الكلب الذي أراد متابعة الأثر. عاد الصمت. ظلا في مكانهما دقيقة كاملة. سألته إن كانوا قد رحلوا، فأصغى ثم قال إنه يظن ذلك. تنفست أخيرًا: — كدنا ننتهي. ابتسم ابتسامة متعبة: — يبدو أن الحظ يحبك. — لا تعتمد على الحظ. — هذه الجملة سمعتها منك سابقًا. — وستسمعها كثيرًا. ساعدته على الوقوف. كان وجهه شاحبًا. وضعت يدها على جيبه دون تفكير فتجمد مكانه، ثم سحبتها بسرعة وهي تعتذر. ابتسم وقال لا بأس. أكملا السير بحذر. وبعد عشر دقائق بدأ شكل الطاحونة القديمة يظهر بين الأشجار: بناية حجرية كبيرة يميل سقفها، وتحطمت إحدى نوافذها، وعجلة الطاحونة غطاها الجليد. توقفت: — وصلنا. لكنها لم تخطُ. الباب كان مواربًا والريح تدفعه فيصدر صريرًا. قالت إن آخر مرة جاءته كان مغلقًا. انحنى ومرر أصابعه فوق أثر في الثلج: — ليس الباب وحده... آثار أقدام. ركعت بجانبه. كانت مغطاة جزئيًا لكنها واضحة، وليست قديمة. قال إن شخصًا واحدًا على الأقل دخل بعد آخر تساقط كثيف. رفعت رأسها: — إذًا لسنا وحدنا. أخرج مسدسه ببطء. تفاجأت أنه ما زال يحتفظ به. قال إنه لم يفارقه يومًا، ويتمنى ألا يضطر إلى إطلاق النار. أخرجت السكين الذي أعطتها إياه كاتارينا. ابتسم وقال سكين ضد مسدس، فردّت أنها ضد من يحمل المسدس. طلب منها أن تبقى خلفه، فرفعت حاجبها وسألته منذ متى يعطيها الأوامر. أجاب منذ أنقذت حياته، فابتسمت رغم توترها قائلة إن هذا لا يمنحه حق القيادة. اقتربا من الباب ودفعاه ببطء. كان الهواء في الداخل باردًا ورطبًا ورائحة الخشب القديم تملأ المكان. دخل ضوء القمر من النافذة المحطمة فرسم خطوطًا فضية على الأرضية المغبرة. الأكياس الممزقة والبراميل المقلوبة في كل مكان. همس إريك أنه ليس مهجورًا تمامًا، وأشار إلى آثار طين حديثة. شعرت بقشعريرة. صدر صوت خافت من الأعلى: خطوة ثم أخرى. رفع مسدسه وأمسكت السكين بكلتا يديها. ثم انطلق صوت رجل متعب لكنه حاد: — أنزل سلاحك... وإلا أطلقت النار أولًا. رفع رأسه: — اخرج. ظهر رجل على درجات السلم الخشبي في أواخر العشرينات، بلحية خفيفة وملابس ممزقة يغطيها الغبار. لف ذراعه اليمنى بقطعة قماش ملطخة بالدم وكان يصوب بندقية قديمة. نظر إليها ثم إليه وتغيرت ملامحه: — ضابط ألماني... أنت؟ اشتدت قبضته على البندقية. ساد صمت ثقيل. فوهة البندقية مصوبة نحو صدر إريك بينما بقي مسدسه مرفوعًا. وقفت إيلينا بينهما: — اخفضا السلاحين. — ابتعدي عنه. — لن أبتعد. — إنه ضابط ألماني. — أعرف... منذ أسبوع. وأُخفيه. ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح وقال إن الحرب جعلت الناس يفقدون عقولهم. قال إريك بهدوء إنه إذا كان ينوي إطلاق النار فليطلق. رد الرجل أن جيشه قتل إخوته، فأجاب إريك أن الحرب أخذت منه أكثر مما يتخيل. قالت إيلينا بسرعة إن إطلاق النار هنا يعني ألا يخرج أحد حيًا. ظل الرجل يحدق ثم أمره بوضع المسدس على الأرض. بعد لحظة طويلة أنزله إريك. طلبت منه إنزال بندقيته فتردد ثم فعل. ولأول مرة تنفس الثلاثة براحة. اقتربت منه ولاحظت الدم: — أنت مصاب. ابتسم بسخرية: — لاحظتِ أخيرًا؟ منذ ثلاثة أيام. كان شاحبًا وعيناه غائرتين. نظرت إلى زاوية الطاحونة: حقيبة ممزقة وقطعة خبز يابسة وقارورة ماء شبه فارغة. قال إنه مختبئ هنا منذ خمسة أيام. سألته من هو فتردد ثم قال: — اسمي أندريه... من قرية تبعد ثلاثين كيلومترًا. كنت جنديًا... أما الآن فأنا مجرد رجل يحاول البقاء حيًا. ساد صمت قصير. وفجأة رفع رأسه: — اصمتوا. تجمدوا. من الخارج وصل صوت كسر غصن يابس، ثم أقدام واضحة فوق الثلج. اقترب الصوت ودوى قول رجل: — الآثار تنتهي هنا. تبادلوا النظرات. قبض أندريه على بندقيته من جديد، وأخذ إريك مسدسه دون أن يوجهه إلى أحد. همست إيلينا وقلبها يكاد يقفز: — لقد وجدونا... وفي الخارج بدأ مقبض باب الطاحونة يتحرك ببطء...كان المؤتمر الصحفي قد انتهى منذ ساعات قليلة، لكن صداه لا يزال يرن في أرجاء برلين كالجرس الذي لا يتوقف. قاعة الفندق الكبير امتلأت بالصحفيين والكاميرات، ووقف أفراد آل فونشتاين صفاً واحداً أمام الميكروفونات: فيلهلم بوجهه الشاحب المتجعد، كارل بصلابته الباردة، إليزابيث بثباتها الهادئ، وحتى فالكن الذي جاء رغم مرضه. أعلنوا جميعاً، بصوت واحد تقريباً، تبرأهم الكامل من أفعال هنريش. قالوا إن العائلة انفصلت تجارياً وأخلاقياً عن كل ما اقترفه، وإنهم يعيدون ما يمكن إعادة من الممتلكات المنهوبة، ويعتذرون للضحايا. لكن الناس كانوا قساة جداً. التصفيق لم يأتِ. بدلاً منه ارتفعت أصوات الاستهجان والشتائم من خارج القاعة. الصحف في اليوم التالي حملت عناوين نارية: «آل فونشتاين يغسلون أيديهم بدماء الضحايا»، «تبرؤ متأخر لا يمحو الجريمة». المبيعات تراجعت بشكل كارثي. فنادق العائلة التي كانت تمتلئ طوال الموسم أصبحت شبه فارغة. الشركات التجارية شهدت إلغاء عقود بالجملة. الموردون توقفوا، والبنوك بدأت تطالب بضمانات إضافية. أزمة مالية خانقة أحاطت بالعائلة كلها كشبكة لا ترحم، رغم التفاهم الذي عقدوه فيما بينهم. في قاعة الا
كان المكتب الفسيح في قصر آل فونشتاين غارقاً في صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. الستائر الثقيلة مُسدلة، والضوء الخافت المنبعث من المصباح النحاسي يرسم ظلالاً طويلة على وجوه الرجال الثلاثة الجالسين حول الطاولة. فيلهلم فونشتاين، الرجل الذي بنى إمبراطورية تجارية على أنقاض حربين، كان يمسك بملف الميزانية بيديه المرتجفتين. أما كارل، ابنه الأكبر، فكان يقف أمامه كتمثال غضب، عيناه تلتهبان. — عمي هنريش سقط كلياً! — صاح كارل بصوت مرتفع اخترق الجدران — مساندته الآن تعني إفلاسنا وضياع ما تبقى من أملاكنا! يجب أن ننفصل عنه تجارياً فوراً، ونعقد مؤتمراً صحفياً لتبرئة اسمنا من جرائمه قبل أن يجرفنا معه إلى القاع! في البداية لم يرد فيلهلم. نظر إلى الأرقام السوداء في الصفحة الأخيرة من التقرير، ثم رفع رأسه ببطء، والكبرياء القديم لا يزال يقاوم في عينيه. — هو أخي... دم فونشتاين. — دم فونشتاين؟ — سخر كارل بمرارة — هذا الدم أصبح مسموماً. الأدلة على الاغتيالات القديمة خرجت، والصحف تطاردنا. إن لم نقطع الخيط الآن، فسيُسحب الجميع إلى السجن أو الإفلاس. أقترح اتفاقاً علنياً مع إليزابيث وإريك. مؤتمر مش
أمام المبنى الحجري الفخم للمحكمة العسكرية في برلين، كان المحيط يغلي كمرجل. احتشد العشرات من الصحفيين والمصورين، وفلاشات الكاميرات تتلامع وسط صيحات التساؤل التي ملأت الأثير. ترجل هنريش فونشتاين من سيارته الفارهة، يجلس على كرسيه المتحرك بظهر منتصب ورأس مرفوع، وتحيط به هالة من الكبرياء المريض. عن يمينه يسير شقيقه فيلهلم بملامح متجهة، وعن يساره ابنه كارل، بينما يتقدمهم وفد من أعتى المحامين العسكريين في البلاد. سحب هنريش سيجاره الفاخر، ودمدم بنبرة يملؤها الغرور والازدراء وهو ينظر إلى عدسات المصورين: — «دعهم يلتقطون الصور كما يشاءون يا فيلهلم.. غداً ستتصدّر صوري الصفحة الأولى تحت عنوان: براءة العقيد هنريش فونشتاين وسقوط مؤامرة الحاقدين.» وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل الصالون الرفيع لفيلا جنيرال فالكن، كان الجمع يحتسي الشاي في أجواء تشوبها الحماسة والترقب. جالسون حول الطاولة: إليزابيث، الوزير فالكن، إريك، ليليان، وصوفيا. وفجأة، فتحت الخادمة الباب، لتطل منه إيلينا برداء أنيق وبسيط. توقفت صوفيا بذهول، ووقف إريك مشدوهاً من حضورها المفاجئ. ابتسمت إليزابيث بوقار ونهضت لترحب بها: — «أهل
خارج مبنى القيادة العسكرية، كانت زقزقة الرياح الباردة تشق ظلام الليل في برلين. خرج إريك فونشتاين بخطوات سريعة وموزونة، معطفه العسكري الداكن يلتف حول جسده، وفي جيبه الداخلي يستقر الملف الأصفر الثقيل الذي يحوي البرقيات التلغرافية المشفرة لعام 1926 ووثائق التنازل المزورة. عند زاوية الشارع المظلم، تحت ضوء عمود إنارة خافت، كان السيد لودفيغ يقف متكئاً على عصاه الخيزرانية. تقدم إريك منه ببرود، وسحب الملف ثم وضعه بثبات في يد لودفيغ المرتجفة. تأمل لودفيغ الأوراق تحت الضوء الخافت، ثم رفع عينيه المصدومتين نحو إريك، ونطق بصوت خافض يملؤه الذهول: — «هذه هي البرقيات الأصلية بأوامر هنريش الصريحة.. كيف تضع حبل إدانة والدك في يدي بهذه السهولة؟ كيف تثق بي إلى هذا الحد يا سيادة العقيد؟» ثبت إريك عينيه الحادتين في عيني لودفيغ، وقال بنبرة هادئة ومظلمة: — «لأنني أعلم من يكون أبي جيداً يا سيد لودفيغ.. ولأنني أعلم أن دم أخيك وثروته المنهوبة هما الدين الأول الذي يجب أن يدق مسمار العدالة في نعش هنريش. أنا لا أمنحك وثائق فقط، بل أستعيد شرفاً أفسده والدي لعقود.» انحنى لودفيغ قليلاً، وضغط على الملف بيده وقال
في القبو السفلي لقصر هنريش فونشتاين، كانت الرطوبة تتساقط من السقف الحجري لترتطم بالأرض في صمت قاتل. جلس هنريش على كرسيه المتحرك، وأمامه رجلان يقفان بوجوه متصلبة ومعاطف جلدية داكنة، يبعثان برائحة التبغ الرخيص والبارود. على الطاولة الخشبية بينهما، دفع هنريش بيده الثقيلة ظرقاً أصفر سميكاً ممتلئاً بالأوراق النقدية الذهبية، ونظر إليهما بابتسامة مظلمة شائبة: — «السيارة السوداء التابعة جنيرال فالكن ستكون مركونة عند المخرج الخلفي للمطعم الجبلي. أريد لأنبوب الفرامل أن يُقطع بأسلوب يبدو وكأنه تآكل طبيعي بسبب الانزلاق.. هل فهمتما؟» مسح أحد الرجلين شاربه الكثيف وابتسم بلؤم وهو يسحب الظرف: — «لا تقلق يا سيدي العقيد.. المنعطف الجبلي حاد جداً، ولن تتبقى قطعة واحدة سليمة في السيارة ليفحصها الخبراء بعد السقوط.» ضحك هنريش بصوت خافض كأنه شحذ خنجر قديم، ودمدم وهو يتأمل الشعلة الخافتة: — «إليزابيث.. وفالكن.. الليلة ستنتهي هذه المهزلة، وتعود الإمبراطورية إلى أصحابها الحقيقيين.» في الوقت نفسه، كانت ظلال ثكنات القيادة العسكرية في برلين ساكنة تحت ضوء القمر الشاحب. مرّ جندي الحراسة أمام المبنى الرئيسي د
في المقر الرئيسي لشركة فونشتاين، خلف الأبواب المصفحة للقاعة المغلقة، كان الدخان الكثيف يلتف حول الأجسام كأنه قماش حداد. جلس فيلهلم في رأس الطاولة يفرك جبهته بقسوة، ثم التفت بغضب نحو ابنه كارل الذي كان يجلس متوتراً: — «هذا عار يا كارل!» صرخ فيلهلم وهو يضرب بكفه على الطاولة. «ثلاث مناقصات بحرية خسرناها في أسبوع واحد! إليزابيث تخنقنا في السوق، وفالكن يفتح لها أبواب البنوك والمؤسسات السياسية بكلمة واحدة! وأنت تجلس أمامي بلا أي حلول!» انكمشت إيفا بجانب والدها الذي كان يقلب أوراق الميزانية بيدين ترتجفان، بينما كان هنريش يثبت جسده المشلول على كرسيه المتحرك في نهاية الطاولة، ونظراته المظلمة تمسح الوجوه بتهكم. رد والد إيفا بنبرة حادة موجهة لفيلهلم وهنريش: — «أين نفوذ عائلتكم؟ إليزابيث تبتلع كل عقودنا، والأمور التجارية لم تعد تجدي نفعاً مع هذه المرأة!» أشار هنريش لخدمه بإخلاء القاعة فوراً. انسحب الجميع برجفة وسخط، ولم يبقَ في القاعة سوى هنريش، وفيلهلم وابنه كارل. انحنى هنريش بكرسيه نحو فيلهلم وكارل، ومال بصوته الخفيض الحاد: — «الأساليب التجارية لن تنفع مع إليزابيث وفالكن.. الليلة سننهي ه







