LOGIN
الفصل الأول
جلست تلك العروس الجميلة أمام المرآة الكبيرة في غرفة فندقية فاخرة، في أحد أجنحة أكبر وأفخم فنادق البلاد، بينما كانت أصوات الموسيقى القادمة من القاعة في الأسفل تصل إليها مكتومة من خلف الأبواب المغلقة. كانت الغرفة تعج بالحركة منذ ساعات، مصففة الشعر تتحرك حولها بخفة وهي تضع اللمسات الأخيرة على شعرها، والمصورة تلتقط بين الحين والآخر بعض الصور لتوثق تفاصيل ذلك اليوم . كانت قد انتهت بالفعل من وضع مكياجها، ولم يتبقَّ سوى أن ترتدي فستان زفافها. حدقت ليان في انعكاس صورتها أمام المرآة، وكأنها تحاول أن تستوعب أن الفتاة التي تنظر إليها هي نفسها. اليوم أصبحت عروسًا. الفكرة وحدها كانت كفيلة بأن تجعل قلبها يخفق بسرعة، فقد كانت سعادتها أكبر من أن تصفها الكلمات، حتى إنها لم تكن تتخيل يومًا أن تصل إلى هذه الدرجة من السعادة. كانت عيناها الخضراوان، بلون الزمرد، تلمعان بفرحة واضحة، بينما انسدل شعرها الكستنائي حول كتفيها في ترتيب أنيق زاد ملامحها الرقيقة جمالًا. كانت في التاسعة عشرة من عمرها، بملامح بريئة ووجه أبيض صافٍ، وعلى الرغم من بساطة ملامحها، كان في جمالها شيء يصعب تجاهله. ابتسمت مصففة الشعر وهي تتأمل النتيجة النهائية، ثم ابتعدت خطوة إلى الخلف وقالت بإعجاب صادق: — آنسة ليان... كم أنتِ جميلة! لم أرَ عروسًا من قبل بهذا الجمال. التفتت ليان إليها بابتسامة خجولة وقالت: — شكرًا لكِ... هل انتهيتِ؟ أومأت المرأة برأسها. — أجل، انتهيت تمامًا. وقبل أن تضيف شيئًا، فُتح باب الغرفة فجأة، ودخلت والدتها. كانت السيدة منال قد جاءت لترى ابنتها للمرة الأخيرة قبل أن ترتدي فستانها، لكنها ما إن رفعت عينيها إليها حتى توقفت في مكانها. ظل بصرها معلقًا بوجه ابنتها للحظات، وكأن الكلمات اختفت منها. ثم لمعت الدموع في عينيها. ابتسمت ليان فور أن رأت والدتها، ونهضت من مقعدها قائلة: — أمي... اقتربت منها منال ببطء، وما إن وصلت إليها حتى قالت بصوت متأثر: — لا أصدق أنني أراكِ عروسًا يا ليان... بل أجمل عروس يمكن أن تراها عيناي. احتضنتها ليان بقوة، وشعرت بعينيها تدمعان هي الأخرى. — أمي، أرجوكِ... لا تجعليني أبكي. ضحكت منال وسط دموعها ومسحت على شعر ابنتها. — لا، لا... لا بكاء اليوم. هذا يوم فرحتك. ابتعدت عنها قليلًا، ثم أمسكت بيديها وقالت: — هيا، ارتدي فستانك. نوح على وشك أن يأتي، والقاعة في الأسفل امتلأت بالضيوف. اتسعت ابتسامة ليان عندما سمعت اسمه. نوح. مجرد سماع اسمه جعل قلبها يخفق بطريقة مختلفة. قالت بهدوء: — حسنًا. ساعدت منال ومصففة الشعر ليان على ارتداء فستانها، وبعد دقائق قليلة اكتملت الصورة. وقفت ليان أمام المرآة من جديد. هذه المرة لم تستطع أن تقول شيئًا. كان الفستان ينسدل حولها بأناقة، وشعرها الكستنائي مرتب بعناية، ووجهها يحمل ذلك المزيج الغريب من البراءة والسعادة والخجل. حدقت منال بها للحظات، ثم وضعت يدها على صدرها وقالت بانبهار: — يا إلهي يا ليان... كم أنتِ جميلة! ضحكت ليان بخجل، ثم دارت أمام المرآة وهي تمسك طرف فستانها. — حقًا يا أمي؟ هل تعتقدين أنني سأعجب نوح؟ رفعت منال حاجبها وقالت بمزاح: — يا ويلي أنا على نوح عندما يراكِ! أخشى أن يُصاب بنوبة قلبية ولا نستطيع إنقاذه. انفجرت ليان بالضحك، ثم أخفضت عينيها بخجل. — أمي! ضحكت منال وهي تنظر إليها بحنان. — ماذا؟ أنا أقول الحقيقة. كانت ليان تحاول إخفاء ابتسامتها، لكن قلبها كان يخفق بشدة. فبعد دقائق قليلة فقط ستصبح زوجة نوح سالم الحسيني. الرجل الذي لم تتوقع يومًا أن يصبح زوجها. لم يكن نوح يومًا فتى أحلامها. في الحقيقة، لم تفكر فيه بهذه الطريقة أصلًا. كان عالمهما مختلفًا تمامًا. هو ينتمي إلى عائلة الحسيني، واحدة من أكبر وأثرى العائلات، بينما كانت ليان تنتمي إلى عائلة بعيدة تمامًا عن عالمه ونفوذه. كان نوح الرئيس التنفيذي لشركات آل الحسيني، رجلًا ناجحًا، معروفًا بذكائه وشخصيته القوية، كما كان معروفًا أيضًا بغروره وبروده في التعامل. أما هي، فلم تكن تفكر في الزواج في هذا العمر أصلًا. كانت كل أحلامها تتعلق بمستقبلها ودراستها وحياتها الجامعية التي كانت على وشك أن تبدأ. لكن كل شيء تغير عندما تقدم نوح لخطبتها. في البداية لم تعرف ماذا تفعل. لم تكن تعرفه جيدًا، ولم تكن تستطيع أن تفهم سبب اختياره لها تحديدًا. لكنها مع الوقت بدأت تفكر في الأمر بعقلها. نوح رجل ناجح، مسؤول، ومستقر، ويبدو أنه يعرف تمامًا ما يريد. وعندما وجدت أنه زوج مناسب لها، وافقت. كانت فترة الخطوبة قصيرة للغاية. قصيرة لدرجة أنها لم تستوعب حتى الآن كيف وصلت إلى يوم زفافها بهذه السرعة. كان نوح هو من أصر على أن يتم الزواج قبل التحاقها بالجامعة. ولم تعرف ليان هل كان ذلك مجرد قرار منه أم أن وراءه سببًا آخر لم يخبرها به. لكنها لم تفكر كثيرًا في الأمر. اليوم هو يوم زفافهما. وكان هذا وحده كافيًا ليجعلها سعيدة. عادت ليان من شرودها على صوت طرقات خفيفة على الباب. رفعت رأسها بسرعة. توقفت أنفاسها للحظة. نظرت إلى والدتها، ثم إلى الباب. كانت تعرف من القادم. اقتربت المصورة من الباب، ثم نظرت إلى ليان بابتسامة وقالت: — يبدو أنه حان الوقت. ابتلعت ليان ريقها بتوتر. كانت يداها باردتين رغم حرارة الغرفة. قالت المصورة وهي تفتح الباب: — تفضل. فُتح الباب. وفي اللحظة التالية ظهر رجل يقف خلفه. توقفت ليان عن التنفس تقريبًا. كان نوح سالم الحسيني. طويل القامة، أنيقًا في بدلته السوداء، ملامحه حادة وهادئة، ونظرته ثابتة لا تكشف بسهولة عما يدور في داخله. كان الرجل الذي ستصبح زوجته بعد دقائق. رفع نوح عينيه إليها. وللحظة... لم يتحرك. لم يقل شيئًا. فقط ظل ينظر إليها. أما ليان، فشعرت بأن قلبها يخفق بعنف داخل صدرها. كانت قد تخيلت هذه اللحظة عشرات المرات. لكنها لم تتخيل أن تكون بهذه الهيبة. تلاقت عيناه بعينيها الخضراوين. ظل الصمت مسيطرًا على المكان لثوانٍ بدت لليان وكأنها دهر كامل. ثم تحرك نوح ببطء إلى داخل الغرفة. وأغلق الباب خلفه. في تلك اللحظة فقط، أدركت ليان أن يومها لم يكن مجرد حفل زفاف... بل بداية حياة جديدة تمامًا. حياة مع رجل لم تكن تعرف بعد أي جانب من شخصيته سيظهر لها عندما تصبح زوجته. وربما... لم تكن تعرف أن وراء ذلك الهدوء والغموض سببًا جعل نوح يتعجل هذا الزواج أكثر مما ينبغي.خرجت ليان من غرفتها بعد مرور نحو نصف ساعة. لم تكن تريد أن تظهر أمامهما أنها كانت تبكي، لذلك وضعت القليل من مساحيق التجميل، محاولةً إخفاء آثار الدموع والانتفاخ الذي تركه البكاء على وجهها.خرجت بخطوات هادئة، وحين وصلت إلى الجزء الرئيسي من الجناح، وقعت عيناها على نوح وشيري وهما يجلسان إلى طاولة الطعام ويتناولان الإفطار، ويتبادلان الهمسات والابتسامات في سعادة.لم ترد ليان حتى أن تقترب منهما.اتجهت مباشرةً إلى غرفة الجلوس وجلست هناك، تنتظر أن ينتهي نوح من إفطاره ويأتي إليها ليخبرها بما يريد.لكن بعد لحظات، وصل إلى مسامعها صوت نوح بنبرة استهزاء:— هيا، يا زوجتي العزيزة، ألا تأتين لتتناولي الإفطار مع زوجك؟لم ترد ليان.ظلت جالسة في مكانها، وكأنها لم تسمع شيئًا.رفع نوح صوته أكثر حتى يصل إليها:— يبدو أنكِ لستِ زوجة مطيعة إذن.ولم يصله أي رد أيضًا.وفجأة سمعت ليان صوت شيري، لكنه هذه المرة كان منخفضًا ومليئًا بالعصبية:— نوح، كف عن مناداتها بـ«زوجتي»، وإلا فسأتخذ موقفًا منك.ابتسم نوح، وقال لها:— كم أحبك عندما تغارين.قالت شيري بانزعاج:— نوح، أنا لست طفلة حتى تحاول خداعي. لقد وافقتك على كل ش
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان على صوت فتح الباب، وحين فتحت عينيها وجدت شيري واقفة أمامها، تنظر إليها بازدراء واضح.قالت شيري ببرود وهي توقظها:— استيقظي.فتحت ليان عينيها بالكامل، ونظرت إليها بكره، لكنها لم تجبها.قالت شيري بضيق:— هيا، انهضي بسرعة. نوح يريدك.ظلت ليان تنظر إليها بالصمت نفسه، وكأنها لم تسمع كلمة واحدة مما قالته.تأففت شيري من تجاهلها، ثم قالت:— أسرعي، فهو ينتظرك في الخارج.ثم استدارت وغادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.لكن ليان لم تتحرك.بل أغمضت عينيها وعادت إلى النوم من جديد.فهي لم تستطع النوم جيدًا طوال الليل. ورغم أن نوح وشيري لم يخرجا من غرفة النوم، ولم تسمع ليان أي صوت منهما، ولكن مجرد وجودهما معها في الجناح نفسه كان كافيًا ليجعل النوم مستحيلًا بالنسبة إليها.كانت فكرة وجودهما خلف ذلك الباب، في المكان نفسه الذي حُبست فيه، ثقيلة على قلبها إلى حد لم تستطع معه أن تغمض عينيها إلا بعد وقت طويل.لذلك لم تكن قادرة على النهوض الآن.وفوق ذلك، كانت تريد أن توصل إلى نوح رسالة واضحة.لن تكون مطيعة طوال فترة اتفاقهما.لن تنفذ أوامره في كل مرة يناديها فيها.بل ستتمرد علي
انتهى نوح من حديثه مع الحارس، وأعطاه بعض الأوامر، ثم غادر الحارس وأغلق الباب خلفه.نظر نوح إلى داخل الجناح، فوجد شيري تجلس بالقرب من ليان، وتهمس لها ببعض الكلمات، وعلى وجهها ابتسامة واضحة. لكنه لم يستطع معرفة رد فعل ليان؛ لأنها كانت تعطيه ظهرها.اقترب منهما، ثم نظر إلى شيري ومد يده إليها، فأمسكت بها، فرفع يدها وقبّلها، بينما وضع يده الأخرى حول خصرها ليقربها منه، ثم قال بصوت منخفض:— حبيبتي، أنتِ متعبة من السفر. هيا، ادخلي إلى غرفتنا، واغتسلي وغيري ملابسك ونامي.ثم قبّل خدها.قالت شيري بصوت ناعم:— وماذا عنك؟أجابها نوح:— سوف آتي خلفك. سأجلس معها قليلًا، ثم آتي إليكِ.ابتسمت شيري وقالت هامسة:— حسنًا، لا تتأخر عليَّ. لن أغفو قبل أن تأتي.— حسنًا.حدث كل ذلك أمام ليان.كانت تشعر بالتقزز والنفور مما تراه أمامها، لكنها قررت ألا تسمح لهما برؤية دموعها أو انهيارها مرة أخرى.لقد قطعت عهدًا على نفسها بأنها ستكون قوية.لن تمنح نوح متعة أن يرى أنها ما زالت تتألم بسببه.رفعت ذقنها إلى أعلى، وظلت ذراعاها معقودتين أمام صدرها، وكأن ما يحدث خلفها لا يعنيها في شيء.غادرت شيري متجهة إلى غرفة النوم.ا
مرت الأيام على ليان ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة قد قررت أن تعاقبها هي الأخرى. كانت تعيش داخل الجناح في ملل وحزن، تراقب الوقت وهو يمر دون أن يحدث أي شيء جديد، بينما كانت أفكارها لا تتوقف لحظة واحدة.في أغلب الأوقات، كانت تجلس على الأرض مستندة إلى زجاج الشرفة العازل، وتظل تحدق في الخارج.كانت ترى السيارات تتحرك في الشوارع أسفلها، والمارة يسيرون في طريقهم، وكل واحد منهم يعيش حياته بصورة طبيعية، بينما هي محاصرة هنا، بعيدة عن كل شيء.كانت تنظر إليهم طويلًا، ثم تتساءل في حزن:ماذا تفعل أمي الآن؟وكيف حال مازن؟هل يقلقان عليَّ؟كانت تعرف أنهما بالتأكيد يحاولان التواصل معها، لكنهما لن يستطيعا الوصول إليها.وكانت تلك الفكرة تؤلمها أكثر.ثم يعود تفكيرها إلى العرض الذي قدمه لها نوح.ظلت طوال الأيام الماضية تفكر فيه، وتحاول أن تصل إلى قرار، لكنها حتى الآن لم تستطع.كان أمامها خياران، وكل واحد منهما أصعب من الآخر.إما أن تقبل عرضه.أن تعيش مع نوح، وتمثل أمام الجميع أنها زوجة سعيدة، وتتجاهل كل ما فعله بها، ولا تخبر أحدًا بالحقيقة.وفي المقابل، ستلتحق بالجامعة التي كانت تحلم بها، وسيحصل مازن على من
مرت الأيام على ليان كأنها كابوس طويل لا يريد أن ينتهي. كانت تمر ببطء شديد، وكل ساعة منها كانت أثقل من التي سبقتها، حتى أصبح مرور الوقت نفسه عبئًا عليها.وكان أكثر ما يؤلمها هو هذا الجناح.هذا المكان الذي شهد انكسارها في ليلة زفافها، والذي لم تستطع أن تنسى ما حدث فيه مهما حاولت. كلما وقعت عيناها على أحد أركانه، عادت إليها تفاصيل تلك الليلة من جديد.كانت تقول لنفسها مرارًا:إلى هذه الدرجة أراد نوح كسري؟أكان من الصعب عليه أن يأخذني إلى مكان آخر؟لكنها كانت تتذكر كلماته عندما سألته عن سبب إصراره على هذا المكان، وكيف ابتسم حينها وقال لها إنه لن يخبرها، وأنه سيتركها تكتشف الأمر بنفسها.والآن، بعد مرور الأيام، بدأت تفهم ما كان يقصده.كان الجناح مجهزًا بطريقة جعلتها تشعر وكأنها محاصرة بداخله.جميع النوافذ كانت مغلقة، وكذلك الشرفة، والزجاج عازل للصوت، فلم تكن تسمع تقريبًا ما يحدث في الخارج.ولم يكن في الجناح أي هاتف أو وسيلة اتصال تستطيع استخدامها.حتى هاتف الغرفة الخاص بالفندق لم يكن موجودًا.ولم يكن هناك حتى تلفاز.وكأن المكان أُعد ليكون بعيدًا تمامًا عن العالم الخارجي.لكن أكثر ما أصابها ب
توجه نوح وشيري نحو باب الجناح استعدادًا للمغادرة، بينما ظلت ليان واقفة في مكانها تتابعهما بعينين ممتلئتين بالضيق والقهر. كانت تشعر بأن فكرة بقائها وحدها في هذا المكان لمدة شهر كامل تفوق قدرتها على الاحتمال.وقبل أن يمد نوح يده لفتح الباب، صرخت ليان بأعلى صوتها:— توقف!توقف نوح فورًا، والتفت إليها بسرعة.اقتربت ليان منهما، وقالت بصوت مرتجف:— لماذا يجب عليَّ أن أكون حبيسة هذا المكان طوال هذه المدة؟ دعني أخرج. لا أريد أن أبقى هنا.اشتعل الغضب في عيني نوح من تصرفها، واتجه نحوها بخطوات سريعة، ثم أمسك بذراعها وسار بها باتجاه الغرفة التي نامت فيها.— أترك ذراعى لم يرد عليها.فتح باب الغرفة، ثم ألقاها على السرير، وقال بصوت مرتفع:— قلت لكِ إنك لا تستطيعين الخروج من هذا المكان حتى أعود. هل فهمتِ أم لا؟رفعت ليان رأسها إليه، وقد عادت الدموع تنهمر من عينيها.— لا! لن أبقى هنا! اتركني أذهب! ولن أجعل أحدًا يراني، فقط لا تتركني هنا. أنا أكره هذا المكان، ولا أريد أن أجلس فيه دقيقة واحدة، فما بالك بشهر كامل؟اقترب منها نوح، ورفع يده في إشارة تحذيرية، وقال بصرامة:— كفى هذه الأفعال الطفولية، ليست ل