LOGINما أن انتهت حلا من محاضرتها حتى خرجت مسرعة لجلب القهوة والذهاب إلى مكتب الدكتور
ما أن وصلت حتى دقت الباب كانت الساعة ٣ عصرا
فتحت الباب بخفة ولفتت نظرها الإضاءة الدافئة الخافتة داخل المكتب؛ الستائر كانت شبه مغلقة، والهدوء يلف المكان برداء من السحر. كان يوسف يجلس خلف مكتبه، ينظر في بعض الأوراق، لكن فور دخولها رفعت عينيه نحوها بنظرة حادة ودافئة تجعل الأنفاس تتنفس بصعوبة.
أغلقت حلا الباب خلفها ببطء، وقلبها يخفق بسرعة توازت مع صوت خطواتها الضعيفة. تقدمت ونظراته تلاحق حركة يديها وهي تحمل كوب القهوة.
"قهوتك يا دكتور..." قالتها بصوت خفيض يكاد يُسمع، وضعت الكوب على حافة المكتب وحاولت التراجع خطوة للخلف، لكن صوته الرخيم أوقفها:
"اقتربي يا حلا.. القهوة لا تُقدَّم من بعيد."
ابتلعت ريقها واقتربت خطوة أخرى، لتصبح موازية لكرسيه تمامًا. في تلك اللحظة، وقف يوسف ببطء. قامته الطويلة وهيبته جعلت حلا تشعر بأن الجاذبية كلها تسحبها نحوه. لم يمد يده إلى القهوة، بل امتدت أصابعه بهدوء لتلامس أطراف أصابعها المرتجفة التي كانت تمسك بالكوب.
حرارة يده كانت كفيلة بإشعال قشعريرة سرت في كامل جسدها. لم يكتفِ بذلك، بل سحب الكوب بهدوء ووضعه جانبًا، ثم خطى خطوة واحدة ألغت كل المسافات بينهما.
وضع يده الأخرى على خصرها ببطء شديد، سحبها خفية نحوه حتى شعرت بوهج أنفاسه على بشرة عنقها المشدودة. انحنى قليلاً وهمس أمام شفتيها مباشرة، بنبرة مثيرة ومبحوحة:
"تأخرتِ دقيقتين كاملتين.. وكما اتفقنا، كل تأخير له ثمنه الخاص."
اتسعت عينا حلا، وشعرت بركبتيها تتداعيان تحت تأثير لمسته الدافئة على خصرها وقربه المهيمن. تسارعت أنفاسها وهي تنظر إلى شفتيه القريبتين جدًا من شفتيها، وضاعت كل كلماتها ولم تعد قادرة سوى على الاستسلام لتلك الموجة العارمة من الشغف التي تغمر المكان...
رفعت حلا عينيها المتسعتين نحو عينيه، وضاعت الكلمات في حلقها لثوانٍ قبل أن تستجمع شتات نفسها، وهمست بنبرة متقطعة يملؤها الارتباك والشغف:
"وما هو... هذا الثمن يا دكتور؟"
ابتسم يوسف ابتسامة بطيئة حملت كل معاني السيطرة والجاذبية. لم يجبتها بكلمة، بل أمال رأسه قليلاً، ولمست شفتاده أسفل أذنها برفق، يسير بلمساته الدافئة على طول عنقها حتى بلغت قشعريرة شديدة أطراف أصابعها. صدرت منها زفرة دافئة ومكتومة، وارتفعت يدها رغماً عنها لتستقر على صدره، تشعر بضربات قلبه القوية المتناسقة مع ضربات قلبها.
انحنى يوسف أكثر، وحاصر شفتيها بقبلة عميقة وشغوفة أذابت ما تبقى من ثباتها. سحبها إليه أكثر، متجاوزاً كل المسافات، حتى شعرت بحرارة جسده الملتصق بجسدها بالكامل. لم تعد حلا قادرة على الوقوف بثبات؛ تلاشت فكرة أنه "أستاذها الجامعي"، ولم يتبقَّ في مخيلتها سوى يوسف الرجل الذي يملك كلياً مشاعرها وحواسها.
أزاح يوسف بعض خصلات شعرها المنسدلة على كتفها بيده، بينما تحركت يده الأخرى على ظهرها ببطء وانسيابية، مما جعل أنفاسها تتسارع بصورة جنونية. رفعت يديها لتلتف حول عنقه، مستسلمة لأسلوبه الساحر ومبادلةً إياه الشغف بجرأة لم تكن تعرف أنها تمتلكها.
عندما ابتعد عنها بلمسات خفيفة ليسمح لها بالتقاط أنفاسها، كانت شفتامها محمرتين وعيناها تلمعان بغشاوة من اللذة والذهول. نظر إليها بابتسامة هادئة، وهمس وهو يداعب وجنتها المشتعلة بأطراف أصابعه:
"هذا ثمن الدقيقتين فقط... تخيلي ماذا سيحدث لو تأخرتِ ربع ساعة في المرة القادمة؟"
احمرّ وجه حلا بالكامل، وأسدلت جفنيها بخجل وهي تخبئ وجهها في صدره، مستمتعة برائحة عطره الدافئة وبدقات قلبه التي كانت تُعزف لأجلها فقط...
وفي اللحظة التي كانت فيها حلا تُسلّم روحهـا بالكامل لنظراته والدفء المحيط بهما، وقبل أن تتلاقى شفاهمـا أكثر...
"طق.. طق.. طق!"
ارتطمت الطرقات الخفيفة والسريعة على باب المكتب كأنها صدمة كهربائية أفاقت المكان من غيبوبة الشغف!
تجمدت حلا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول ورعب خالطه خجل عارم، وكأن روحها كادت تقفز من صدرها. تسارعت أنفاسها وهي تنظر ليوسف بستر، ويدها ما زالت معلقة على صدره.
أما يوسف، فتوقف حركته ببرود شديد وسيطرة عجيبة على أعصابه، رغم اللمعة المشتعلة التي لم تندثر بعد من عينيه. أغمض عينيه لثانية واحدة، أخذ نفسًا عميقًا وهادئًا، ثم ابتعد عنها ببطء وثبات دون أن يُشعرها بأي ارتباك.
أشار لها بيده بلمحة خاطفة نحو الأريكة المجاورة للمكتب، وهمس بصوت خفيض وجذاب يحمل نبرة آمرة ومطمئنة في آن واحد:
"اهدئي.. وعدّلي لياقة قميصكِ واجلسي هناك."
انسحبت حلا بسرعة وركبتيها ترتجفان، جلست على طرف الأريكة وأمسكت ببعض الأوراق لتتظاهر بأنها تراجعها، بينما قلبها يدق كالجرس ووجنتاها تتوهجان بحرارة لا تطاق.
عدّل يوسف سترته بلمسة سريعة، وعاد ليقف خلف مكتبه بكبرياء وهيبة الأستاذ الجامعي الصارم، وكأن شيئًا لم يكن قبل ثوانٍ معدودة. مسح على شعره بيده، ثم قال بصوت جهوري ورخيم يفيض بالثقة:
"تفضل.. الباب مفتوح."
فُتح الباب، ودخل أحد المعيدين يحمل ملفًا في يده: "مساء الخير دكتور يوسف.. أسف للإزعاج، لكن الدكتور جورج يطلب توقيعك على هذه الأوراق فورًا."
نظر يوسف إلى المعيد ببرود وهو يمد يده ليدس الأوراق، ثم ألقى نظرة خاطفة وسريعة جدًا نحو حلا التي كانت تحاول إخفاء وجهها المشتعل خلف الأوراق.. وارتسمت على شفتي يوسف ابتسامة جانبية خفية وساخرة، تحمل وعدًا صريحًا بأن المشهد لم ينتهِ بعد، بل بدأ للتو!
استغلت حلا استغراق الدكتور يوسف في التوقيع على الأوراق وحديثه الجاد مع المعيد، لتنسحب بخفة ودون أن تصدر أي صوت. فتحت الباب وانسلّت للخارج كالظل، ثم أغلقت الباب خلفها ببطء شديد حتى لا يُحدث أي صرير.
ما إن أغلقت الباب وسارت خطوات بعيدًا عن المكتب، حتى استندت بظهرها إلى الحائط، وأغمضت عينيها وهي تطرح زفرة حارة وطويلة. كانت أنفاسها متلاحقة، ووجنتاها تتوهجان بحرارة شديدة، وشفتاها ما زالتا ترتجفان من أثر قربه المهيمن ودسائس لمساته.
مسحت بكفها على وجهها المشتعل وهي تُحدّث نفسها بصوت منخفض :
"يا ويلي... ماذا كان سيحدث لو دخل المعيد قبل ثوانٍ فقط؟!"
حاولت استعادة هيئتها، فعدّلت شعرها المنسدل ورتّبت قميصها بيدين ترتجفان، ثم بدأت تمشي في الممر بخطوات سريعة ومرتبكة، كأنها تهرب من مسرح الجريمة!
لكن فرحتها بالهروب لم تدم طويلاً...
عند نهاية الممر، كانت ديما تقف كالشبح، تنتظر على أحم من الجمر وعلى وجهها علامات القلق والفضول القاتل! وما إن لمحت حلا وهي تتقدم بخطوات متسارعة ووجنتين حمراوين كالثمار الناضجة، حتى قفزت نحوها واعترضت طريقها، وسحبتها فورًا إلى إحدى الزوايا الهادئة بعيدًا عن أعين الطلاب.
أمسكت ديما بكتفي حلا وهزتها بلهفة:
"ولكِ حلا! أخيرًا خرجتِ؟! ساعتكِ كانت متأخرة ربع ساعة والآن أمضيتِ نصف ساعة كاملة بالداخل! ماذا حدث؟ ولماذا وجهكِ يشتعل هكذا وشفتاكِ... حلا! أخبريني؟!"
ابتلعت حلا ريقها بصعوبة، وحاولت إبعاد عينيها المشتعلتين بالارتباك عن نظرات ديما الفاحصة، لكن ابتسامة شاردة ولذيذة رغماً عنها ارتسمت على شفتيها، وقالت بنبرة خفيضة ومتقطعة:
"ديما... أرجوكِ اخفضي صوتكِ! لم ... بل..."
وقبل أن تكمل جملتها، "تيت... تيت!"
اهتز هاتف حلا في يدها بعنف. رفعت الهاتف ببطء لتجد رسالة جديدة من الرقم نفسه: (الدكتور يوسف).
فتحت الرسالة بقلب يدق كالطبول، وقرأت كلماته التي أطارت ما تبقى من عقلها:
"هروبكِ الذكي من المكتب لن يعفيكِ من بقية الثمن... قهوتكِ كانت لذيذة، لكن القبلة التي قُطعت في منتصفها تحتاج إلى استكمال. نلتقي غدًا في نفس الموعد.. ولا تتأخري يا حلا الكون. ☕️🔥"
اتسعت عينا حلا بذهول، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها بالكامل، بينما مالت ديما برأسها تحاول التطلع إلى شاشة الهاتف وهي تصيح بفضول:
"من المُرسل؟! حلا.. تتحدثين أم أصرخ هنا!!
"رماد الماضي يُشعل الحاضر"في بلدها البعيد، كانت أم حلا تجلس على أرض غرفتها، والدموع تحرق وجنتيها بعد مكالمة زوجها التي زلزلت كيانها. كان الخوف على ابنتها يلتهم جسدها وقلبها، وشعور الندم يقتلها. مسحت دموعها بيدين ترتجفان، ونهضت نحو خزانة قديمة ومخفية، أخرجت منها مفكرة صغيرة اهترأت أطرافها بفعل الزمن.فتحتها على صفحة كُتب عليها رقم أمريكي قديم... رقم لم تلمسه، ولم تحاول الاتصال به منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً. كان رقم الرجل الذي تركته في شبابها وراء المحيطات لتتزوج وتعيش حياتها التقليدية. الرجل الذي أصبح اليوم فيلسوفاً كبيراً يشار إليه في نيويورك.بأصابع يملؤها الرعب والرجاء، ضغطت على الأرقام، ووضعت الهاتف على أذنها وهي تستمع إلى رنين الخط الدولي... كل رنة كانت كدقة طبول تعيدها عقوداً إلى الوراء.📞 (المكالمة... نبش القبور):في تلك الأثناء، داخل ممر مركز الأبحاث في نيويورك، كان الفيلسوف الكبير يسير ببطء مستنداً على عصاه، يتابع بعينيه يوسف وهو يركض كالمجنون نحو المستشفى. فجأة، اهتز هاتفه الشخصي في جيبه برقم دولي غريب.توقف الفيلسوف، ورفع الهاتف وضغط على زر الإجابة، وخرج صوته الأجش، ا
📞 (المكالمة القاتلة... صدمة الأم):في الممر البارد للمستشفى، كان الأب يجلس ويده ترتجف بعنف وهي تمسك الهاتف. ضغط على رقم زوجته في الوطن، وجاء صوتها فوراً ممتلئاً بالقلق والترقب:الأم: "أهلاً يا أبو حلا... بشرني، هل وصلتم؟ هل وجدتم ذلك الرجل؟"انفجر الوالد ببكاء مرير ونحيب مزق صمته طوال الطريق، وصاح بصوت مخنوق:الوالد: "أي يوسف وأي بحث يا أم حلا؟! ابنتنا تموت! حلا سقطت بين أيدينا عند باب الفندق وتوقف قلبها عن النبض... نحن في العناية المركزة بمستشفى نيويورك والأطباء يحاولون إنقاذها!"سقطت الكلمات على الأم كالصاعقة. تجمّدت الدماء في عروقها، وشعرت وكأن الأرض تدور بها. تراجعت إلى الخلف وسندت يدها على الجدار، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة، وتذكرت كلماتها القاسية لها قبل السفر (لن أرضى... فلتذهبوا وكأنني شيء ثانوي).الأم (بصراخ وعويل يملأ بيتها الفارغ):"ماذا تقول؟! ابنتی؟! لا يا أبو حلا، أرجوك قل لي إنك تمزح! حلا حبيبتي... يا ليتني ما منعتكِ، يا ليتني ما زعلت منكِ! كله بسببي.. أنا التي قسوت عليها! ما هذا بحق السماء فلأموت أنا ولا أفجع بقطعة من روحي!"انهارت الأم على الأرض تبكي وتنتحب بند
هبطت الطائرة في مطار جون كينيدي الدولي بنيويورك، لتعلن بدء المعركة الحقيقية لحلا. "على أرصفة الغربة"خفقت أجنحة الطائرة ولامست العجلات أرض المطار بـارتطام قوي اهتزت له جوانح حلا. فتحت عينيها بسرعة بعد غفوة قصيرة مليئة بالكوابيس، ونظرت عبر النافذة؛ كانت سماء نيويورك رمادية كئيبة، ونسمات البلورات الثلجية تداعب زجاج الطائرة في طقس شديد البرودة.خرجت حلا مع والدها والطبيب وسط زحام المسافرين من مختلف الجنسيات. لفّت معطفها الصوفي حول جسدها بقوة، لكن البرد الذي كانت تشعر به لم يكن برد الطقس، بل كان برد الخوف من القادم.بعد إنهاء إجراءات الجوازات والحصول على الحقائب، خرجوا إلى صالة الوصول الكبرى. وقف الوالد مذهولاً من ضخامة المكان وسرعة الحركة فيه، بينما سحب الطبيب هاتفه فوراً وبدأ يتفحص بعض العناوين المسجلة لديه.التفتت حلا إلى الطبيب، وعيناها تشعان بلهفة حارقة امتزجت بالخوف:حلا: "دكتور... نحن هنا الآن. إلى أين سنذهب؟ كيف سنعثر عليه في هذه المدينة العملاقة؟"وضع الطبيب يده المطمئنة على كتفها وقال بنبرة واثقة:الطبيب: "لا تقلقي يا حلا. يوسف ليس هنا للسياحة، لقد أخبرتكِ أن هناك عيادة أبحاث ف
✈️ (في صالة المغادرة... بوابات الغد)توقفت السيارة أمام بوابة المطار الدولية. تنفس الثلاثة بعمق وكأنهم يستنشقون بداية فصل جديد. أنزل الطبيب الحقائب بهمة، بينما كان الوالد يمسك يد حلا بقوة ليمنحها الدفء والأمان.دخلوا إلى صالة المطار الصاخبة؛ أصوات النداءات للرحلات، حركة المسافرين، واللوحات الرقمية المضيئة بأسماء مدن العالم. لكن حلا كانت في عالم آخر تماماً، عيناها معلقتان بلوحة المغادرة عند كلمة: (نيويورك - رحلة رقم 104).تقدموا نحو مكتب التسجيل، وأنهى الطبيب الإجراءات بسرعة بفضل حجزه المسبق. التفت إلى حلا ووالدها وقال بابتسامة تشع أملًا:"كل شيء جاهز... بطاقات الصعود في أيدينا، والطائرة ستقلع بعد ساعة ونصف. حلا، هل أنتِ مستعدة؟"نظرت حلا إلى بطاقة السفر بين يديها، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة ملؤها اليقين:"مستعدة يا دكتور... أكثر من أي وقت مضى."مشوا معاً نحو بوابات التفتيش والجوازات. ومع كل خطوة تخطوها حلا، كانت تشعر أن القيود التي كبلتها في مدينتها تسقط واحداً تلو الآخر. لم يعد هناك مكان للأفاعي، ولا لأمير، ولا للندم المستسلم. هناك فقط طائرة ستقطع سحاب المحيط، لتهبط بها في قلب نيويورك
جلست حلا في غرفتها، ممسكةً بهاتفها وعيناها تشتعلان بغضب ممزوج بمرارة الخذلان. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المنهارة؛ بل تحولت الحرقة في صدرها إلى صلابة لا تلين. ضغطت على زر الاتصال برقم ديما.لم تمر ثوانٍ حتى جاء صوت ديما ملهوفاً عبر الخط:ديما: "حلا! أخيرًا رددتِ! كنا قلقين عليكِ جداً، ما بكِ لمَ لا تجيبين على..."قاطعتها حلا بنبرة باردة كالجليد، نبرة جعلت الكلمات تخرج كالشفرات الحادة:حلا: "قبل كل شيء... لم أكن أعلم يا ديما أن سعركِ أنتِ وسارة رخيص إلى هذا الحد... ألف متابع! بيعت صداقتنا ببضعة آلاف من المتابعين على إنستغرام؟"ساد صمت مفاجئ وصادم على الطرف الآخر، قبل أن يخرج صوت ديما متلعثماً ومحاولاً الإنكار:ديما: "حلا... ما هذا الكلام؟ هذا غير صحيح تماماً! من... من أخبركِ بهذه التراهات؟"حلا (بصرخة مكتومة تقطر وجعاً):"يكفي كذباً! يكفي قذارة! لقد اكتشفتكِ على حقيقتكِ البشعة. لو كان هذا الغدر من أحد غيركِ لما تضايقت ولما انكسر قلبي... ولكن أنتِ؟! أنتِ بالذات كنتِ أعز صديقة لدي، كنتِ بمقام أختي التي لم تلدها والدتي، كنتِ مأمني وسري!"ارتجف صوت ديما وظهر فيه الرعب الحقيقي بعد أن أدركت أ
ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ، التقط فيها الطبيب هاتفه وعيناه تلمعان بلهفة وأمل. ضغط على زر الاتصال برقم يوسف مجدداً... مرّة، مرتين، وثلاثاً، ولكن دون جدوى، الرقم لا يزال قابعاً خلف جدار الحظر والغياب الآلي الجاف.أنزل الطبيب الهاتف بإحباط، وأخذ يسير في الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يضغط على جبينه يحاول استجماع شتات أفكاره. فجأة... توقفت خطواته، واتسعت عيناه وكأن برقاً أضاء عقله! التفت إلى حلا وقال بصوت متحمس شقّ حاجز الحزن:"نيويورك!... حلا، لقد تذكرت!"نظرت إليه حلا بلهفة والدموع معلقة في رموشها:"نيويورك؟! ماذا تقصد يا دكتور؟"شخص الطبيب ببصره إلى البعيد وتابع وهو يتذكر:"في آخر جلسة جمعتني بيوسف قبل أسابيع، كان يمر بحالة ضيق شديدة، وقال لي بالحرف الواحد: (إذا ضاقت بي هذه المدينة يوماً، سأحزم حقائبي وأطير إلى نيويورك... هناك عيادة أبحاث فيزيائية وكيميائية لطالما طلبت التعاقد معي، وهناك لن يعرفني أحد)... يوسف لم يهرب ليتوارى عن الأنظار يا حلا، يوسف سافر ليغرق نفسه في العمل هناك!"لمعت عينا حلا ببريق لم يره أحد فيها منذ ثلاثة أيام. شعرت وكأن الروح رُدّت إلى جسدها المنهك. تحركت لتنهض من سري







