LOGINغادرت ليا القاعدة بعد وقت قصير من انتهاء التقارير الليلية. لم يكن هناك شيء رسمي يمنعها من الخروج، ولم يكن هناك أيضًا ما يستدعي الأسئلة. كانت تحركاتها داخل الفيلق تُحسب دائمًا ضمن نطاق الاستطلاع والتحقيق، خصوصًا بعد ما حدث في المهمة الأخيرة. كان الهواء خارج الأسوار أبرد من المعتاد. بدأت المدينة خلفها تغرق في هدوء الليل، لكن ليا لم تتوقف عند أي نقطة. واصلت السير حتى وصلت إلى منزلها المستأجر في أطراف المنطقة الداخلية. كان المكان بسيطًا. غرفة واحدة، نافذة ضيقة، وبعض الأثاث الضروري فقط. لا شيء يوحي بأنها تعيش هناك منذ فترة طويلة، ولا شيء يربطها بالمكان أكثر من حاجتها إليه. لقد اختارت هذا المكان تحديدًا كي تتجنب لفت الانتباه. أغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت. ثم توقفت للحظة في منتصف الغرفة. اقتربت من الطاولة الصغيرة، ووضعت خاتمها المكاني أمامها. لم تتردد. بدأت بإخراج مواد مختلفة واحدة تلو الأخرى. أحجار مانا نقية. مساحيق معالجة. عناصر مستخلصة من بقايا الطاقة التي جمعتها خلال الفترة السابقة. ثم أخرجت قارورة صغيرة تحتوي على عينة داكنة مأخوذة من إحدى الإصابات في القتال السابق. ن
عادوا مع أول خيط من ضوء الصباح دون أن يعترضهم شيء في الطريق. الغابة التي كانت قبل ساعات مسرحًا للفوضى بدت ساكنة الآن، كأن ما حدث فيها لم يكن سوى عبور عابر. آثار القتال بقيت واضحة على الأرض، جذوع الأشجار المكسورة، بقع الدم التي لم تجف بعد، وبقايا معدات متناثرة لجنود لم يعودوا معهم. لم يتكلم أحد طوال العودة. ليوونارد كان في المقدمة، يمشي بخطوات ثابتة رغم آثار التعب على جسده وملابسه المتضررة. خلفه تحركت المجموعة الباقية بعد أن تقلص عددها بشكل واضح، بعضهم يجر جروحه، وآخرون لا يحملون سوى صمت ثقيل. ليا كانت في منتصف التشكيل تقريبًا. ملامحها لم تتغير منذ بداية الرحلة. نفس الهدوء، نفس التركيز. لكن عينيها كانتا تتحركان بين كل نقطة في الطريق دون توقف تعيد بناء ما حدث منذ البداية. عددهم نقص بشكل واضح. بعض الجنود لم يعودوا أصلًا. بعضهم عاد دون أطراف مكتملة. أحدهم كان يمشي بصعوبة يدعم بنفسه على حصانه. لم يعلق أحد. العودة كانت أبسط من المواجهة، لكنها لم تكن أقل ثقلًا. عند اقترابهم من بوابة السور، بدأ الحراس بالتحرك فور رؤية الفريق. فتحوا الطريق بسرعة غير معتادة، ثم تجمدوا لثوانٍ عند رؤي
مرّ الليل بعد أول ساعات من فوضى المعركة.النيران داخل المخيم صارت أصغر، الحطب ينقص مع الوقت، والجنود يتناوبون على الحراسة دون حديث طويل. الجثث دُفنت قرب أطراف المنطقة الصخرية بسرعة، دون طقوس أو توقف.عددهم أقل من البداية.البقية موزعون حول النار، بعضهم جالس، بعضهم مستلقٍ، وبعضهم يحاول النوم رغم التعب.ليا بقيت في مكانها قرب الصخرة نفسها منذ فترة طويلة.ظهرها مستند، إحدى ركبتيها مرفوعة، والقارورة المعدنية بين يديها. لم تكن تشرب الآن.عيناها تتحركان بين النار والظلام.لا كلام.لا حركة غير ضرورية.إيلين نامت قربها. رأسها مائل على ركبتها، والبطانية تغطي نصف جسدها. تنفسها بطيء وثابت.على الجهة الأخرى من المخيم، ليونارد يقف عند حدود الإضاءة. يراقب الغابة دون توقف، يغيّر موقعه أحيانًا بخطوات قصيرة ثم يعود لنفس النقطة.الليل ثابت.الهواء بارد.الغابة ساكنة.مرّت دقائق طويلة دون أي تغيير.ليا رفعت القارورة، شربت قليلًا، ثم أعادتها إلى مكانها.تذكرت الوقت.يومان منذ الرسالة.تبقى خمسة أيام تقريبًا.الزمن غير ثابت بين العوالم، لكن هذا الحساب هو الأقرب.وضعت يدها على ركبتها وسكنت لحظة.النار أمام
العينان الحمراوان بقيتا ثابتتين وسط الظلام، بينما ارتفعت المانا المحيطة بالمكان بشكل خانق جعل حتى التنفس أثقل. ليونارد قبض على سيفه فورًا. "تراجع." لكن ليا لم تتحرك. كانت تحدق في ذلك الشيء بصمت، محاولة تمييز شكله الحقيقي بين الأشجار الضخمة. ثم تحرك. خطوة واحدة فقط. واهتزت الأرض تحت أقدامهما مباشرة. تشققت التربة قرب جذوع الأشجار، وتساقطت الأوراق اليابسة من الأعلى بينما دوى صوت ثقيل داخل الغابة. ليونارد ضغط على أسنانه. "هذا ليس عملاقًا عاديًا." لم تجبه ليا. لأنها كانت تشعر بشيء أسوأ بكثير. ذلك الضغط… لم يكن صادرًا عن جسد فقط. بل عن النواة نفسها. نواة هائلة. معقدة. وحية بالكامل. ثم دوى انفجار آخر من جهة المخيم. هذه المرة تبعته صرخات واضحة. تحرك ليونارد فورًا. انطلقت خطافات الحركة من معداته نحو الأشجار، لكنه توقف عندما شعر بيد ليا تمسك معصمه. التفت إليها مباشرة. "إذا ذهبنا الآن بشكل مباشر… سنُقتل." "وتركهم سيموتون." "هم سيموتون في الحالتين إن لم نفهم ما هذا الشيء أولًا." ساد الصمت لثوانٍ قصيرة. ثم ارتفع صوت تحطم ضخم من جهة المخيم. أحد العمالقة وصل إليهم بالفع
اختفت خطوات ليا تدريجيًا بين الأشجار، بينما بقي ضوء المخيم خلفها يضعف شيئًا فشيئًا.الهواء داخل الغابة كان أبرد بعيدًا عن النيران.رائحة الدم ما زالت عالقة في المكان، ممزوجة برائحة الخشب الرطب والطاقة المحترقة القادمة من مُعدِّلات النمط المستعملة بكثرة خلال المعركة.سارت ليا بهدوء دون أن تستخدم معدات الحركة.عيناها تتحركان بين الأشجار بصمت.ذلك الشيء ما زال هناك.تشعر به بوضوح.يتبعها.لكنه لا يقترب.توقفت أخيرًا قرب جذع شجرة ضخمة، ثم رفعت نظرها نحو الظلام أمامها."ستراقب فقط؟"ساد الصمت.الريح مرّت بين الأغصان بهدوء.ثم—صدر صوت خطوات بطيئة من الخلف.لم تلتفت ليا فورًا.شخص واحد فقط.لا… ليس إنسانًا.المانا المحيطة به كانت مشوهة بشكل واضح.استدارت أخيرًا.وظهر العملاق.لكن هذه المرة لم يكن ضخمًا كالبقية.جسده أقرب للبشر، بحجم يتجاوز الإنسان بقليل فقط، بينما غطت الخطوط السوداء كامل ذراعيه وعنقه.وعيناه…كانتا ثابتتين عليها مباشرة.بقي واقفًا دون حركة.كأنه لا ينوي الهجوم.ضيقت ليا عينيها قليلًا."أنت لست من النوع الذي هاجمنا سابقًا."لم يصلها رد.لكن العملاق تحرك أخيرًا.خطوة واحدة فق
اهتزت الأرض بعنف أكبر هذه المرة.الأشجار في عمق الغابة بدأت تتساقط الواحدة تلو الأخرى، بينما دوّى صوت خطوات ثقيلة جعل الجنود يتجمدون في أماكنهم للحظات قصيرة.قبض ليونارد على سيفه بقوة."تشكيل دفاعي! بسرعة!"تحرك أفراد الفيلق فورًا رغم الفوضى، لكن التوتر كان واضحًا على وجوه الجميع. بعضهم كان ما يزال يلهث من المعركة السابقة، وآخرون يحاولون إيقاف نزيف إصاباتهم بسرعة قبل وصول الخطر الجديد.اشتعلت وحدات الطاقة خلف ظهورهم بضوء أزرق متقطع.تفعّل مُعدِّل النمط.السوار المعدني المثبت على المعصم أضاء بخفوت، بينما بدأت خيوط الطاقة الشفافة الممتدة نحو الطوق حول الرقبة تنبض بسرعة متزايدة.تباطأ إحساسهم بالعالم للحظات.ظهرت مسارات الحركة حول الأشجار والظلال.ثم—خرج العملاق أخيرًا من قلب الغابة.ساد الصمت لثانية كاملة.كان أضخم من أي عملاق واجهوه سابقًا.جسده مليء بتشققات سوداء متوهجة، وظهره مشوه بأطراف إضافية تتحرك ببطء خلفه. عيناه الداكنتان استقرتا مباشرة على ليا منذ اللحظة الأولى.شعر عدد من الجنود بالقشعريرة فور رؤيته.همس أحدهم بصوت مرتجف:"ما هذا الشيء…؟"لكن العملاق لم يمنحهم وقتًا.تحرك فجأ