LOGINقضت آيريس سبنسر ليلتها في عيادة المدرسة تحت مراقبة الطبيب ألكسندر الصامتة والوقورة.
ومع حلول المساء التالي، غادرت الممرضات المكان، ولم يتبقَّ في العيادة سوى الشموع التي تقاوم عتمة "سانت جود"، والدكتور ألكسندر الذي كان يدون بعض الملاحظات بهدوء عند مكتبه. نظرت آيريس إلى يديها المرتجفتين فوق غطاء السرير الأبيض. شعرت أن هذا الجدار النفسي الذي تبنيه حول نفسها يكاد ينهار، وأن جسدها لم يعد يحتمل إخفاء التروما بمفردها. أخذت نفساً عميقاً، وقالت بصوت خافت كسر سكون الغرفة:"دكتور ألكسندر.. هل يمكنني.. أن أتحدث معك بصدق؟ توقف ألكسندر عن الكتابة فوراً. التفت إليها بملامحه الرزينة، وتقدم نحو سريرها بخطوات هادئة، ثم جلس على مقعد خشبي قريب، ونظر إليها بنظراته الدافئة التي تمنح الأمان وقال:"أنا هنا لأستمع إليكِ يا آيريس، كطبيب.. وكإنسان. تفضلي. "ابتلعت آيريس غصتها، وبدأت الكلمات تتدفق من بين شفتيها بتردد في البداية، ثم بشجاعة:"أنا لست مريضة جسدياً يا دكتور.. المرض يسكن عقلي وروحي. منذ أن كنت طفلة، وعقل يلاحقه صوت والدي الراحل.. كان يقسو عليّ، يجلدني بكلماته وبكرباجه، ويزرع في داخلي فكرة أنني خطيئة متحركة وبلا فائدة. لقد كبرت وأنا أحمل عقدة نفسية مخيفة؛ أصبحت أتعطش لأي كلمة طيبة أو حنان من أي رجل، لدرجة أن أي لفتة من شاب لطيفة تجعل قلبي يخفق بشدة وأتعلق بالشخص فوراً في مخيلتي.. ثم أهرع مرعوبة مستغفرة، خوفاً من أن أكون قد خنت عهدي الروحي الذي أحبه. أنا أحب كوني راهبة، وأريد هذا الطريق، لكن هذا الخوف الصراع النفسي يمزق جسدي.. أرجوك، أريد حلاً يخلصني من هذا العذاب. "استمع ألكسندر إليها بكامل تركيزه، دون أن يقاطعها بكلمة واحدة، ولم تظهر على وجهه أي علامات إدانة، بل امتلأت عيناه بتعاطف عميق ونضج طبي كبير. انتظر لثوانٍ حتى تصمت، ثم قال بنبرة مطمئنة وواثقة:"شجاعتكِ اليوم في مواجهة هذا الماضي هي أول خطوة في العلاج يا آيريس. ما تشعرين به ليس خطيئة، بل هو رد فعل طبيعي لروح حُرمت من الأمان في طفولتها. والدكِ هو الخطيئة، وليس أنتِ. اعتدل ألكسندر في جلسته وتابع بجدية ووعد صادق:"أنا أوافق على مساعدتكِ، وسأضع لكِ خطة علاجية سرية تعتمد على تفريغ هذه الشحنات النفسية وإعادة بناء أمانكِ الداخلي، دون أن يعلم أحد في المدرسة بذلك. سنواجه هذا الخوف معاً، وأعدكِ أننا سنعيد لقلبكِ سلامة السكينة التي يستحقها. نظرت إليه آيريس، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت وكأن ثقلاً هائلاً قد انزاح عن صدرها، وأن هناك يداً حقيقية تمتد لشفائها بعلم وأمان. لم تكن خطة العلاج السرية التي وضعها الطبيب ألكسندر لآيريس مجرد جلسات للتحدث عن الماضي، بل كانت مواجهة حقيقية مع كل المشاعر المكبوطة التي حاولت دفنها لسنوات خلف ثوبها الرهباني. ومع بقائها في العيادة لبضعة أيام أخرى تحت شعار "النقاهة"، بدأت آيريس تدرك أن صراعها الداخلي أعقد بكثير مما باحت به في البداية. في إحدى الليالي العاصفة، حيث كان صوت المطر يضرب نوافذ العيادة بعنف، جلست آيريس على سريرها تحاول التركيز في قراءة أحد الكتب الدينية. لكن جسدها كان يمر بحالة غريبة من الاضطراب والحرارة المرتفعة؛ لم تكن حرارة الحمى، بل كانت وابلًا من الأحاسيس الجسدية المباغتة التي لم تختبرها بهذا العنف من قبل. مع دخول ألكسندر الغرفة لتفقد مؤشراتها الحيوية، واقترابه منها ليفحص نبضها كالعادة، سرت رجفة حارقة في عروقها. لم يكن مجرد انجذاب عاطفي أو رغبة في سماع كلمة طيبة هذه المرة؛ بل شعرت برغبة جسدية عارمة وشهوة كبيرة مباغتة تجتاح كيانها بمجرد اقتراب رجل منها ونظره إلى ملامحها في هذا الخلوة الصامتة. انقبضت أنفاس آيريس، وتراجعت بجسدها إلى الخلف بسرعة، ساحبة يدها من بين يديه وكأنها لمست جمراً. كان قلبها يخفق بعنف لدرجة شعرت معها بالاختناق، وامتلأت عيناها بدموع الرعب والاشمئزاز من نفسها. هذا الشعور الجسدي المتأجج يمثل صدمة مروعة لها؛ فهو يتعارض تماماً مع أخلاقها وعقيدتها الصارمة كراهبة نذرت حياتها للزهد والطهر، ويرى عقلها في هذه الشهوة تدنيساً لكل صلواتها وعهودها التي تحبها مخلصتةً. لاحظ ألكسندر ارتباكها الشديد وعينيها اللتين تفيضان بالرعب والنظرة اللائمة لذاتها. تراجع خطوتين إلى الخلف ليمنحها مساحتها الخاصة، وحافظ على هدوئه ورزانته المهنية، متحدثاً بنبرة هادئة للغاية تخلو من أي أحكام:"آيريس.. تنفسي بهدوء. ما الذي تشعرين به الآن واجهي هذا الشعور ولا تهربي منه بالدموع. غطت آيريس وجهها بيديها المرتجفتين، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء والمرارة: إنه دنس يا دكتور.. دنس حقيقي! جسدي يخونني.. أشعر برغبات دنيوية آثمة وشهوة لا تليق بامرأة ترتدي هذا الثوب المقدّس. كيف يمكن لصلواتي أن تقبل وأنا أحمل في داخلي هذا السعير؟ أنا أكره ما أشعر به، هذا ضد كل ما آمنت به ووهبت حياتي لأجله! نظر إليها ألكسندر بنضجه المعهود، ولم يبدِ أي تفاجؤ؛ بل كان يعلم كطبيب أن الكبت الطويل والقسوة التي عاشتها ولّدا في جسدها رد فعل عنيف يحاول الخروج دفعة واحدة مع بدء تفكيك العقد النفسية. اقترب بوقار وجلس على مسافة آمنة وقال:"آيريس، الجسد البشري له قوانينه التي لا تنصاع للوعود الروحية بسهولة. هذا التوقد والشهوة المفاجئة ليسا دليلاً على فساد أخلاقكِ، بل هما نتيجة الكبت الطويل والتروما التي فرضت على جسدكِ صياماً قسرياً ومخاوف دائمة. لا تحاربي جسدكِ بالجلد والكراهية، بل افهمي أنه يمر بمرحلة تعافي وتفريغ لكل ما كُتم فيه. تمسككِ بأخلاقكِ ورفضكِ للاستسلم لهذه المشاعر هو الطهر الحقيقي، وسنعمل معاً لترويض هذه العاصفة حتى يستعيد جسدكِ توازنه الطبيعي. "تنفس الصعداء قليلاً بعد كلماته، ورغم الحرج الشديد، شعرت آيريس بأن ألكسندر يضع يدها على طريق الشفاء الحقيقي، ممتنة لوجود هذا الطبيب الرزين الذي يرى ضعفها البشري دون أن ينزع عنها هيبتها كقديسة.لم تكن خلوة التدريب في القبو المهجور بعيدة عن عيون المنظومة الطبية؛ فقد كان الدكتور ألكسندر يتابع مؤشرات آيريس النفسية والجسدية بدقة وعناية فائقة. لاحظ ألكسندر غياب آيريس المتكرر عن حصص التعبد وجلسات المتابعة، والأنكأ من ذلك، أنه حين يلمحها في الممرات، يرى في عينيها نظرة عميقة من الشك والشرود لم يعهدها فيها بعد أن أعاد إليها رصانتها وتوازنها الروحي.قرر ألكسندر تتبع خطواتها في خفاء، مستعيناً بحسه الطبي وخوفه الحقيقي على سلامة عقلها وجسدها. وتحت ظلال الأعمدة، قادته خطاه إلى مدخل القبو السفلي المعتم. وعندما اقترب من الباب الخشبي الثقيل، تناهى إلى مسامعه صوت غابرييل الهادئ وهو يوجه أنفاس آيريس ويقترب من مساحتها الجسدية الآمنة.انقبضت أسارير الطبيب، فاندفع وفتح الباب بقوة، ليتسلل ضوء الممر الخارجي فجأة ويقطع عتمة المكان. هتف ألكسندر بنبرة حادة تجمع بين الصرامة الطبية والوجل:"آيريس! ما الذي تفعلينه هنا في هذا القبو المظلم؟ ومع غابرييل بالذات؟"ارتدت آيريس خطوة إلى الوراء، لكنها بفضل تدريبات ضبط النفس السابقة مع غابرييل، لم ترتجف ولم تشعر بالذعر البشري المعتاد، بل نظرت إلى الطبيب بهدوء وثبات. أ
خرجت آيريس من مكتب القديس دانيال والدم يغلي في عروقها بكبرياء جريح. كانت أنفاسها متلاحقة وهي تسير في الممرات الحجرية الباردة لـ "صخرة الخلاص"، تشعر بأن كل ما حولها مبني على الخداع والأسرار. وفجأة، في زاوية معتمة تؤدي إلى المكتبة القديمة، اعترض طريقها رجل لم تره يتحدث كثيراً من قبل، لكنها طالما رأت ظله يتحرك خلف القديس دانيال؛ إنه غابرييل، المساعد الوفي ذو الملامح الهادئة الصارمة والعيون التي تحمل حزناً دفيناً وعميقاً.توقفت آيريس، وانقبض جسدها كالعادة بفعل تروما الخوف من الرجال، لكن غابرييل لم يتقدم نحوها ولم يفرض هالة نفوذ مثل لوكاس أو دانيال. بل تراجع خطوتين إلى الخلف، ونظر إلى يديها المرتجفتين وقال بصوت خفيض، هادئ ومريح للغاية:"آيريس.. خذي نفساً عميقاً. الأسوار هنا مليئة بالتراتيل، لكنها تخفي خلفها الكثير من الصخب. أنتِ لستِ مجرد قربان كما يظنون، وأنتِ أقوى من أن تهزمكِ كلمات دانيال."نظرت إليه بذهول؛ كيف عرف ما دار في المكتب المغلق؟ وقالت بنبرة حذرة:"من أنت يا سيد غابرييل؟ وما الذي تريده مني؟ لقد سئمتُ من الأسرار والعيون التي تلاحقني."أظهر غابرييل ابتسامة حزينة، ومد يده ببطء ممسكاً
لم تكن خطوات آيريس السريعة في الممر المظلم كافية لتهرب من نظرات ليل التي لا تخطئ. بمجرد أن خرجت من البوابة الخلفية المؤدية لحديقة المدرسة، انشقت عتمة الضباب الكثيف عن قوام ليل الممشوق. خطرت لهفته نحوها بوضوح، ووضع كاميرته جانباً، ليقف أمامها مباشرة وعيناه تحملان خليطاً من القلق العارم والغيرة الصامتة التي لم يعد قادراً على كتمانها.نظر إلى وجهها الشاحب وعينيها اللتين تحاربان دموعاً حائرة، وقال بنبرة حادة لكنها دافئة:"آيريس.. ما الذي يحدث داخل ذلك المكتب المغلق؟ رأيتكِ تدخلين بكبرياء القديسة، وتخرجين الآن كأنكِ رأيتِ شبحاً. هل ضغط عليكِ القديس دانيال؟ أم أن هناك خطراً يحيط بكِ ولا تريدين البوح به؟"حاولت آيريس التراجع خطوة، فالاضطراب الذي بداخلها كان أكبر من أن تحتمل معه استجواب ليل وعينيه المتفحصتين. ضمت كفيها الباردتين وقالت بصوت مرتعش:"ليل.. أرجوك، تنحَّ جانباً. ليس هناك شيء.. مجرد إرهاق من دراسة المخطوطات القديمة."لكن ليل لم يقتنع، بل خطى خطوة إضافية مقلصاً المسافة بينهما، وقال بغيرة دفيئة طغت على صوته كصحفي:"لا تكذبي عليّ يا آيريس. أنا أراقب هذا المكان، وأعلم أن دانيال يحيطكِ بهالة
عندما تلاقت أصابعهما لثانية واحدة وصعقت تلك النفحة الجسدية المباغتة أطراف آيريس، سحبت يدها بسرعة وبحركة شبه لا إرادية، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تحاول التقاط أنفاسها المكتومة.لاحظ القديس دانيال تلك الانتفاضة المفاجئة في جسدها وسحب يدها السريع. ولأنه رجل ذكي ويمتلك حساً ثاقباً، لم يفسر الأمر على حقيقته الدفينة، بل ظنّ أن تراجعها واضطرابها هما بقايا الخوف والتروما الجسدية التي سببها لها والدها قديماً، والتي تحفزت مجدداً بسبب وقوفها مع لوكاس العابث قبل قليل.وضع دانيال السجلات على مكتبه بهدوء تام، ولم يحاول الاقتراب منها أكثر لكي لا يسبب لها مزيداً من التوتر. نظر إليها بعينين تملأهما الرصانة والحكمة الأبوية وقال بصوت منخفض ومطمئن:"آيريس.. اهدئي. أعلم أن مواجهة طيش العالم في الخارج تترك أثراً سيئاً في النفس، وأعلم أن جسدكِ يحمل ذاكرة أليمة تجعلكِ تنكمشين من أي اقتراب. لكن تذكري دائماً أنكِ هنا في حمى 'صخرة الخلاص'، ولن يمسكِ أي سوء."تنفت آيريس الصعداء في سرها، وشعرت بمزيج من الراحة والذنب؛ الراحة لأن دانيال لم يكتشف حقيقة البركان المشحون بالشهوة المتمردة التي باغتتها، والذنب لأنها تقف أما
لم تكد آيريس تخطو بضع خطوات داخل الممر المؤدي إلى المخرج الخلفي لمكتب السجلات، حتى شعرت بظل لوكاس يمتد أمامها مجدداً. لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة؛ نفوذ والده العمدة جعله يظن أن كل الأبواب مشرعة أمامه، وأن كل النفوس يمكن شراؤها أو ترهيبها. وقف يقطع طريقها مرة أخرى، وعيناه تحملان مزيجاً من التحدي والفضول القاتل.وقفت آيريس مكانها. لم تظهر على ملامحها أي علامة من علامات الارتباك، بل أحاطت نفسها بهالة من الوقار الروحي الذي استمدته من سنوات تعبدها في "صخرة الخلاص". نظرت إليه مباشرة، وأشارت بيدها إلى السجلات التي تحملها، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها كانت تهز جدران المكان برهبتها:"سيد لوكاس.. تظن أن إذن والدك العمدة يمنحك السيادة على هذه الأرض، وتنسى أن الأرض وما عليها ليست إلا متاعاً زائلاً. إن كان نفوذ بشر يمنحك حق العبث هنا، فتذكر أننا جميعاً، بملوكنا وفقرائنا، مرجعنا ومآلنا إلى السماء. هناك، تحت عرش الحق، لا النفوذ يشفع، ولا أموال العمدة تنجي، ولا طيش الشباب يملك وزناً."اقتربت منه خطوة واحدة، وثبتت نظراتها الحادة في عينيه المذهولتين وتابعت بتحذير قاطع:"حدود 'صخرة الخلاص' لم تُبْنَ من
أثمرت كلمات الدكتور ألكسندر ورصانته أخيراً في إعادة التوازن إلى روح آيريس سبنسر. بدأت تلك العاصفة الجسدية الهوجاء تهدأ تدريجياً، وعادت لسكينتها وطبيعتها المعهودة بفضل التوجيه الطبي الحكيم، لتستعيد "القديسة الشابة" وقارها وصيتها النقي داخل أسوار مدرسة صخرة الخلاص. ولكن، كما يبدو، فإن هدوء الداخل كان يخفي وراءه بداية عاصفة جديدة آتية من الخارج؛ وعاصفة هذه المرة تحمل اسم "لوكاس".انتهى القوس الخاص بالطبيب لتبدأ مرحلة جديدة. ففي إطار المساعدات والخدمات الخارجية التي تقدمها المدرسة لأهالي بلدة "سانت جود"، أُرسلت آيريس برفقة راهبة مسنة لتسليم بعض السجلات والوثائق الرسمية إلى مبنى البلدية الفخم. كانت الأجواء باردة كالعادة، وتحت المظلات المزخرفة للمبنى، كان لوكاس، ابن العمدة المتمرد، يقف محاطاً بحرسه وبعض أصدقائه وهو يرتدي معطفاً باهظ الثمن من الفراء الداكن.بمجرد أن خطت آيريس خطواتها نحو البهو، التمعت عينا لوكاس ببريق الثعلب الذي وجد صيده. كانت ملامحها الهادئة وشعرها الأحمر الناري المنسدل من تحت حجابها الرهباني يمثلان له التحدي الأكبر؛ فتاة محرمة على الجميع، يسيجها طهر العقيدة ومهابة النذور.ا







