LOGINفي الصباح التالي،
كانت آيريس سبنسر تقف في محراب الكنيسة الصغير، ممسكة بمكنستها الخشبية لتنظيف المكان قبل الصلاة. كانت تنظر إلى ضوء الشمس الباهت وهو يخترق الزجاج الملون، وتشعر بسكينة حقيقية في قلبها. لقد أحبت آيريس هذه الحياة الروحية؛ أحبت صمت الممرات، والتراتيل الدافئة، وفكرة أن تهب حياتها لخدمة المحتاجين والأطفال. بالنسبة لها، هذا الثوب الرهباني ليس سجناً، بل هو حصنها الذي يحميها من قسوة العالم الخارجي ومن ذكريات والدها. أخرجت القلادة الفضية والرسالة من جيبها ونظرت إليهما مطولاً. تذكرت اللحظة الخاطفة التي التقت فيها عيناها بعيني ليل، والارتجافة الغريبة التي سرت في جسدها، شعرت بالخوف من نفسها، وضمت القلادة في كفها بقوة وهي تهمس بحسم:"لا.. أنا اخترت هذا الطريق عن يقين، ولن أسمح لقلبي بأن يلتفت إلى الخلف. مشاعري وهواى يجب أن يظلوا لله وحده."بحركة سريعة وثابتة، توجهت نحو صندوق خشبي قديم في زاوية غرفتها، ووضعت الرسالة والقلادة في قاعه تحت الكتب الدينية، مغلقة عليهما بقرار قاطع ألا تنظر إليهما مجدداً، مؤكدة لنفسها أنها لن تستسلم لأي مشاعر عابرة قد تزلزل عهدها. وفي تلك الليلة، كان ليل قد اتخذ قراره بالاقتراب أكثر ليفهم السر. تسلل تحت جنح الظلام والضباب الكثيف نحو الأسوار الخلفية لمدرسة صخرة الخلاص، حيث كان يعلم أن آيريس تخرج أحياناً لجمع البريد أو لتفقد الحديقة الصغيرة. وقف ليل في ظل شجرة بلسان عجوز، ممسكاً بكاميرته المعلقة حول عنقه، وينتظر بصبر هادئ. بعد فترة، انفتح الباب الخشبي الصغير للحديقة الخلفية، وخرجت آيريس وهي تحمل مصباحاً زيتياً صغيراً لتتفقد النباتات قبل اشتداد الصقيع. كان وهج شعرها الأحمر يتلألأ تحت ضوء المصباح كالشعلة. تقدم ليل بخطوات خافتة حتى أصبح على بعد أمتار قليلة من السياج الحديدي الفاصل بينهما. شعر بقلبه يدق بنبرة لم يعهدها، ونادى بصوت منخفض وعميق:"آيريس سبنسر.."توقفت آيريس في مكانها كأن صاعقة أصابتها. التفتت ببطء، لترى من خلف السياج نفس الرجل الحاد النظرات.. "ليل". تراجعت خطوة إلى الخلف، وضمت ثوبها الرهباني حول جسدها بحذر، بينما قال ليل محاولاً طمأنتها:"لا تخافي.. أنا لست هنا لأؤذيكِ. أنا ليل.. المصور الذي رأيتِهِ في الساحة. جئت لأنني أعلم أنكِ لستِ بأمان خلف هذه الأسوار، وهناك أسرار تخص عائلتكِ ووالدكِ الراحل يخفونها عنكِ بالداخل. رغم أن ذكر والدها جعل أطرافها ترتجف، ورغم ذلك الانجذاب الغامض الذي شعرت به مجدداً بمجرد سماع صوته، إلا أن إيمانها بحياتها الرهبانية كان أقوى. نظرت إليه بعينين ثابتين يملأهما الوقار والرفض، وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادئ:"أياً كان من تكون، وأياً كان ما تحمله من أسرار، فمكانك ليس هنا. أنا اخترت هذا المكان وهذا الثوب بكامل إرادتي، وحياتي وهبتها للصلوات والخدمة، ولست بحاجة لمن ينقذني من خياري. غادر فوراً يا سيد ليل، ولا تعد إلى هنا مجدداً. "لم تنتظر آيريس لتسمع رده؛ التفتت بسرعة وثبات، ودخلت من باب الحديقة وأغلقته خلفها بقوة، تاركة ليل واقفاً في البرد والضباب، مذهولاً من صلابتها وتمسكها الشديد بعهدها، ومدركاً أن الوصول إلى قلب هذه "القديسة" وإقناعها بالحقيقة سيكون أصعب مما تخيل بكثير. أغلقت آيريس سبنسر باب الحديقة الخلفية لاهثة، واستندت بجسدها على الخشب البارد وهي تضغط بمسبحتها على صدرها. كانت كلماتها الصارمة لـ "ليل" درعاً حمت به عهدها الرهباني، لكن جسدها لم يحتمل كل هذا الضغط النفسي. تداخل صوت ليل مع صدى صوت والدها الراحل في عقلهـا، وشعرت فجأة ببرودة شديدة تجتاح أطرافها، وضيق حاد في التنفس يجعل الرواق الرمادي يدور من حولها، قبل أن تسقط فاقدة الوعي على الأرض الباردة. فتحت آيريس عينيها ببطء بعد ساعات، لتجد نفسها مستلقية على سرير أبيض في عيادة المدرسة الداخلية الصغيرة. كان المكان هادئاً، ورائحة الأعشاب الطبية والمطهرات تملأ الأجواء. وعند جزيء السرير، كان يقف ألكسندر، طبيب البلدة الشاب والرزين. كان يرتدي معطفه الطبي الأبيض، وملامحه الهادئة والوقورة تحمل قلقاً صادقاً لم يستطع إخفاءه. عندما رأى عينيها تفتتحان، ابتسم بطمأنينة ونزل بمستواه قليلاً ليقول بصوت منخفض ورزين:"الحمد لله على سلامتكِ يا آيريس.. لا تتحركي، ما زلتِ ضعيفة. حاولت آيريس الاعتدال وهي تشعر بالخجل والارتباك، وقالت بصوت مبحوح:"أنا.. أنا بخير يا دكتور ألكسندر، مجرد إرهاق من الصلاة والخدمة. أمسك ألكسندر معصمها برفق شديد ليقيس نبضها. شعر بارتجاف أصابعها المألوف لديه، ونظر في عينيها بعمق، فهو الطبيب الوحيد الذي يفهم بفضل علمه وخبرته أن هذا الشحوب والارتجاف ليسا مجرد إرهاق جسدي، بل هما نتاج صدمة نفسية (تروما) عميقة وخوف دائم يسكن روحها. أفلت يدها بهدوء وقال بنبرة دافئة تحمل الأمان:"نبضكِ يخبرني بقصة أخرى يا آيريس. الإرهاق لا يجعل القلب يخفق بهذا الرعب. هناك حمل ثقيل تخفينه خلف هذا الثوب الرهباني، وجسدكِ يصرخ طالباً الراحة. بصفتي طبيبكِ، وبصفتي شخصاً يهتم بسلامتكِ حقاً، لن أسمح لكِ بالخروج من هنا حتى أطمئن أن روحكِ وجسدكِ في سلام. نظرت إليه آيريس، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بأن هناك من ينظر إلى جرحها الداخلي برغبة صادقة في الشفاء دون إدانة أو قسوة؛ لقد كان ألكسندر يمثل لها جانب الأمان الذي افتقدته طوال حياتها، لكنها سرعان ما طردت هذه الفكرة من رأسها، متمسكة بزهدها.لم تكن خلوة التدريب في القبو المهجور بعيدة عن عيون المنظومة الطبية؛ فقد كان الدكتور ألكسندر يتابع مؤشرات آيريس النفسية والجسدية بدقة وعناية فائقة. لاحظ ألكسندر غياب آيريس المتكرر عن حصص التعبد وجلسات المتابعة، والأنكأ من ذلك، أنه حين يلمحها في الممرات، يرى في عينيها نظرة عميقة من الشك والشرود لم يعهدها فيها بعد أن أعاد إليها رصانتها وتوازنها الروحي.قرر ألكسندر تتبع خطواتها في خفاء، مستعيناً بحسه الطبي وخوفه الحقيقي على سلامة عقلها وجسدها. وتحت ظلال الأعمدة، قادته خطاه إلى مدخل القبو السفلي المعتم. وعندما اقترب من الباب الخشبي الثقيل، تناهى إلى مسامعه صوت غابرييل الهادئ وهو يوجه أنفاس آيريس ويقترب من مساحتها الجسدية الآمنة.انقبضت أسارير الطبيب، فاندفع وفتح الباب بقوة، ليتسلل ضوء الممر الخارجي فجأة ويقطع عتمة المكان. هتف ألكسندر بنبرة حادة تجمع بين الصرامة الطبية والوجل:"آيريس! ما الذي تفعلينه هنا في هذا القبو المظلم؟ ومع غابرييل بالذات؟"ارتدت آيريس خطوة إلى الوراء، لكنها بفضل تدريبات ضبط النفس السابقة مع غابرييل، لم ترتجف ولم تشعر بالذعر البشري المعتاد، بل نظرت إلى الطبيب بهدوء وثبات. أ
خرجت آيريس من مكتب القديس دانيال والدم يغلي في عروقها بكبرياء جريح. كانت أنفاسها متلاحقة وهي تسير في الممرات الحجرية الباردة لـ "صخرة الخلاص"، تشعر بأن كل ما حولها مبني على الخداع والأسرار. وفجأة، في زاوية معتمة تؤدي إلى المكتبة القديمة، اعترض طريقها رجل لم تره يتحدث كثيراً من قبل، لكنها طالما رأت ظله يتحرك خلف القديس دانيال؛ إنه غابرييل، المساعد الوفي ذو الملامح الهادئة الصارمة والعيون التي تحمل حزناً دفيناً وعميقاً.توقفت آيريس، وانقبض جسدها كالعادة بفعل تروما الخوف من الرجال، لكن غابرييل لم يتقدم نحوها ولم يفرض هالة نفوذ مثل لوكاس أو دانيال. بل تراجع خطوتين إلى الخلف، ونظر إلى يديها المرتجفتين وقال بصوت خفيض، هادئ ومريح للغاية:"آيريس.. خذي نفساً عميقاً. الأسوار هنا مليئة بالتراتيل، لكنها تخفي خلفها الكثير من الصخب. أنتِ لستِ مجرد قربان كما يظنون، وأنتِ أقوى من أن تهزمكِ كلمات دانيال."نظرت إليه بذهول؛ كيف عرف ما دار في المكتب المغلق؟ وقالت بنبرة حذرة:"من أنت يا سيد غابرييل؟ وما الذي تريده مني؟ لقد سئمتُ من الأسرار والعيون التي تلاحقني."أظهر غابرييل ابتسامة حزينة، ومد يده ببطء ممسكاً
لم تكن خطوات آيريس السريعة في الممر المظلم كافية لتهرب من نظرات ليل التي لا تخطئ. بمجرد أن خرجت من البوابة الخلفية المؤدية لحديقة المدرسة، انشقت عتمة الضباب الكثيف عن قوام ليل الممشوق. خطرت لهفته نحوها بوضوح، ووضع كاميرته جانباً، ليقف أمامها مباشرة وعيناه تحملان خليطاً من القلق العارم والغيرة الصامتة التي لم يعد قادراً على كتمانها.نظر إلى وجهها الشاحب وعينيها اللتين تحاربان دموعاً حائرة، وقال بنبرة حادة لكنها دافئة:"آيريس.. ما الذي يحدث داخل ذلك المكتب المغلق؟ رأيتكِ تدخلين بكبرياء القديسة، وتخرجين الآن كأنكِ رأيتِ شبحاً. هل ضغط عليكِ القديس دانيال؟ أم أن هناك خطراً يحيط بكِ ولا تريدين البوح به؟"حاولت آيريس التراجع خطوة، فالاضطراب الذي بداخلها كان أكبر من أن تحتمل معه استجواب ليل وعينيه المتفحصتين. ضمت كفيها الباردتين وقالت بصوت مرتعش:"ليل.. أرجوك، تنحَّ جانباً. ليس هناك شيء.. مجرد إرهاق من دراسة المخطوطات القديمة."لكن ليل لم يقتنع، بل خطى خطوة إضافية مقلصاً المسافة بينهما، وقال بغيرة دفيئة طغت على صوته كصحفي:"لا تكذبي عليّ يا آيريس. أنا أراقب هذا المكان، وأعلم أن دانيال يحيطكِ بهالة
عندما تلاقت أصابعهما لثانية واحدة وصعقت تلك النفحة الجسدية المباغتة أطراف آيريس، سحبت يدها بسرعة وبحركة شبه لا إرادية، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تحاول التقاط أنفاسها المكتومة.لاحظ القديس دانيال تلك الانتفاضة المفاجئة في جسدها وسحب يدها السريع. ولأنه رجل ذكي ويمتلك حساً ثاقباً، لم يفسر الأمر على حقيقته الدفينة، بل ظنّ أن تراجعها واضطرابها هما بقايا الخوف والتروما الجسدية التي سببها لها والدها قديماً، والتي تحفزت مجدداً بسبب وقوفها مع لوكاس العابث قبل قليل.وضع دانيال السجلات على مكتبه بهدوء تام، ولم يحاول الاقتراب منها أكثر لكي لا يسبب لها مزيداً من التوتر. نظر إليها بعينين تملأهما الرصانة والحكمة الأبوية وقال بصوت منخفض ومطمئن:"آيريس.. اهدئي. أعلم أن مواجهة طيش العالم في الخارج تترك أثراً سيئاً في النفس، وأعلم أن جسدكِ يحمل ذاكرة أليمة تجعلكِ تنكمشين من أي اقتراب. لكن تذكري دائماً أنكِ هنا في حمى 'صخرة الخلاص'، ولن يمسكِ أي سوء."تنفت آيريس الصعداء في سرها، وشعرت بمزيج من الراحة والذنب؛ الراحة لأن دانيال لم يكتشف حقيقة البركان المشحون بالشهوة المتمردة التي باغتتها، والذنب لأنها تقف أما
لم تكد آيريس تخطو بضع خطوات داخل الممر المؤدي إلى المخرج الخلفي لمكتب السجلات، حتى شعرت بظل لوكاس يمتد أمامها مجدداً. لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة؛ نفوذ والده العمدة جعله يظن أن كل الأبواب مشرعة أمامه، وأن كل النفوس يمكن شراؤها أو ترهيبها. وقف يقطع طريقها مرة أخرى، وعيناه تحملان مزيجاً من التحدي والفضول القاتل.وقفت آيريس مكانها. لم تظهر على ملامحها أي علامة من علامات الارتباك، بل أحاطت نفسها بهالة من الوقار الروحي الذي استمدته من سنوات تعبدها في "صخرة الخلاص". نظرت إليه مباشرة، وأشارت بيدها إلى السجلات التي تحملها، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها كانت تهز جدران المكان برهبتها:"سيد لوكاس.. تظن أن إذن والدك العمدة يمنحك السيادة على هذه الأرض، وتنسى أن الأرض وما عليها ليست إلا متاعاً زائلاً. إن كان نفوذ بشر يمنحك حق العبث هنا، فتذكر أننا جميعاً، بملوكنا وفقرائنا، مرجعنا ومآلنا إلى السماء. هناك، تحت عرش الحق، لا النفوذ يشفع، ولا أموال العمدة تنجي، ولا طيش الشباب يملك وزناً."اقتربت منه خطوة واحدة، وثبتت نظراتها الحادة في عينيه المذهولتين وتابعت بتحذير قاطع:"حدود 'صخرة الخلاص' لم تُبْنَ من
أثمرت كلمات الدكتور ألكسندر ورصانته أخيراً في إعادة التوازن إلى روح آيريس سبنسر. بدأت تلك العاصفة الجسدية الهوجاء تهدأ تدريجياً، وعادت لسكينتها وطبيعتها المعهودة بفضل التوجيه الطبي الحكيم، لتستعيد "القديسة الشابة" وقارها وصيتها النقي داخل أسوار مدرسة صخرة الخلاص. ولكن، كما يبدو، فإن هدوء الداخل كان يخفي وراءه بداية عاصفة جديدة آتية من الخارج؛ وعاصفة هذه المرة تحمل اسم "لوكاس".انتهى القوس الخاص بالطبيب لتبدأ مرحلة جديدة. ففي إطار المساعدات والخدمات الخارجية التي تقدمها المدرسة لأهالي بلدة "سانت جود"، أُرسلت آيريس برفقة راهبة مسنة لتسليم بعض السجلات والوثائق الرسمية إلى مبنى البلدية الفخم. كانت الأجواء باردة كالعادة، وتحت المظلات المزخرفة للمبنى، كان لوكاس، ابن العمدة المتمرد، يقف محاطاً بحرسه وبعض أصدقائه وهو يرتدي معطفاً باهظ الثمن من الفراء الداكن.بمجرد أن خطت آيريس خطواتها نحو البهو، التمعت عينا لوكاس ببريق الثعلب الذي وجد صيده. كانت ملامحها الهادئة وشعرها الأحمر الناري المنسدل من تحت حجابها الرهباني يمثلان له التحدي الأكبر؛ فتاة محرمة على الجميع، يسيجها طهر العقيدة ومهابة النذور.ا







