เข้าสู่ระบบلامست القلادة دفء يد آيريس،
وشعرت لأول مرة بأن هناك عالماً في الخارج يستحق أن يُكتشف، وأن تضحيتها لم تذهب سدى. خبأت الرسالة والقلادة في جيب ثوبها بسرعة قبل أن تلمحها أعين الراهبات المتربصاتوفي الخارج. حيث بلدة "سانت جود" الغارقة في الضباب. كان الضوء الأحمر الخافت يملأ غرفة تظهير الصور الخاصة بـ "ليل". كان يقف متأملاً ملامح آيريس التي بدأت تظهر تدريجياً على ورقة الصور داخل الحوض المائي؛ ملامحها وهي تحمي الطفل، ونقاء عينيها الذي هز قناعته الراسخة بأن كل الرهبان منافقون. قطع صمته دخول صديقه المقرب "إيفان"، الصحفي الجريء الذي يكره الغموض ويبحث دائماً عن كشف أسرار البلدة والمدرسة الدينية. تقدم إيفان ونظر إلى الصورة المعلقة لآيريس، ثم ابتسم بخبث والتفت إلى ليل قائلاً:"ليل.. المصور البارد الذي لا تحركه امرأة، يقف مذهولاً أمام صورة راهبة؟ دعني أخبرك شيئاً.. هذه الفتاة، آيريس سبنسر، ليست مجرد راهبة عادية. والدها الراحل ترك خلفه شبكة معقدة من الأسرار والديون والقصص في هذه البلدة قبل وفاته، ووجودها داخل هذه الأسوار يخفي وراءه سراً كبيراً. يجب أن نصل إليها.. أنت بدافع فضولك، وأنا بدافع قلمي الصحفي." .وفي تلك الأثناء، في الجانب الآخر من البلدة، كان "إيفان" يبسط مجموعة من الأوراق القديمة والصحف الصفراء على طاولة "ليل" في استوديو التصوير. كان ليل ينظر إلى الأوراق بنظرات غامضة، بينما يتابع إيفان بحماس صحفي: "كما توقعت يا ليل.. عائلة سبنسر لم تكن عائلة عادية. والد آيريس، قبل وفاته، كان رجلاً غامضاً يملك نفوذاً وعلاقات مشبوهة، وترك خلفه ديوناً وأسراراً ترتبط مباشرة ببعض القيود داخل مدرسة صخرة الخلاص. الفتاة هناك ليست برغبتها الكاملة، بل ربما تكون رهينة لسر دفنه والدها!"نظر ليل إلى صورة آيريس المعلقة تحت الضوء الأحمر، وضغط على حافة عدسته وقال بصوت خفيض:"المنافقون في تلك المدرسة يخفون شيئاً أكبر.. ونقاؤها في الساحة كان حقيقياً لدرجة أنها لا تنتمي إليهم. سأعرف ما الذي يربطها بهذا المكان، حتى لو اضطررت لاختراق تلك الأسوار بنفسي."وفي مكان ليس ببعيد، داخل الممرات الفخمة للإدارة، كان دانيال يقف خلف مكتبه الخشبي الكبير، ينظر عبر النافذة نحو الساحة الخلفية حيث تقف آيريس. كان في عينيه مزيج من الإعجاب العميق والتملك الصامت. التفت إلى أحد مساعديه وقال بنبرة صارمة تحمل نفوذاً لا يُرد:"أبقوا أعينكم على الراهبة أجاثا.. لا أريدها أن تقترب من آيريس سبنسر أو تضايقها مجدداً. آيريس تحت حمايتي الشخصية، وأي محاولة لأذيتها ستكون مواجهة مباشرة معي. "عادت آيريس سبنسر إلى غرفتها الصغيرة والمساء يلقي بظلاله الرمادية على بلدة "سانت جود". سارعت بإغلاق الباب خلفها بالمزلاج، وتوجهت نحو سريرها الخشبي البسيط. بيدين ترتجفان، أخرجت من جيب ثوبها السري الرسالة والمطوية والقلادة الفضية التي تركتها "إيلينا".جلست على حافة السرير، وتأملت زهرتها البرية الفضية تحت ضوء الشمعة الخافت. للمرة الأولى، لم تكن تفكر في ذنب أو خطيئة، بل كانت تتساءل عن شكل الحياة خلف تلك الأسوار العالية. هل هناك من يعيش دون خوف؟ دون أن يلاحقه صوت كرباج في قبو مظلم؟ لامست بأصابعها تفاصيل القلادة، وشعرت برغبة عارمة في الاحتفاظ بها كتميمة أمان، بعيداً عن عيون الراهبة أجاثا التي لا تنام. وفي الخارج، كان ليل قد بدأ بالفعل خطواته الأولى لتتبع الأثر. لم يكن من النوع الذي ينتظر الإجابات لتأتي إليه؛ بل كان يلاحقها بعدسته وقلمه. توجه ليل في تلك الليلة الباردة نحو المكتبة القديمة للبلدة، حيث تُحفظ السجلات العقارية والوثائق التاريخية لـ "سانت جود".قضى ليل ساعات طوال بين الرفوف الغبارية، يبحث في الدفاتر المهترئة التي تعود لسنوات مضت، حتى عثر على ما كان يبتغيه: ملف عائلة سبنسر. فتح الأوراق ببطء تحت ضوء مصباحه اليدوي، لتتضح أمامه تفاصيل صادمة. لم يكن والد آيريس مجرد رجل قاسٍ، بل كان شريكاً مالياً قديماً للمدرسة الدينية نفسها، وثمة وثيقة غامضة تشير إلى أن وجود آيريس داخل أسوار مدرسة صخرة الخلاص لم يكن اختياراً روحياً بالكامل، بل كان جزءاً من "تسوية صامتة" أُبرمت عقب وفاة والدها المفاجئة لحماية اسم العائلة وإخفاء أوراق مفقودة. أغلق ليل الدفتر وعيناه تحملان مزيجاً من الحصار والتصميم. التفت نحو النافذة المطلة على الأسوار البعيدة للمدرسة، وقال بصوت خفيض:"أنتِ لستِ قديسة باختياركِ يا آيريس.. أنتِ سجينة لديهم، وسأعرف ما الذي يخفونه خلف ثوبكِ النقي."خلف الأبواب الخشبية الثقيلة للغرفة المعزولة، كان الوقت يتدفق كزيت بارد ولزج في عتمة "سانت جود" التي لا ترحم. ساعات طويلة انقضت منذ أن وضعها لوكاس عند العتبة وانسحب بنبله الصامت، وساعات أطول قضتها آيريس سبنسر تجلس بظهرها إلى الجدار الحجري البارد، تضم ركبتيها إلى صدرها وعيناها الزرقاوان تحدقان في الفراغ الدامس دون أن يغمض لها جفن. كانت تصارع جحيماً داخلياً من الأفكار المشوشة وحزناً عارماً يمزق أحشاءها؛ فالحاجز الجليدي الذي بنته لسنوات تحول إلى شظايا حارقة بعد أن كُشفت الأوراق، وعقلها أصبح أسيراً لعقدة جديدة ومرض خبيث يلتهم نقاءها وثقتها العمياء... مرض غابرييل.كل زاوية في هذه الغرفة أصبحت تذكرها بالخديعة؛ الملف الأسود الذي تقبض عليه بـشجاعة حادة تفيض بالغل المكتوم يمثل دمارهم جميعاً، لكنه يمثل أيضاً ثمن صيتها كقديسة ضاع لأجل رجل اعتبرها مجرد طُعم رخيص في لعبة ثأره الشخصي وأسراره الخاصة المحرمة. كان الهواء ينسحب من صدرها بصعوبة، وشهقاتها الجافة تخنق حنجرتها وهي تتذكر كيف استسلمت بكامل رغبتها الجسدية المباغتة لسطوته وقبلاته، ليتبين أن كل ذرة لطف كانت مجرد فخ مدروس.ومع اقترا
لم يكن الهواء في ذلك الليل مجرد برودة تقضم الأطراف، بل كان جحيماً من الأنفاس المكبوحة التي تلتهم بقايا روحي آيريس سبنسر. كانت تسير متأرجحة، خطواتها المترنحة والضائعة تحاكي العاصفة التي تضرب أفكارها المشوشة وتغرقها في حزن عارم وخانق. في رأسها، كان صدى صوت غابرييل يتكسر كالشظايا الحارقة؛ خيانته المقززة كانت تنهش أحشاء كبريائها الممزق. كيف وثقت به ثقة عمياء إلى هذا الحد ؟ كيف منحتْه شفتيها وجسدها وسمحت له بأن يطبع علاماته وعضّاته السادية والتملكية تحت ياقتها، لتبتسم له بصدق وتظن أنه حاميها الوحيد من تروما طفولتها وقسوة والدها الراحل؟ ليتضح في النهاية أنها ليست سوى بيذق رخيص وطُعم ألقى به في وجه الكنيسة والمصحة ليرضي ثأره الشخصي وأسراره الخاصة!كانت شهقاتها المكتومة تنسحب من صدرها بصعوبة بالغة، ممسكة بملابسها الممزقة من الأمام عند صدرها بيديها المرتجفتين، وعيناها تفيضان بدموع الفرح الممسوخة بالخديعة والندم على خطيئتها الكبرى في الحب. وفي ذروة تشتتها وانكسارها، بينما كانت تلتفت خلفها برعب خوفاً من أن يلاحقها طيف غابرييل من الكوخ المعزول، اصطدم قوامها الفاتن بقوة بجسد صلب كان
رماد الأقنعة الناريةساد صمت مرعب وخانق في أرجاء الكوخ الخشبي المنعزلفي تلك الليلة الحارقة، صمتٌ لم يكن يقطعه سوى طقطقة النيران الشاحبة في المدفأة، وصوت أنفاس آيريس سبنسر المتلاحقة والمثقلة بالتشويش والحزن العارم. دخلت آيريس ممسكة بملفات الأوراق والصور بيدين ترتجفان من شدة الصدمة العاطفية، بينما كان غابرييل يجلس في العتمة بجسده الضخم العريض وهيبته المهيبة الطاغية، والسيجارة مستقرة بين شفتيه الساخنتين، وعيناه الزرقاوان تشتعلان بـبريق سادي مسعور وغيرة قاتلة وجوع وحشي تملك أحشاءه بالكامل بعد أن أبلغه رجاله خفية بتلك المقابلة السرية، وبأن قديسته العاصية قد استسلمت لحضن المصور المتمرد ليل فاولر وسط الضباب.لم يمهلها غابرييل ثانية واحدة؛ بل انتفض من مكانه كالإعصار المدمر، وتقدم نحوها بخطوات ثقيلة هزت خشب الأرضية، وفي حركة مباغتة تفيض بنزعة تملك مسعورة وسلطة طاغية، أطبق قبضته الضخمة والخشنة بقوة وعنفوان وحشي على معصمها ليكسرها و ليحاصر قوامها الفاتن ويثبتها في مكانها. لكن قبل أن ينطق ببحة رجولية حادة أو يفرض تملكه السادي المعتاد، تملكت آيريس شجاعة حادة وصلابة صخرية تخرج من ركام
خيّم الغسق الكثيف فوق بلدة "سانت جود" كغطاء ثقيل من الرماد، ولم يكن الضباب البارد الذي يتسلل بين أزقتها المعتمة مجرد طقس عابر، بل كان سياجاً يبتلع الأصوات ويحجب الرؤية ليفرض على الليل سكوناً غامضاً ومثيراً يحبس الأنفاس. وسط هذه العتمة المطبقة، كانت آيريس سبنسر تتحرك بوشاحها الأسود الطويل، خطواتها وئيدة وصامتة كطيف لا يترك أثراً على الأرض الرطبة، بينما كان جسدها وقوامها الفاتن يخفيان تحت الياقة البيضاء المغلقة بقايا حرارة العضات التملكية والوشم القاسي الذي طبعه غابرييل على بشرتها الشاحبة في ليلتهما الحارقة.توقفت آيريس لثوانٍ معدودة لتتفحص اللفافة الورقية الصغيرة التي تسلمتها للتو من الطفل الصغير الذي اختفى في الضباب كسراب عابر. فتحت الورقة بأصابع ثابتة، لتقرأ كلمات ليل فاولر المكتوبة بشهامة وقلق عارم تلاحقت فيه الأنفاس الحارة: آيريس.. أعلم أنكِ أنقذتِني ببرودكِ الحاد من فخ الكاهن دانيال، ولطفكِ معي هو الشيء الوحيد الصادق في هذا النفاق. لكنني بقيتُ هنا لأحميكِ، وقد عثرتُ الليلة على وثائق وصور سرية التقطتها خفية، تكشف حقيقة مرعبة.. غابرييل ليس مجرد متمرد جاء لإنقاذكِ، بل ه
كان الضباب الكثيف يتلوى بين الأشجار العارية المحيطة بالأسوار الخلفية لمصحة "سانت جود" كأنه خيوط من القطن البارد، يحجب الرؤية ويبتلع الأصوات ليفرض على الليل سكوناً غامضاً ومثيراً. وسط هذه العتمة المطبقة، كانت آيريس سبنسر تتحرك بوشاحها الأسود الطويل، خطواتها صامتة تماماً كطيف لا يترك أثراً على الأرض الرطبة. وعيناها الزرقاوان الصافيتان تلمعان بحذر حاد وشجاعة شابة، بينما كان جسدها وقوامها الفاتن يخفيان تحت الياقة البيضاء المغلقة بقايا حرارة العضات التملكية والوشم القاسي الذي طبعه غابرييل على بشرتها الشاحبة.لم تكن آيريس تعلم أن حركتها المتسللة بعد منتصف الليل لم تمر بسلام؛ فخلف الجدار الحجري القديم للمصحة، كان لوكاس، ابن العمدة، يتعقب أثر شعرها الأحمر المتوهج بفضول وحشي وجاذبية ذكورية جريئة. كان لوكاس قد اتخذ قراره الصادم بمراقبتها بعد أن استمع لاجتماع والده السري، وظن بنفوذه وجرأته أنه يستطيع الإمساك بـ "القديسة العاصية" متلبسة ليكتشف سرها المظلم ومن هو الرجل الذي يخترق حصونها.لكن آيريس، بذكائها الحاد وبصيرتها النافذة، شعرت بوجود أنفاس غريبة تلاحق طيفهاوسط العتمة. لم تر
خلف الباب الحديدي المغلق لغرفة الطبيب ألكسندر، كان الهواء مشحوناً برائحة المعقمات الكيميائية الخانقة والتوتر الخفي الذي يحبس الأنفاس. وقف ألكسندر بكامل طوله، وعيناه تفيضان بالشر والنرجسية الطاغية وهو يحاول محاصرة قوام آيريس سبنسر ضد الجدار الحجري، بينما تلاحقت أنفاسه الحارة والمليئة بالغل والشهوة المكبوتة بعد استنتاجات العمدة. كان يظن بأنانيته المفرطة وسلطته الطبية المطلقة أنه أوقع "القديسة" في فخه، وأنه مجبر الآن على تفحص جسدها غصباً عنها ليوجه لها الضربة القاضية ويكسر كبرياء برودها الذي طالما أذلّ غروره.لكن آيريس بقيت واقفة كالطود الصامد وسط العاصفة؛ لم يهتز لها جفن، ولم تظهر على معالم وجهها الأمامي المباشر وغرتها المنسدلة أي علامة من علامات الذعر أو التراجع. طنشته داخلياً تماماً ولم تعطه وجهاً يعكس الضعف، بينما كانت يدها ممسكة بإحكام بياقتها البيضاء المغلقة من الأعلى، تحمي تحتها وسم سطوة غابرييل وعضاته الحارقة التي تشتعل بريقاً فوق بشرتها الشاحبة.وبدلاً من البكاء أو الاستسلام، رفعت آيريس عينيها الزرقاوين الصافيتين لتصوب نحو عينيه نظرة حاسمة، جافة، وباردة كالثلج، جردت







