LOGINسيناريست
اختارت هاجر أسوأ طريقة لتتعافى من كريم أن تبحث عن رجل آخر. كانت تظن أن الحب قادر على محو حب سبقه، وأن القلب إذا امتلأ بشخص جديد، نسي من قبله. لكنها لم تكن تعلم أن الجروح التي لا تشفى، تنتقل معنا إلى العلاقة التالية. حتى ظهر محمد. كان في الأربعين من عمره، مهندسا مستقر في المملكة العربية السعودية ، متزوجا وأبا لأسرة مستقرة. لم يخف عنها شيئا منذ البداية، بل أخبرها أنه يبحث عن زوجة ثانية. توقفت هاجر فورا لم تكن يوما المرأة التي تحلم بخطف رجل من زوجته، ولا أن تكون سببا في ألم امرأة أخرى. لذلك اعتذرت منه بأدب، وأخبرته أن الأمر لا يناسبها. لكن محمد لم ينسحب. لم يحاول إقناعها في اليوم الأول، بل عاد بعد أيام برسالة قصيرة يسأل فيها عن أحوالها. ثم اختفى أياما أخرى، قبل أن يعود من جديد. كان صبورا، يعرف كيف يقترب خطوة خطوة، حتى وجدت نفسها ترد على رسائله دون تردد. مرت أسابيع وهما يتحدثان. كان يسألها عن عملها، وعن والدتها، وعن أحلامها، ويتذكر أدق التفاصيل التي تخبره بها. فإذا اشتكت من التعب، عاد في اليوم التالي ليسألها إن كانت قد ارتاحت. وإذا ذكرت أمرا عابرا، فاجأها بعد أيام بأنه ما زال يتذكره. ذلك الاهتمام كان جديدا عليها. وكان مختلفا عن كريم. لم يكن يصدر الأوامر، ولم يطلب منها أن تتغير، بل كان يغرقها بالكلمات التي افتقدتها طوال حياتها. كان يشكرها على وجودها، ويمدح أسلوبها، ويصفها بأنها امرأة حنونة، ويخبرها أن حديثها يبدد تعبه بعد يوم عمل طويل. لكن خلف ذلك اللطف، كانت هناك أمور صغيرة لم تنتبه إليها. كان يغضب إذا تأخرت في الرد، ثم يعتذر ويقول إنه كان قلقا عليها. وكان يسألها كثيرا عن الأشخاص الذين تتحدث معهم، ويمازحها قائلا: "أنا لا أحب أن يشارك أحد وقتك معي." كانت تضحك، وتعتبرها غيرة رجل واقع في الحب. وحين تذكر اسم زميل في العمل، ظل يسألها عنه حتى شعرت بالضيق، لكنه أنهى الحديث باعتذار وكلمات رومانسية جعلتها تنسى انزعاجها. وفي إحدى الليالي قال لها: "أنت كتلة من المشاعر. أحيانا أشعر أن حبك سيغرقني." توقفت طويلا عند تلك الجملة. لأول مرة في حياتها شعرت أنها ليست مجرد فتاة عادية، بل امرأة يرى أحدهم جمال روحها قبل أي شيء آخر. ومع مرور الأيام، أصبح محمد أول من تراسله صباحا، وآخر من تسمع صوته قبل أن تنام. وصارت تنتظر رسائله أكثر مما تنتظر أي شيء آخر. شيئا فشيئا، منحت محمد كل ما كانت تخبئه في قلبها. كل الحب كل الاهتمام وكل الأمان الذي كانت تتمنى أن تمنحه لرجل يستحقه. ولم يطل الأمر حتى طلب منها الزواج. وافقت دون تردد. لكنها ما إن أغلقت هاتفها، حتى بدأت الأسئلة تلاحقها. كيف ستقنع أسرتها بالزواج من رجل أجنبي؟ وكيف ستشرح لهم أنه متزوج ويريد زوجة ثانية؟ لم تجد أمامها سوى وجدان. كانت تؤمن أن صديقتها ستساعدها على إيجاد حل، لكنها فوجئت بردة فعل لم تتوقعها. نظرت إليها وجدان طويلا ثم قالت بحزم: "أنت لا تبحثين عن الحب يا هاجرأنت تبحثين عن أي شخص يمنحك اهتماما." حاولت هاجر الدفاع عن محمد، لكن وجدان لم تترك لها فرصة. قالت بغضب: "أنت تتصرفين كمراهقة متأخرة. رجل متزوج يفتح حسابا في موقع تعارف ليبحث عن امرأة أخرى ماذا تنتظرين منه؟ لو كان أمينا، لما احتاج إلى كل هذا." ثم أردفت بنبرة أكثر هدوءًا: "هل ستتركين وظيفتك التي تعبت سنوات حتى حصلت عليها؟ ستتركين أهلك الذين تساعدينهم؟ ستتخلين عن حياتك كلها من أجل رجل لم تلتقيه يوما؟" لكن كلمات وجدان كانت تصطدم بقلب امتلأ بالحب. كانت هاجر تنظر إلى محمد بعين العاشقة، لا بعين المرأة العاقلة. انتهى اللقاء دون أن يتغير شيء. وعندما عادت إلى منزلها، لم تتوقف رسائل وجدان. كانت تحاول بكل الطرق أن تعيد صديقتها إلى الواقع. لكن هاجر لم تعد تحتمل ذلك الضغط. فكتبت لها رسالة قصيرة، تعلم في أعماقها أنها ليست الحقيقة. "لا تقلقي أنا فقط أتسلى. لا يوجد زواج ولا شيء من هذا القبيل." أرسلت الرسالة وأغلقت هاتفها. كانت تلك أول مرة تكذب فيها على وجدان. ليس لأنها أرادت خداعها بل لأنها كانت تخشى أن يسرق منها أحد الحلم الذي تعلقت به. وفي الأيام التالية، كانت كلما سمعت كلمات محمد، ابتسمت بين نفسها وقالت مازحة: "أنتم المصريون سيناريستية." كانت ترى أنه يعرف كيف يختار كلماته، وكيف يصنع المشهد، وكيف يجعل المرأة تعيش وكأنها بطلة فيلم رومانسي من تلك الأفلام التي كبرت وهي تشاهدها. كانت تضحك وهي تقول له: "أنت بتتسلا بيا زي الأفلام اللي كنت بتتفرج عليها." فيضحك وينفي، ثم يعود ليمطرها بكلمات تجعلها تصدقه مرة أخرى. ولم تكن تدري. أن أجمل السيناريوهات ليست دائما أقربها إلى الحقيقة.ما أضعته بيدياريد محمد اريد محمدكانت الكلمات تتردد على شفتي هاجر بهستيرية وانفعال شديد منذ ان استعادت وعيها بعد اغمائها في غرفة المستشفى. كانت تصرخ باسمه وتقاوم كل من يحاول تهدئتها، حتى عجزوا عن السيطرة عليها، ولم يجد الاطباء بدا من اعطائها حقنة مهدئة، خوفا من ان يؤثر انفعالها الشديد على الجنين، خصوصا وان حملها لم يكن مستقرا بعد.راقب كريم المشهد بصمت، بينما كانت مشاعر متناقضة تعصف بداخله.في اعماقه، تمنى للحظة لو ان ذلك الجنين سقط.ربما كانت ستكون له عندها فرصة اخرى مع هاجر.وما المشكلة في ذلك؟ حتى لو اصبحت زوجة خاله، كان سيجد طريقة. سيجعلها تطلب الطلاق ويعيدها اليه. كان يعرف هاجر جيدا، او على الاقل كان يعتقد انه يعرفها.كان يعرف كيف يتصرف معها.كانت تذوب بين يديه، وتستسلم لكلماته، وتنفذ اوامره دون نقاش. وكم كان يعجبه ذلك الخضوع الصامت منها، ذلك الاستعداد الدائم لان تضع رايه فوق رايها.تذكر يوم اقنعها بان قيادة السيارة ليست مناسبة للنساء.لم تجادله طويلا.بل الغت تسجيلها في مركز تعليم السياقة لمجرد انه اخبرها بذلك.ابتسم داخله للحظة وهو يستعيد تلك الذكرى، قبل ان تختفي ابتسامته سريع
عودة متأخرةكان كريم سعيدا بعودته الى مصر، فقد اشتاق الى الجو الاسري الذي حرم منه منذ سنوات. لقد الح على والدته كثيرا ان تذهب للعيش معه في السعودية، الا انها كانت ترفض في كل مرة. اما الان، فقد وجد نفسه يتوق الى دفء البيت ووجودها الى جانبه.منذ طلاقه، لم تتوقف والدته عن مطالبته بالزواج من جديد، او باعادة زوجته السابقة وجمع شملهما. كان يرفض الفكرة الثانية رفضا قاطعا، اما الزواج، فلم يكن يمانعه من حيث المبدأ، بل كان يبحث فعلا عن امرأة مناسبة، لكنه لم يجدها.والحقيقة انه وجدها منذ زمن.هاجر.المرأة الرقيقة التي تخلى عنها في لحظة غباء.كان كريم قد احب هاجر كثيرا. احب طيبتها، وصدقها، وعطاءها، والسكينة الغريبة التي كانت تمنحها له كلماتها. كان يشعر معها براحة لم يجدها مع اي امرأة اخرى.لكنه، في النهاية، احب نفسه اكثر.بعد طلاقه، اقسم كريم الا يظلم نفسه مرة اخرى. كان مقتنعا بان الحب وحده لا يكفي. لقد احب زوجته الاولى بصدق، ومع ذلك انتهى زواجهما بالطلاق. لذلك اقنع نفسه بان المشاعر تتغير، وان المرأة التي يعشقها اليوم قد تصبح بعد سنوات اكثر شخص يكرهه.ومن هنا بدأت معاييره تتغير.لم يعد يبحث عن ال
حين عاد الماضيمدام هاجر ،الست علياء بتناديك للعشاء.كررت الخادمة الجملة للمرة العشرين، دون أن تتلقى أي جواب من هاجر. وقبل أن تغلق الباب وتغادر، ألقت عليها نظرة أخيرة، ثم هزت رأسها باستغراب.أما هاجر، فكانت غائبة عن الوعي، غارقة في ألمها. كانت الآلام التي تسببت بها الإبر التي غرستها في باطن إصبعها هي الحل الوحيد الذي لجأت إليه لتتخلص، ولو مؤقتا، من كثرة التفكير الذي أوشك أن يصيبها بالجنون.لم تكن تصدق ما حدث.محمد يرفض الحديث معها؟ محمد يرفض الحديث معها! لا يعقل لماذا؟هي لم تفعل شيئا يستحق أن يغضب منها. بل على العكس، كانا يعيشان أسعد أيامهما، وكانت تفعل كل ما بوسعها لإسعاده وإنجاح علاقتهما.فلماذا يرفض التواصل معها اليوم؟هل يفكر في التخلي عنها كما فعل سابقا؟وكما فعل كريم من قبل؟في المرة السابقة، برر محمد ابتعاده عنها بسبب الرسالة التي أرسلتها وجدان. لكن هذه المرة ما السبب؟هل يعقل أن يتخلى عنها هو الآخر و للمرة الثانية ؟ومن سيقبل بها بعده؟ثم جاء السؤال الذي كان أشد قسوة من كل ما سبقه:و مذا عن إبنها؟هل سيتخلى محمد عنه أيضا؟ومن سيقبل بها هي وابنها؟لا أحد هكذا أقنعت نفسها.ك
صدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى







