Masukصدمةجلست علياء تأكل، وهي تسترق النظر بين لحظة وأخرى إلى هاجر.ورغم أن هاجر كانت تشاركها جميع الوجبات، فإنها كانت تتعمد ألا تتحدث معها. وكلما حاولت علياء أن تسألها عن شيء، كانت تكتفي بإجابتها بحركة من رأسها، وكأنها تخشى أن يؤدي أي حديث بينهما إلى مواجهة جديدة.قالت علياء بهدوء:— كيف حال الجنين؟هزت هاجر رأسها بمعنى أنه بخير، دون أن تنطق بكلمة واحدة.كانت علياء تعرف جيدًا سبب تصرفها. هاجر ما زالت تخاف منها، وما زال في قلبها شيء من الحقد عليها منذ ذلك اليوم الذي صفعتها فيه. لم تنسَ هاجر تلك الصفعة، ولا الطريقة التي شعرت بها يومها بالإهانة والضعف أمامها.لكن علياء، في المقابل، لم تكن تحمل الأمر في قلبها.كانت تتمنى لو تستطيع الاقتراب منها، لو تمنحها فرصة لتراها كما تراها هي.فمنذ أن دخلت هاجر حياتهم، شعرت علياء بشيء غريب تجاهها. كانت تراها كابنة لم تنجبها، وتتمنى لو أن الله رزقها يومًا بفتاة مثلها.لكن الله لم يرزقها سوى بكريم، ابنها الوحيد.أما محمد، فلم تكن تعتبره أخا لها فحسب، بل كان بالنسبة إليها ابنا أيضا. فقد كان في العمر نفسه تقريبا مع كريم، وقد ربتهما معا منذ أن كانا صغيرين. تعب
ذاكرة مفقودةجلس محمد على حافة حوض الاستحمام، واضعا رأسه بين كفيه، بينما كانت أنفاسه تتسارع كأنها تطارده. منذ أن فتح عينيه هذا الصباح، وهو يحاول عبثا أن يجمع شتات ذاكرته، لكن كلما اقترب من تذكر ما حدث، اصطدم بفراغ مخيف.آخر ما يتذكره أنه عاد من السعودية إلى المغرب وقد حسم أمره. لم يعد يحتمل تلك الحياة المعلقة بينه وبين فاطمة، وقرر أن يواجهها بالحقيقة وينهي كل شيء باحترام. استقبلته بابتسامة هادئة، وسألته عن رحلته، ثم لاحظت أنه يبدو شاردا.قال لها إنه يريد أن يتحدث معها في موضوع مهم، لكنها قاطعته بلطف قائلة:"ليس الآن تعال نتعشى أولا. اشتقت إليك، وأريد أن نقضي هذه الليلة بهدوء، وبعدها نتحدث في أي شيء تريده."نظر إليها للحظات. لم يشأ أن يجرح مشاعرها، وظن أن تأجيل الحديث لساعات قليلة لن يغير شيئا، فوافق على مضض.بعد ذلك.لا شيء.ذكرياته تتوقف عند تلك اللحظة.كل ما يليه ظلام كامل.وحين استيقظ في الصباح، وجد نفسه في موقف لم يستطع استيعابه. شعر وكأن ساعات كاملة قد محيت من ذاكرته. ظل للحظات يحدق في السقف غير قادر على فهم ما جرى، ثم نهض بسرعة وأغلق على نفسه باب الحمام.ومنذ ذلك الوقت، لم يخرج.
قلبان فقط بدأ محمد يلاحظ أمرا غريبا في هاجر. في البداية ظن أنه مجرد انطباع عابر، لكنه مع مرور الأيام تأكد أن الأمر أعمق من ذلك. هاجر لم تكن تحمل أي مشاعر دافئة تجاه عائلتها. لم يسبق أن سمعها تشتاق إليهم، أو تتحدث عنهم كما يفعل أي شخص ابتعد عن أهله. لم تقل مرة إنها تفتقد والدتها، أو أنها تتمنى رؤية إخوتها، ولم يلمح في عينيها ذلك الشوق الذي يراه في عيون المغتربين عن اهلهم. كانت حياتها تسير وكأنها بدأت من جديد، وكأن الماضي كله أغلق بابه خلفها. كان أحيانا يتعمد أن يذكر أحد أفراد أسرتها، أو يسألها إن كانت ترغب في الاطمئنان عليهم، فتجيبه بإجابة قصيرة، ثم تغير الحديث بسرعة، وكأنها لا تريد أن تبقى في تلك المنطقة أكثر من لحظات. أدرك أن ما يربطها بهم لم يكن الحب، بل الشعور بالمسؤولية فقط. ذات مساء، بينما كانا يتحدثان عن حياتهما بعد الانتقال إلى السعودية، قالت له بهدوء: "سأبحث عن عمل عندما نصل." نظر إليها باستغراب. "ولماذا؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "لأنني أريد أن أرسل المال إلى أسرتي." ظل ينظر إليها لثوان قبل أن يقول: "لكنني سأتكفل بكل احتياجاتهم. لن يحتاجوا إلى
من أجل إبننا لم تتوقف اتصالات لقمان، وكان محمد يعلم أن معظمها يتعلق بالعمل. فما زالت هناك أعمال كثيرة تحتاج إلى إنهائها، ووجوده أصبح ضروريا، حتى وإن كان لقمان يتولى جزءا كبيرا من المسؤوليات. كانت بعض الأمور لا يمكن أن تحسم إلا بحضوره. في الحقيقة، لو كان الأمر بيده، لتخلى عن كل شيء، وبقي هنا إلى جوار حبيبته. لكن الواقع كان مختلفا. فالمال يفتح أبوابا كثيرة، وأولها كان تمكينه من الزواج بها، وترتيب جميع الإجراءات القانونية، ثم إنهاء زواجه من فاطمة غيابيا دون علمها. تنهد وهو يتذكرها. منذ مدة لم يجب على اتصالاتها، واكتفى بإرسال رسائل قصيرة يخبرها فيها أنه مشغول. لكنه أدرك أنه لم يعد يستطيع تأجيل الأمر أكثر، ولا بد أن ينهي كل شيء معها أيضا. فهي، مهما حدث، لا تستحق أن تظلم. --- كانا يجلسان في حديقة المنزل مع غروب الشمس. أسندت هاجر رأسها إلى كتفه، ووضعت يدها فوق بطنها في هدوء. قال وهو يربت على يدها: "سأسافر أسبوعا إلى السعودية ثم أعود." اعتدلت في جلستها بسرعة، ونظرت إليه بقلق. "ستأخذني معك أليس كذلك؟" ابتسم بحنان وهز رأسه. "ليس الآن يا حبيبتي." انعقدت ملامحها وقالت ب
اعتراف وجدان اختفت. اختفت هاجر. لم يستطع طوم أن يستوعب الخبر، وظل يحدق في وليد وكأنه ينتظر منه أن يخبره أن الأمر مجرد سوء فهم. "لا يعقللا يعقل." رددها وهو يغرس أصابعه في شعره بعنف، ثم بدأ يدور في الغرفة كوحش ححشر داخل قفص ضيق. "كيف تختفي؟ في مصر؟ هكذا؟" رفع رأسه نحو السقف وهمس بصوت مبحوح: "يا إلهيماذا يحدث؟ كأن الحياة مصرة على أن تجنني." تنحنح وليد قبل أن يقول بصوت خافت: "وصلني الخبر قبل دقائق. هاجر كانت في الفندق، ثم اختفت فجأة. وجدان ابتعدت عنها لساعات قليلة فقط، وعندما عادت لم تجد لها أي أثر." تجمد طوم في مكانه. "أي أثر؟" "لا شيء. لا تسجيل خروج، لا كاميرات توضح ما حدث، ولا أحد رآها تغادر. والأسوأ من ذلك جميع أوراقها اختفت من الفندق، حتى نسخة جواز السفر التي كانت محفوظة عند الاستقبال. وكأنها لم تدخل الفندق أصلا." قبض طوم يده بقوة، ثم اندفع يلكم الحائط بكل ما يملك من غضب. "تبا!" إذا كانت هاجر قد اختفت بإرادتها، فلماذا تمحو كل أثر يدل على وجودها؟ وإن لم يكن الأمر بإرادتها فمن الذي استطاع أن يأخذها من قلب فندق مزدحم دون أن يراه أحد؟ -------------- علم
بعد الوفض أكثر ما أزعج طوم لم يكن رفض هاجر، بل أنها لم تمنحه حتى فرصة ليتحدث. لم تستمع إليه، ولم تمنحه دقيقة واحدة ليدافع عن نفسه أو يشرح سبب قدومه. كان بإمكانها أن ترفضه بهدوء، لكن ما فعلته أمام الجميع كان صفعة لم يتلق مثلها في حياته. نهض من خلف مكتبه واتجه نحو المرآة في زاوية الغرفة. ظل يتأمل ملامحه طويلا، وكأنه يراها لأول مرة. مرر يده على شعره الأشقر، ثم ثبت نظره في عينيه المنعكستين. "ما الذي رأته في حتى تنفر مني؟" لم يجد جوابا. منذ سنوات وهو يعتاد نظرات الإعجاب أينما ذهب. كان يدرك أن وسامته تلفت الأنظار، وأن شعره الأشقر وعينيه الفاتحتين يثيران إعجاب كثير من الفتيات، خاصة المغربيات. أما ثروته فكانت كفيلة بأن تجعل أبوابا كثيرة تفتح له دون أن يطرقها. إذن لماذا هي مختلفة؟ هل لأنها لم تر فيه ما رآه الجميع؟ أم لأنها ببساطة لا تريده؟ قبض على حافة المكتب بقوة. "لالا يمكن." كانت هناك إجابة أخرى، إجابة لم تعجبه أبدا. "ربما تحب رجلا آخر." تجمد في مكانه. مجرد تخيلها وهي تبتسم لرجل غيره أشعل داخله شعورا غريبا لم يختبره من قبل. لم يكن حبا بعد، لكنه لم يكن مجرد فضول أيضا







