Share

186

last update publish date: 2026-10-26 18:18:26

ظلت إيفا تحدق في آخر رسالة أرسلتها إلى جوليان، ثم أغلقت عينيها للحظة.

كانت تعرف أن عليها التوقف عن الحديث معه. كل رسالة جديدة تعيدها إلى نقطة البداية، وكل تفسير منه يجعلها تتساءل إن كانت تظلمه أم تخدع نفسها كي لا تخسره.

لكن سؤالًا واحدًا لم يتركها منذ قرأت كلماته.

إذا كان لا يرى النساء إلا تجارب مؤقتة، فما الذي جعله يقترب منها؟

هل كان انجذابه إليها حقيقيًا؟ أم أنه أحب فكرة امرأة خجولة بدأت تثق به، وأراد أن يعرف إلى أي مدى يستطيع الوصول إليها؟

فتحت المحادثة مجددًا.

كتبت:

«أريد أن أسألك سؤالًا وا
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • رفضت ليلة معي، فصارت المرأة الوحيدة التي أريدها    226

    أعاد جوليان ترتيب الأوراق أمامه، ثم رفع عينيه نحو الطلبة الذين استقروا في مقاعدهم من جديد.كان يحاول إقناع نفسه بأن ما حدث قبل دقائق لا يستحق كل هذا الاضطراب. فتاة تشبه إيفا، لا أكثر. لقد مرّ بعشرات الوجوه خلال العامين الماضيين، وصادف أحيانًا ملامح أعادت إليه ذكريات لم يكن يريد استرجاعها، لكنه لم يفقد توازنه بسببها كما حدث اليوم.ربما لأنه لم يتوقع أن يراها هنا.أو ربما لأن جزءًا منه لم يتوقف يومًا عن انتظار مصادفة كهذه، مهما حاول إنكار ذلك.أغلق الملف الذي أمامه، وقال بصوت مهني هادئ:«حسنًا، قبل أن ننهي اللقاء، أريد أن نتعرف إلى بعضنا قليلًا. لن أطلب منكم الحديث عن أمور شخصية، يكفي أن يذكر كل واحد اسمه وتخصصه، وما الذي يتمنى الاستفادة منه خلال هذه المحاضرات.»رفع أحد الطلبة يده.«هل يجب أن نتحدث عن أنفسنا بالتفصيل، دكتور؟»ابتسم جوليان ابتسامة خفيفة.«لا، لا أريد سيرة ذاتية. اسمك وتخصصك يكفيان، ويمكنك إضافة أي شيء تراه مناسبًا.»ساد ضحك خفيف في القاعة، وخفّ التوتر الذي ظهر على بعض الوجوه.أشار جوليان إلى الطالب الجالس في الصف الأمامي.«تفضل، لنبدأ بك.»وقف الشاب، وذكر اسمه وتخصصه، ثم

  • رفضت ليلة معي، فصارت المرأة الوحيدة التي أريدها    225

    عرفته إيفا قبل أن ينطق اسمه.منذ اللحظة التي دخل فيها القاعة، كان هناك شيء في حضوره جعلها ترفع رأسها. لم تستوعب الأمر فورًا؛ فقد كان عقلها مشغولًا بالمحاضرة وبمحاولتها التكيف مع المكان الذي عادت إليه بعد سنوات من الغياب.لكن عندما التفت الرجل نحو الطلبة، ورأت ملامحه بوضوح، شعرت وكأن الهواء توقف في صدرها.جوليان.لم تكن بحاجة إلى أن تسمع اسمه من الموظفة، ولا إلى أن تقرأه على الشاشة خلفه. لم تكن بحاجة إلى صورة قديمة أو رسالة محفوظة لتتأكد. لقد عرفته من أول نظرة، كما تعرف صوتًا ظل عالقًا في الذاكرة حتى بعد أن تقرر ألا تستمع إليه مرة أخرى.كان هو.الرجل الذي دخل حياتها ذات يوم عبر شاشة صغيرة، وأصبح جزءًا من تفاصيلها اليومية قبل أن يتحول إلى أكثر ذكرياتها إيلامًا.الرجل الذي انتظرت رسائله، واعتادت أن تخبره بما لم تكن تقوله لأحد. الرجل الذي جعلها تشعر، ولو لفترة، بأن هناك من يراها ويسمعها، قبل أن تكتشف أن الشعور بالأمان لا يعني أن الشخص الذي يمنحك إياه لن يؤذيك.والآن كان يقف أمامها.في جامعتها.في القاعة التي دخلتها قبل دقائق وهي تحاول إقناع نفسها بأن عودتها يمكن أن تكون بداية هادئة، بعيدة

  • رفضت ليلة معي، فصارت المرأة الوحيدة التي أريدها    224

    حاول جوليان أن يبعد نظره عنها، لكنه لم ينجح إلا لثوانٍ قليلة.عاد إلى أوراقه، وأخذ نفسًا هادئًا، ثم نظر إلى الصفوف الأمامية كأنه يحاول استعادة تركيزه على المهمة التي جاء من أجلها. كان يعرف أن التعب والضغط قد يجعلان الذاكرة تخدع صاحبها، وأن العقل أحيانًا يربط بين ملامح أشخاص مختلفين لمجرد وجود شبه عابر.كان عليه أن يتمسك بهذا التفسير.إيفا لم تكن هنا.لم يكن هناك سبب منطقي يجعلها تجلس في هذه القاعة، في هذه الجامعة تحديدًا، في اليوم الذي قرر فيه قبول دعوة ظل يرفض مثلها لسنوات.والأهم أنه لم يرها في الواقع من قبل.كانت علاقتهما قد بدأت وانتهت خلف شاشة. عرف صوتها، وطريقتها في الكتابة، وتعبيرات وجهها خلال مكالمات الفيديو، لكنه لم يقف يومًا أمامها في مكان واحد. لم يلمس يدها، ولم يسمع صوت خطواتها وهي تقترب منه، ولم يعرف إن كانت ستبدو له كما بدت في الصور عندما تصبح المسافة بينهما بضعة أمتار فقط.لذلك، لم يكن من حقه أن يجزم.رفع رأسه مرة أخرى.كانت الفتاة تتحدث مع زميلتها بصوت منخفض، ثم أغلقت دفترها عندما لاحظت أن المحاضرة على وشك البدء. لم يكن في حركتها ما يشير إلى أنها تعرفه، أو أنها شعرت بش

  • رفضت ليلة معي، فصارت المرأة الوحيدة التي أريدها    223

    وصل جوليان إلى الجامعة قبل الموعد المحدد بعشرين دقيقة.لم يكن يحب التأخر، خصوصًا في الأماكن التي لا يعرف تفاصيلها. كان قد راجع جدول المحاضرة في الليلة السابقة، وأعد ملاحظات مختصرة حول الموضوعات التي يريد مناقشتها مع الطلبة. لم يرغب في تحويل اللقاء إلى محاضرة طبية جافة مليئة بالمصطلحات، بل أراد أن يجعل الحديث قريبًا منهم، وأن يمنحهم مساحة لفهم الضغوط التي يمرون بها من دون أن يشعروا بأنهم موضع اختبار.كان هذا ما أخبر به منسقة البرنامج عندما تحدثا عبر الهاتف.أما الحقيقة، فكانت أبسط من ذلك: أراد أن يشغل وقته بشيء مختلف.ارتدى بدلة داكنة وقميصًا أبيض، وحمل حقيبته الجلدية التي وضع فيها أوراقه وجهازه اللوحي. وعندما وصل إلى المبنى المخصص للمحاضرة، توقف للحظة أمام لوحة الإرشادات، ثم اتجه نحو الطابق الذي تقع فيه القاعة.كان الممر مزدحمًا بالطلبة. بعضهم يسير على عجل، وبعضهم يقف قرب النوافذ يتحدث، بينما جلس آخرون على المقاعد الطويلة وهم يراجعون دفاترهم. مر جوليان بينهم بهدوء، وألقى نظرة عابرة على الوجوه المحيطة به.لم يكن وجوده في الجامعة أمرًا استثنائيًا بالنسبة إلى طبيب اعتاد المشاركة في فعالي

  • رفضت ليلة معي، فصارت المرأة الوحيدة التي أريدها    222

    توقفت إيفا أمام بوابة الجامعة، وشعرت بأن خطواتها أصبحت أبطأ من دون أن تقصد.لم تكن قد نسيت شكل المكان تمامًا، لكنها لم تتوقع أن يبدو لها مختلفًا إلى هذا الحد. المباني التي كانت تمر بينها يوميًا بدت مألوفة وغريبة في الوقت نفسه، والأشجار على جانبي الممر كبرت قليلًا، أو ربما كانت هي التي تغيرت بما يكفي لتلاحظ أشياء لم تكن تنتبه إليها من قبل.كان الطلبة يدخلون في مجموعات صغيرة، بعضهم يتحدث بحماسة، وبعضهم يراجع ملاحظاته وهو يسير، وآخرون ينظرون إلى هواتفهم وهم يبحثون عن قاعاتهم. ارتفعت أصوات الضحك والمحادثات في المكان، واختلطت بخطوات متسارعة وأصوات أبواب تُفتح وتُغلق.وقفت إيفا لحظة عند البوابة، وأحكمت قبضتها على حزام حقيبتها.لقد تخيلت هذه اللحظة كثيرًا خلال الأيام الماضية. في بعض المرات، رأت نفسها تدخل بثقة، وكأن سنوات الغياب لم تكن سوى استراحة قصيرة. وفي مرات أخرى، تخيلت أنها ستشعر بالحرج، وأن الجميع سيلاحظ أنها أكبر من بعض الطلبة، أو أنها ستقف في الممرات عاجزة عن تذكر الطريق إلى قاعة المحاضرات.لكن الحقيقة لم تكن بهذه الدرامية.لم يلتفت إليها أحد على نحو خاص. لم يتوقف الطلبة عن أحاديثهم

  • رفضت ليلة معي، فصارت المرأة الوحيدة التي أريدها    221

    فتحت إيفا خزانة ملابسها، ثم بقيت أمامها للحظات من دون أن تختار شيئًا.لم تكن الخزانة مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات. الملابس مرتبة في أماكنها، وبعض القطع التي لم تعد ترتديها ما زالت معلقة في الخلف، بينما بقيت الفساتين التي كانت تفضلها في الجامعة مطوية داخل أحد الأدراج. ومع ذلك، شعرت وكأنها تقف أمام حياة قديمة لا تعرف إن كانت ما تزال تملك الحق في العودة إليها.غدًا ستذهب إلى الجامعة.كانت قد كررت الجملة في عقلها مرات كثيرة منذ إتمام إجراءات العودة، لكنها كلما اقترب موعدها الحقيقي، ازدادت التفاصيل الصغيرة أهمية. ماذا سترتدي؟ هل ستبدو غريبة بين الطلبة الأصغر سنًا؟ هل ستتمكن من متابعة المحاضرات بعد هذه السنوات؟ وهل ستستطيع الجلوس في القاعة من دون أن تشعر بأنها تأخرت كثيرًا عن الجميع؟مدت يدها نحو قميص بسيط، ثم أعادته إلى مكانه. اختارت قطعة أخرى، ونظرت إليها طويلًا قبل أن تضعها فوق السرير.لم تكن تريد أن تبالغ في الاهتمام بمظهرها، ولم تكن تريد أيضًا أن تذهب وكأنها لا تهتم بشيء. أرادت فقط أن تشعر بالراحة، أن تدخل الجامعة بثقة لا تحتاج إلى إثباتها لأحد.في النهاية، اختارت ملابس عملية وأنيقة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status