Share

كاميل - البداية

last update publish date: 2026-09-27 00:20:13

كانت كاميل مختلفة تماماً عن كل من سبقتها في حياة جوليان. فرنسية الأصل، انتقلت للعيش في المدينة منذ خمس سنوات بعد زواجها من رجل أعمال محلي ثري يكبرها بخمسة عشر عاماً. كانت تدير معرضاً صغيراً للفنون التشكيلية في الحي الراقي من المدينة، معرض بدأته كهواية أكثر منه مشروعاً تجارياً حقيقياً، وسرعان ما تحول إلى ملاذها الوحيد من حياة زوجية شكلية تفتقر إلى أي شغف حقيقي.

لم تكن كاميل تبحث عن من يفهمها كما بحثت كلير، ولا عن من يتحداها فكرياً كما فعلت صوفيا. كانت كاميل، ببساطة، امرأة تعيش الحياة بحواسها أكثر من عقلها، امرأة تؤمن أن اللحظة يجب أن تُعاش كاملة دون حسابات مؤجلة، وربما كان هذا بالضبط ما جعلها الاستثناء الأول الذي شعر معه جوليان بفضول مختلف عن المعتاد.

التقى بها في افتتاح معرضها الفني، حيث حضر بدعوة من صديق مشترك يعرف تماماً ذلك النوع من الأماكن التي يرتادها جوليان بحثاً عن فريسته التالية. لاحظها من بين الحشد وهي تتحرك بين اللوحات بثقة أنثوية طبيعية، ترتدي فستاناً أحمر لافتاً يعكس جرأة شخصيتها أكثر من أي كلمة يمكن أن تقولها.

اقترب منها أمام إحدى اللوحات التجريدية المعروضة، لوحة بألوان داكنة متشابكة تحمل عنوان "الرغبة المؤجلة".

"عنوان مثير للاهتمام لهذه القطعة،" قال بنبرة هادئة، عيناه على اللوحة قبل أن تنتقلا إليها.

التفتت نحوه بابتسامة عريضة لا تحمل أي تحفظ. "أنت تحب اللوحات، أم تحب فقط أن تبدأ حديثاً مع امرأة تقف بمفردها؟"

كانت مباشرتها مفاجئة حتى لجوليان نفسه، المعتاد على قراءة الناس بدقة قبل أن يتفوهوا بكلمة واحدة. ابتسم بإعجاب حقيقي. "ربما كلاهما معاً. لكن اللوحة فعلاً مثيرة للاهتمام."

"أنا من رسمتها،" قالت بفخر واضح غير متكلف. "معظم اللوحات هنا من أعمالي، رغم أن المعرض يعرض فنانين آخرين أيضاً."

كان هذا الاكتشاف كافياً ليغير نظرة جوليان إليها بشكل كامل. لم تعد مجرد امرأة جميلة في حفلة، بل أصبحت فنانة تعبّر بصدق عن عالمها الداخلي عبر الألوان، وهذا النوع من الصدق العاطفي المباشر كان نادراً بين النساء اللواتي اعتاد لقاءهن.

"أخبريني عن الرغبة المؤجلة،" قال وهو يشير نحو اللوحة مرة أخرى. "ما الذي يجعلها مؤجلة بالضبط؟"

نظرت إليه بتمعن، وكأنها تقيّم إن كان يستحق إجابة صادقة أم لا. "الرغبة المؤجلة هي كل شيء نريده ونمنع أنفسنا منه لأسباب نقنع أنفسنا أنها منطقية. الالتزامات، التوقعات، الخوف من كسر صورة رسمناها لأنفسنا أمام الآخرين."

"وهل ما زلت تؤجلين رغباتك أنت شخصياً؟"

ابتسمت بطريقة غامضة، ونظرت إليه مباشرة بعينين تحملان تحدياً واضحاً هذه المرة. "أقل مما تتخيل."

قضيا الساعة التالية يتجولان بين اللوحات، وكانت كاميل تشرح له كل قطعة بشغف حقيقي يظهر في نبرة صوتها وحركة يديها المعبرة، بينما كان جوليان يستمع، لكنه هذه المرة كان يستمتع فعلاً بطريقة تفكيرها الحرة، تلك الجرأة العفوية التي لم يعتد عليها كثيراً.

حين اقترب موعد إغلاق المعرض، وبدأ الحضور بالانصراف تدريجياً، وقفت كاميل قريبة منه أكثر من أي وقت مضى في تلك الأمسية.

"أظن أن معظم من حضروا الليلة أتوا لرؤية اللوحات،" قالت بابتسامة ماكرة. "لكنني أشعر أنك أتيت من أجل شيء آخر."

"وأنت؟ ماذا كنت تبحثين عنه الليلة؟"

اقتربت خطوة أخرى، حتى أصبحت المسافة بينهما ضئيلة جداً. "ربما كنت أبحث عن شخص يفهم أن بعض الرغبات لا تستحق التأجيل."

كانت يدها قد استقرت بخفة على ذراعه، لمسة عابرة في ظاهرها لكنها كانت واضحة تماماً في مقصدها الحقيقي. شعر جوليان بشيء مختلف في هذه اللحظة، ليس التوتر المحسوب الذي يصنعه عادة بمهارة مع فرائسه، بل انجذاباً أكثر عفوية، وكأن كاميل كانت تقود اللعبة بقدر ما كان هو يقودها، إن لم يكن أكثر.

"هل تودين الخروج من هنا؟" سألها أخيراً، بصوت أخفض من المعتاد.

"كنت أنتظر أن تسألني منذ نصف ساعة."

خرجا معاً من المعرض تحت أضواء المدينة الليلية، وكانت كاميل تمشي بجانبه بثقة امرأة تعرف تماماً ماذا تريد ولا تخجل من ذلك أبداً، صفة نادرة لاحظها جوليان فيها منذ اللحظة الأولى، وجعلته يتساءل، لأول مرة منذ زمن طويل، إن كانت هذه الليلة ستسير وفق قواعده المعتادة، أم أن كاميل ستكتب قواعدها الخاصة بنفسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المرأة الوحيدة التي لم يملكها    توماس - عشاء الجمعة

    وقف جوليان أمام باب توماس ثلاث دقائق كاملة قبل أن يضغط الجرس.كان يحمل في يده اليمنى علبة شوكولاتة اشتراها من ثلاثة محلات قبل أن يقتنع بها، وفي يده اليسرى دمية دب صغيرة لا يعرف لماذا اشتراها. لم يدخل بيتاً عائلياً حقيقياً، غير بيت مايا، منذ سنوات طويلة، وكان يشعر بأنه على وشك أن يقف أمام لجنة امتحان لا يعرف موادها.فتح الباب توماس بمريلة مطبخ مبقعة بالطماطم، وابتسامة عريضة لم يحاول إخفاء دهشتها. "جئت فعلاً! سارة، ادفعي لي المبلغ الذي راهنتِ به، الرجل جاء.""لم أراهن على العكس،" جاء صوت من الداخل، ثم ظهرت سارة، زوجة توماس، امرأة في مثل عمره، بشعر مجعد مربوط بمنديل وعينين ذكيتين. لم تصافحه، بل عانقته عناقاً سريعاً دافئاً كأنها تعرفه منذ الأزل، وهمست في أذنه: "شكراً لأنك جئت. هو يتحدث عنك كل أسبوع."قبل أن يجيب، انفجر الممر بصوتين صغيرين. ركضت الفتاتان التوأم، لينا وميرا، في السابعة من عمرهما، وتوقفتا أمامه بصمت مفاجئ، تتفحصانه بجدية عالمين صغيرين."أنت العم جوليان؟" سألت لينا."هذا ما يقولونه.""أبي يقول إنك طبيب للناس الحزينين.""وإنك تعرف كل الأسرار،" أضافت ميرا بعينين متسعتين.جثا جو

  • المرأة الوحيدة التي لم يملكها    توماس

    لم يكن جوليان يقبل أن يراه أحد في حالته تلك، إلا رجلاً واحداً في العالم.كان توماس يملك مفتاح شقته منذ عشرين سنة، منذ أيام السكن الجامعي حين كانا شابين يقتسمان غرفة ضيقة وأحلاماً أكبر منها. وفي مساء خميس ماطر، بعد أسابيع من ناتالي، فتح توماس الباب بمفتاحه دون أن يطرق، ووجد صديقه جالساً في العتمة على الأرض، ظهره إلى الأريكة، وأمامه زجاجة ماء لم يفتحها."ثلاثة أسابيع لم ترد فيها على مكالماتي،" قال توماس وهو يعلّق معطفه المبلل. "فقلت لنفسي: إما أنه مات، وإما أنه وقع في الحب. وكلاهما يستحق زيارة.""لا أنا ميت ولا عاشق.""طبعاً." أشعل توماس الضوء دون أن يستأذن، وأطلق صفيراً قصيراً وهو ينظر إلى وجه صديقه. "بل تبدو كمن يخوض حرباً أهلية في رأسه. اجلس يا رجل، سأصنع لنا شيئاً نأكله. وأنت ستحكي."كان توماس في الثانية والأربعين، مهندساً معمارياً ببطن صغيرة وابتسامة دافئة وخاتم زواج لا يخلعه. تزوج من حب جامعي، وله ابنتان توأم يتحدث عنهما بعينين تلمعان. كان الرجل الوحيد الذي يعرف كل شيء عن جوليان: الليالي، والأسماء، والقاعدة الحديدية. وكان الوحيد الذي لا يحكم عليه، مع أنه لم يوافقه يوماً.في المطبخ

  • المرأة الوحيدة التي لم يملكها    ناتالي - ما بعد

    مرت أيام بعد رحيل ناتالي، وظن جوليان أن الأمر انتهى كما ينتهي كل شيء في حياته. أغلق ملفها ووضعه في الأرشيف، وأحاله رسمياً إلى الدكتورة نادية بمذكرة مقتضبة، وعاد إلى مرضاه ومقالاته وجدول مواعيده الذي يملؤه بالتفاصيل كي لا تبقى فيه فجوات. حاول أن ينساها كما ينسى كل النساء، بالتقنية نفسها التي أتقنها طويلاً: أن يمنح الذاكرة عملاً كثيراً حتى لا تجد وقتاً لتؤلمه.لكن الأمر لم يكن كذلك.لأول مرة في حياته، لم يكن يتذكر امرأة لأنه فاز بها، بل لأنه لم يفعل. لم تكن هناك ليلة، ولا رحيل صامت، ولا انتصار يضيفه إلى سجله الطويل. كانت هناك فقط جملة قالتها عند الباب، وسؤال عن قاعدته لم يعرف كيف يجيب عنه، ورائحة عطر لم تفارق ذاكرته، وصوت يتردد في رأسه كلما أطفأ الأنوار: *ما الذي يبقيك مستيقظاً في الليل؟*وفي ليلة ما، اكتشف أنه هو أيضاً لا ينام. جلس على الأريكة في العتمة حتى الفجر، تماماً كما وصفت هي مطبخها، ينظر إلى السقف ويحصي أصوات المبنى: أنبوب ماء يتنهد، مصعد بعيد يصعد ويهبط، جار يسعل. لم يستطع أن يقرر إن كان ذلك مصادفة أم عدوى، وأيقن أن الفرق بين الأمرين لا يهم.في الأسبوع الثاني، وصله ظرف صغير إل

  • المرأة الوحيدة التي لم يملكها    ناتالي - الاعتراف

    وافق جوليان على جلسة أخيرة. قرر أن يكون واضحاً وحازماً، أن ينهي الأمر في لقاء رسمي داخل العيادة، مع مساعدته في الغرفة المجاورة والباب غير مغلق تماماً، كما تقتضي الأصول المهنية. قضى الليلة السابقة يعد ما سيقوله، جملة جملة، كما يعد المحامي مرافعته، وكان يعرف أن هذا الإعداد نفسه علامة على أنه لم يعد يثق بعفويته أمامها.دخلت ناتالي بلا فستان أسود ولا عطر هذه المرة. عادت إلى معطفها الرمادي وإلى وجهها الخالي من الزينة، امرأة متعبة تبدو أصغر سناً وأهش مما عرفها في الجلسات الأولى. جلست على الأريكة وأبقت حقيبتها في حجرها كدرع صغير، وظلت صامتة لحظات طويلة تنظر إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليه."أنا لست ما تظن،" قالت قبل أن يبدأ. "لن أخدعك بعد الآن. كل ما قلته وفعلته كان صحيحاً، وكان مدروساً أيضاً. قرأت عن التحويل قبل أن آتي إليك، وعرفت أي الجمل تؤثر فيك، وجربتها كلها واحدة بعد الأخرى. جئت بنية أن أختبر ما إذا كان أحد قادراً على مقاومتي.""لماذا؟" سألها بصوت هادئ، وقد وضع دفتره جانباً دون أن يشعر."لأن حياتي كلها كانت اختباراً لهذا: أن أرى إن كان أحد يبقى حين أكشف عن نفسي." نظرت إلى يديها المتشابك

  • المرأة الوحيدة التي لم يملكها    ناتالي - الاعتراف

    وافق جوليان على جلسة أخيرة. قرر أن يكون واضحاً وحازماً، أن ينهي الأمر في لقاء رسمي داخل العيادة، مع مساعدته في الغرفة المجاورة والباب غير مغلق تماماً، كما تقتضي الأصول المهنية. قضى الليلة السابقة يعد ما سيقوله، جملة جملة، كما يعد المحامي مرافعته، وكان يعرف أن هذا الإعداد نفسه علامة على أنه لم يعد يثق بعفويته أمامها.دخلت ناتالي بلا فستان أسود ولا عطر هذه المرة. عادت إلى معطفها الرمادي وإلى وجهها الخالي من الزينة، امرأة متعبة تبدو أصغر سناً وأهش مما عرفها في الجلسات الأولى. جلست على الأريكة وأبقت حقيبتها في حجرها كدرع صغير، وظلت صامتة لحظات طويلة تنظر إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليه."أنا لست ما تظن،" قالت قبل أن يبدأ. "لن أخدعك بعد الآن. كل ما قلته وفعلته كان صحيحاً، وكان مدروساً أيضاً. قرأت عن التحويل قبل أن آتي إليك، وعرفت أي الجمل تؤثر فيك، وجربتها كلها واحدة بعد الأخرى. جئت بنية أن أختبر ما إذا كان أحد قادراً على مقاومتي.""لماذا؟" سألها بصوت هادئ، وقد وضع دفتره جانباً دون أن يشعر."لأن حياتي كلها كانت اختباراً لهذا: أن أرى إن كان أحد يبقى حين أكشف عن نفسي." نظرت إلى يديها المتشابك

  • المرأة الوحيدة التي لم يملكها    ناتالي - الحصار

    حاول جوليان طوال الأسبوع التالي أن يقنع نفسه بأن كل شيء طبيعي. ألغى موعدها القادم، وطلب من مساعدته أن تخبرها أنها ستُحال قريباً إلى زميل آخر، وانغمس في جدول مزدحم من المرضى والاجتماعات والمقالات المؤجلة. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. وصلته يوم الأربعاء رسالة على هاتفه الشخصي، لا على عنوان العيادة الرسمي، وهو ما أربكه أكثر من مضمونها: "لا أطلب منك شيئاً. فقط أريد أن أخبرك أنني لم أنم منذ ثلاث ليالٍ. لا تقلق، لن أؤذي نفسي. أنا فقط أفكر." لم يعرف كيف حصلت على رقمه الشخصي ولا يعرف كيف يتعامل معها ومع ارقها الذي تحول الى هوس به . قضى نصف ساعة يحدق في الشاشة، والطبيب فيه يصرخ بأن يرد ويطمئن على مريضته، والرجل فيه يصرخ بالعكس. وفي النهاية لم يرد. في اليوم التالي، رسالة ثانية: "أعرف أنك لن ترد. هذا أيضاً جزء من احترامي لك." كانت الرسائل هادئة، خالية من أي اتهام أو ضغط ظاهر، ولذلك بالذات كانت أشد وطأة. لم تكن تهدد، ولا تتوسل، بل تترك أثراً خفيفاً في حياته يوماً بعد يوم، كقطرة ماء تسقط على حجر ببطء لا يُلاحظ. وكان جوليان، الرجل الذي فعل ذلك بعشرات النساء دون أن يشعر بشيء، يكتشف الآن معنى أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status