Home / النظام / المركز / الفصل الثاني — ما وراء النوم

Share

الفصل الثاني — ما وراء النوم

last update publish date: 2026-09-15 16:10:36

كانت غرفة العناية الخاصة هادئة إلا من صوت الأجهزة.

ضوء أبيض خافت ينساب من أعلى، ورائحة المطهرات تملأ المكان. على السرير كان حسان مستلقيًا بلا حركة، عيناه مغمضتان، وأنفاسه منتظمة تحت مراقبة الأجهزة.

كانت نادين تجلس إلى جواره منذ وقت طويل.

مدت يدها وأمسكت يده.

ظلت تنظر إلى وجهه للحظات، ثم مررت أصابعها فوق يده وقالت بصوت خافت:

— حسان...

لم يجب.

ابتسمت رغم القلق.

— إنت عارف إني هنا؟

صمت.

اقتربت أكثر.

— أنا بحبك.

توقفت، وكأنها فوجئت بنفسها وهي تقولها بصوت مسموع.

نظرت إلى الباب سريعًا، ثم عادت إليه.

— أيوه... بحبك.

ضغطت على يده.

— عارفة إن ده غلط... وعارفة إني متجوزة، وعارفة إن المفروض ما أكونش هنا أصلًا...

انكسرت ابتسامتها.

— بس أنا مش عارفة أسيبك.

مالت نحوه وقبّلت خده قبلة سريعة.

— قوم بس... وبعدها ابقى اكرهني براحتك.

ظلت يدها فوق يده.

— قوم يا حسان.

لكن حسان لم يسمعها.

أو ربما...

كان يسمع صوتًا آخر.

صوتًا أقدم بكثير.

الظلام.

ثم ضوء أصفر ضعيف.

رائحة كرتون، تبغ، عرق، وغبار.

فتح حسان عينيه.

لم يكن في غرفة العناية.

كان عمره أحد عشر عامًا.

يقف داخل مخزن صغير في منطقة حدودية، أمام الرجل الذي كان يعلّمه قواعد العالم الذي دخل إليه طفلًا.

كان الرجل يجلس أمامه، يشعل سيجارة وينظر إليه بعينين لا تعرفان الرحمة.

قال:

— اسمعني يا حسان.

ظل الصبي صامتًا.

— في الشغل ده، محدش صاحبك.

رفع الرجل إصبعه.

— النهارده ممكن أضحك معاك، وبكره أبيعك.

ثم ابتسم.

— عشان كده لازم تسبق.

لم يفهم حسان كل شيء.

لكنه فهم الجملة.

اسبق قبل ما يتغدر بيك.

نظر إلى الرجل.

كان هناك شيء يتغير داخله.

الرجل تابع:

— اللي يستنى غيره يبدأ... بيموت.

سكت.

ثم أضاف:

— فاهم؟

هز حسان رأسه.

لكن عينيه لم تكونا على الرجل.

كانتا على شيء آخر.

سكين صغيرة تُستخدم في المخزن لفتح الصناديق والكرتون.

ظل ينظر إليها.

الرجل لم ينتبه.

كانت لحظة قصيرة.

صامتة.

ثم حدث كل شيء فجأة.

تحرك حسان.

صرخ الرجل.

سقط كل شيء على الأرض.

تراجع حسان، ووجهه شاحب.

لم يكن المشهد بطوليًا.

لم يشعر بالقوة.

لم يشعر بأنه أصبح رجلًا.

شعر فقط أن العالم توقف.

نظر إلى الرجل.

لم يتحرك.

ظل حسان واقفًا في مكانه، كأن عقله يرفض الاعتراف بما حدث.

ثم رأى المال.

الحقيبة.

وأشياء أخرى كان الرجل يخفيها.

بدأت غريزة الهروب أقوى من الخوف.

جمع ما استطاع حمله.

ثم لمح السلاح.

تردد.

مد يده.

أخذه.

خرج من المخزن.

لكن قبل أن يبتعد...

سمع صوتًا خلفه.

— حسان؟

استدار.

كان رجل آخر يدخل المكان.

توقف الاثنان.

ثانية واحدة.

ثم ثانية أخرى.

الرجل نظر إلى الداخل.

ثم إلى حسان.

فهم.

ارتفع صوته.

لكن حسان لم ينتظر.

دوّى صوت الرصاصة.

ثم ساد الصمت.

تجمد حسان.

نظر خلفه.

ثم بدأ يركض.

لم يعد يعرف إلى أين.

كان كل شيء خلفه يتحول إلى شيء لا يستطيع العودة إليه.

ركض بين الظلام والرمال، والحقيبة تضرب ساقه مع كل خطوة.

كان يبكي.

يبكي بشدة.

يمسح وجهه بكم قميصه ثم يعود للبكاء.

كان يريد أن يرجع.

لكن إلى أين؟

إلى المخزن؟

إلى الرجل؟

إلى حياته القديمة؟

لم يعد هناك شيء يمكن الرجوع إليه.

مر الوقت بلا معنى.

وحين اقترب من الحدود، لمح أضواء سيارة تشق الظلام نحوه.

توقفت أنفاسه.

رفع السلاح الذي معه، ووجهه نحو السيارة.

توقفت السيارة.

فتح الباب.

نزلت فتاة.

خلفها شابان.

كانت في السادسة عشرة تقريبًا.

نظرت إلى حسان طويلًا.

ثم قالت:

— إنت بتعمل إيه هنا؟

رد بعصبية:

— مالكيش دعوة.

نظرت إلى الحقيبة، ثم إلى السلاح.

قال أحد الشابين:

— نخلص منه ونمشي.

التفتت إليه خولة.

— لأ.

— ليه؟

نظرت إلى حسان.

— لأنه ممكن ينفعنا أكتر.

ضحك الشاب بسخرية.

— ده عيل.

قالت بهدوء:

— عيل وصل لهنا لوحده.

ثم وجهت كلامها لحسان:

— اركب.

ظل مكانه.

— رايحين فين؟

— مساعد.

— وليه أركب معاكم؟

ابتسمت.

— عشان ما نسألكش إنت جاي منين.

ثم أضافت:

— وإنت ما تسألناش إحنا رايحين فين.

نظر إليها.

كانت أول مرة منذ ساعات يشعر أن أحدًا لا ينظر إليه كطفل.

ركب.

لكنهم لم يجعلوه يجلس معهم.

جلس في الخلف، بين الأمتعة، بعيدًا عنهم.

كان السلاح قريبًا منه.

لم يثق بهم.

ولم يثق بنفسه.

انطلقت السيارة.

ومن خلال الفتحة الصغيرة خلفه، ظل ينظر إلى الطريق الذي تركه.

كلما ابتعد، كان يشعر أن مصر نفسها تبتعد عنه.

ظل يراقب الظلام.

ولا يعرف إلى أين يأخذه الطريق.

سأل نفسه:

هل سأعود؟

ثم نظر إلى الحقيبة.

إلى السلاح.

إلى يديه.

وعرف الإجابة قبل أن ينطق بها.

لن يعود حسان الذي دخل هذا الطريق طفلًا.

في غرفة العناية...

تحرك إصبع حسان.

تغير إيقاع الجهاز.

رفعت نادين رأسها بسرعة.

اقتربت منه.

— حسان؟

تحرك إصبعه مرة أخرى.

نظرت إلى الشاشة.

ثم إلى وجهه.

لكن عينيه بقيتا مغلقتين.

وقفت للحظات، تنتظر.

ثم سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.

كان زوجها واقفًا في الخارج.

— نادين؟ خلصتي؟

نظرت إلى حسان مرة أخيرة.

ثم سحبت يدها ببطء.

— أيوه.

خرجت.

أغلقت الباب خلفها.

وفي الداخل...

عاد حسان إلى الظلام.

لكن هذه المرة لم يكن طفلًا.

كان هناك شيء آخر ينتظره في ذاكرته.

خولة.

والسنوات التي ستأتي بعدها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المركز    الفصل الخامس: ما وراء الاسم

    كان والد إيروهي جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة تشق طريقها بين شوارع الإسكندرية. كان ينظر من النافذة دون أن يرى شيئًا. المباني تمر أمام عينيه، والناس تعبر الشوارع، والسيارات تتزاحم، والمدينة تمارس حياتها بصورة طبيعية... لكن بالنسبة له، لم يعد هناك شيء طبيعي. كانت ابنته غائبة. والمشكلة لم تكن في الغياب وحده. إيروهي فعلت ذلك من قبل. كانت أحيانًا تقول إنها تحتاج إلى الابتعاد قليلًا، وأنها تريد أن تجلس وحدها، وأنها تبحث عن نفسها، ثم تعود بعد فترة وكأن شيئًا لم يحدث. لكن هذه المرة... كان قلبه يقول له إن الأمر مختلف. قال للسائق: — لو سمحت، عند الكنيسة في المكان الفلاني. — حاضر يا أستاذ. عاد للصمت. وضع يده في جيبه وأخرج هاتفه. فتح صورة لإيروهي. ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: — إنتِ فين يا بنتي؟ بعد فترة، كان يجلس أمام أحد القساوسة المعروفين في الإسكندرية. كان القس يستمع إليه بهدوء، دون أن يقاطعه. بدأ الأب الكلام. في البداية كان متماسكًا. ثم بدأ صوته يتغير. — أنا مش عارف أبدأ منين. قال القس: — ابدأ من أكتر حاجة مقلقاك. تنهد الرجل. — بنتي إيروهي اختفت. — اخ

  • المركز    الفصل الرابع: الاسم الذي عاد من الغياب

    كان المساء قد بدأ يهبط على القاهرة ببطء.السماء فقدت زرقتها، والمباني بدت ككتل رمادية متراصة تحت ضوء شاحب، بينما كانت الشوارع تزدحم بحركة لا تهدأ.لكن الدكتور خالد البكري لم يكن يرى شيئًا من ذلك.كان يقود سيارته في صمت، وعقله عالق عند سؤال واحد:إيروهي كانت فين؟لماذا اختفت؟ولماذا كلما حاول أن يسأل عنها، اصطدم بصمت غريب؟ثم ظهر اسم آخر في رأسه.حسان.منذ اجتماع الكلية، لم يعد الأمر بالنسبة لخالد مجرد خلاف أكاديمي.كان هناك شيء ناقص.قطعة في منتصف الصورة.وهو لا يحب الصور الناقصة.أوقف السيارة أمام الكنيسة، وظل للحظات ممسكًا بعجلة القيادة.تنفس ببطء.ثم قال لنفسه:— لازم أعرف الحقيقة.نزل من السيارة واتجه إلى الداخل.كان والد إيروهي يجلس في إحدى القاعات الجانبية.رجل تجاوز الستين، تظهر على وجهه علامات السنين، لكن أكثر ما كان واضحًا في ملامحه هو ذلك الهدوء الثقيل الذي يصاحب شخصًا اعتاد أن يخفي ألمه.طرق خالد الباب.رفع الرجل رأسه.— اتفضل.دخل خالد.— مساء الخير.— مساء النور.تردد خالد لحظة.— حضرتك والد إيروهي؟تغيرت ملامح الرجل قليلًا.— أيوه... خير؟جلس خالد أمامه.— أنا الدكتور خا

  • المركز    الفصل الثالث — الشك

    كانت نادين مستلقية بين ذراعي زوجها.الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر.كان يحتضنها، لكنها لم تكن معه بالكامل.كانت عيناها مغمضتين، وفي ذهنها صورة أخرى.حسان.وجهه الهادئ.نظارته.صوته وهو يشرح أمام الطلاب.تخيلته قريبًا منها، حتى شعرت للحظة أنها نسيت أين هي.ثم فتحت عينيها.نظرت إلى الرجل الذي بجوارها.زوجها.تغير وجهها فجأة.ابتعدت عنه ونهضت من السرير.— في إيه؟لم تجبه.وقفت أمام المرآة وأخذت نفسًا طويلًا.— مفيش حاجة... معلش، تعبانة شوية.جلس زوجها على طرف السرير.كان ينظر إليها.— تعبانة؟— آه.— من إمتى وإنتِ تعبانة؟التفتت إليه.— من النهارده.صمت.ثم قال:— من يوم ما حسان وقع؟تجمدت للحظة.— مالوش علاقة.لكن سرعة إجابتها جعلته أكثر شكًا.— أنا ما قلتش إن له علاقة.لم ترد.اقترب منها.— إنتِ بتروحي له كل يوم.— لأنه مريض.— مريض؟ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.— ولا إنتِ اللي مريضة بيه؟رفعت عينيها إليه.لم تقل شيئًا.وكان صمتها أسوأ من الإجابة.في صباح اليوم التالي، انعقد مجلس الكلية.جلس عدد من أساتذة الكلية حول الطاولة الطويلة.وفي الجهة المقابلة جلس الدكتور خالد الب

  • المركز    الفصل الثاني — ما وراء النوم

    كانت غرفة العناية الخاصة هادئة إلا من صوت الأجهزة.ضوء أبيض خافت ينساب من أعلى، ورائحة المطهرات تملأ المكان. على السرير كان حسان مستلقيًا بلا حركة، عيناه مغمضتان، وأنفاسه منتظمة تحت مراقبة الأجهزة.كانت نادين تجلس إلى جواره منذ وقت طويل.مدت يدها وأمسكت يده.ظلت تنظر إلى وجهه للحظات، ثم مررت أصابعها فوق يده وقالت بصوت خافت:— حسان...لم يجب.ابتسمت رغم القلق.— إنت عارف إني هنا؟صمت.اقتربت أكثر.— أنا بحبك.توقفت، وكأنها فوجئت بنفسها وهي تقولها بصوت مسموع.نظرت إلى الباب سريعًا، ثم عادت إليه.— أيوه... بحبك.ضغطت على يده.— عارفة إن ده غلط... وعارفة إني متجوزة، وعارفة إن المفروض ما أكونش هنا أصلًا...انكسرت ابتسامتها.— بس أنا مش عارفة أسيبك.مالت نحوه وقبّلت خده قبلة سريعة.— قوم بس... وبعدها ابقى اكرهني براحتك.ظلت يدها فوق يده.— قوم يا حسان.لكن حسان لم يسمعها.أو ربما...كان يسمع صوتًا آخر.صوتًا أقدم بكثير.الظلام.ثم ضوء أصفر ضعيف.رائحة كرتون، تبغ، عرق، وغبار.فتح حسان عينيه.لم يكن في غرفة العناية.كان عمره أحد عشر عامًا.يقف داخل مخزن صغير في منطقة حدودية، أمام الرجل الذي ك

  • المركز    الفصل الأول — الندبة

    انفتح باب غرفة العمليات ببطء.خرج حسان أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بيده، وبقي للحظة واقفًا في الممر الأبيض كأن جسده لم يدرك بعد أن العملية انتهت.كان الإرهاق واضحًا في عينيه، لكن خطواته ظلت ثابتة.اقترب منه أحد منسقي الكلية، يحمل ملفًا وهاتفًا لا يتوقف عن الاهتزاز.— دكتور حسان... اتأخرنا على المحاضرة.رفع حسان عينيه إليه.— قد إيه؟— حوالي عشرين دقيقة.تنهد حسان، ثم بدأ يخلع القفازات والغطاء الطبي والكمامة، واحدة تلو الأخرى، بحركات هادئة ومدروسة. وبعد دقائق قليلة كان قد عاد إلى صورته المعتادة؛ قميص أبيض، بنطال أسود كلاسيكي، حذاء أنيق، ونظارته ذات الإطار الرفيع.مرر يده في شعره الأسود، ثم قال:— يلا.وانطلق في الممر.كان يمشي بسرعة، فيما كانت أصوات الطلاب تتداخل حوله، وأبواب المعامل تفتح وتغلق، ورائحة المطهرات تملأ المكان.وحين وصل إلى باب المدرج، لم يدخل فورًا.وقف لحظة.نظر إلى المقاعد.ثم استقرت عيناه على مقعد في الصفوف الأمامية.مقعد بعينه.ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة... حزينة، بالكاد تُرى.ثم دخل.— آسف على التأخير.ساد الصمت.وضع حسان ملفه على المنضدة، وخلع نظارته ومسحها بطرف مندي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status