Home / النظام / المركز / الفصل الرابع: الاسم الذي عاد من الغياب

Share

الفصل الرابع: الاسم الذي عاد من الغياب

last update publish date: 2026-09-15 17:39:35

كان المساء قد بدأ يهبط على القاهرة ببطء.

السماء فقدت زرقتها، والمباني بدت ككتل رمادية متراصة تحت ضوء شاحب، بينما كانت الشوارع تزدحم بحركة لا تهدأ.

لكن الدكتور خالد البكري لم يكن يرى شيئًا من ذلك.

كان يقود سيارته في صمت، وعقله عالق عند سؤال واحد:

إيروهي كانت فين؟

لماذا اختفت؟

ولماذا كلما حاول أن يسأل عنها، اصطدم بصمت غريب؟

ثم ظهر اسم آخر في رأسه.

حسان.

منذ اجتماع الكلية، لم يعد الأمر بالنسبة لخالد مجرد خلاف أكاديمي.

كان هناك شيء ناقص.

قطعة في منتصف الصورة.

وهو لا يحب الصور الناقصة.

أوقف السيارة أمام الكنيسة، وظل للحظات ممسكًا بعجلة القيادة.

تنفس ببطء.

ثم قال لنفسه:

— لازم أعرف الحقيقة.

نزل من السيارة واتجه إلى الداخل.

كان والد إيروهي يجلس في إحدى القاعات الجانبية.

رجل تجاوز الستين، تظهر على وجهه علامات السنين، لكن أكثر ما كان واضحًا في ملامحه هو ذلك الهدوء الثقيل الذي يصاحب شخصًا اعتاد أن يخفي ألمه.

طرق خالد الباب.

رفع الرجل رأسه.

— اتفضل.

دخل خالد.

— مساء الخير.

— مساء النور.

تردد خالد لحظة.

— حضرتك والد إيروهي؟

تغيرت ملامح الرجل قليلًا.

— أيوه... خير؟

جلس خالد أمامه.

— أنا الدكتور خالد البكري، من كلية الطب.

نظر إليه الأب باستغراب.

— كلية الطب؟

— أيوه.

— وإيه علاقة كلية الطب بالموضوع؟

— أنا كنت حابب أسأل حضرتك عن إيروهي.

ساد صمت قصير.

ثم قال الأب:

— بنتي؟

— أيوه.

— مالها؟

— هي بقالها فترة مش موجودة في الجامعة.

رفع الأب حاجبه.

— مش موجودة؟

— أيوه.

— وإنت بتسألني ليه؟

— لأننا كنا زملاء في نفس المكان، واختفاؤها كان مفاجئًا.

تغيرت نبرة الأب.

— بنتي مش مختفية.

— طيب حضرتك تعرف هي فين؟

صمت الأب.

ثم قال:

— وإنت مين عشان تسألني السؤال ده؟

— أنا دكتور في الكلية.

— دكتور، وأنا أبوها.

نظر الاثنان إلى بعضهما.

قال خالد بهدوء:

— وأنا مش جاي أحقق مع حضرتك.

— أمال جاي تعمل إيه؟

— أحاول أفهم.

— تفهم إيه؟

خفض خالد صوته.

— علاقتها بحسان.

تجمدت ملامح الأب.

— حسان؟

— أيوه.

اقترب الأب خطوة.

— إنت تعرف حسان؟

— أعرفه.

— وعرفت منين إنه له علاقة ببنتي؟

— لأنهم كانوا قريبين جدًا.

— قريبين إزاي؟

— كانوا على علاقة.

تغير وجه الأب تمامًا.

— علاقة؟

— أيوه.

— إنت متأكد من اللي بتقوله؟

— للأسف... أيوه.

رفع الأب صوته:

— للأسف ليه؟

— لأن الموضوع ماكانش سرًا في الجامعة.

— يعني إيه ماكانش سرًا؟

— كانوا قريبين من بعض جدًا. وكان معروف عند ناس كتير إنهم كانوا بيتكلموا عن الجواز.

لم يتحرك الأب.

كأن الجملة أصابته في مكان لم يكن مستعدًا له.

ثم قال بصوت منخفض:

— الجواز؟

— أيوه.

— بنتي كانت هتتجوز حسان؟

— حسب اللي كان معروف عندنا، كان ده اتجاه العلاقة.

استدار الأب بعيدًا عنه.

ظل صامتًا لثوانٍ.

ثم عاد إليه.

— إنت تعرف حسان ده منين؟

— زميل.

— زميلك؟

— أيوه.

— وبتقول إنه كان عايز يتجوز بنتي؟

— ده اللي كان معروف.

جلس الأب ببطء.

وضع يده على جبينه.

ثم رفع عينيه نحو خالد.

— أنا مش فاهم.

— وأنا كمان.

— يعني إيه؟

— أنا من وقت ما بدأت أسأل عن إيروهي وأنا حاسس إن في حاجة ناقصة.

نظر إليه الأب.

— إيروهي ماقالتش لي حاجة عن حسان.

توقف خالد.

— حضرتك متأكد؟

— بنتي كانت بتتكلم معايا عن كل حاجة تقريبًا.

— تقريبًا؟

— لكن الاسم ده... لا.

سأل خالد:

— آخر مرة شفتها إمتى؟

لم يجب الأب فورًا.

قال بعد لحظة:

— من فترة.

— قد إيه؟

— مش فاكر بالضبط.

— وهل سافرت؟

— قالت إنها محتاجة تبعد شوية.

— لوحدها؟

— ماعرفش.

ظل خالد ينظر إليه.

ثم قال:

— حضرتك، أنا مش عايز أضغط عليك.

— بس إنت بتقول لي إن بنتي كانت على علاقة بشخص أنا أصلًا ماعرفوش.

— عشان كده أنا جيت.

— عشان تعرف مين حسان؟

— وعشان أعرف إيه اللي حصل لإيروهي.

نهض الأب.

وقال بحزم:

— وأنا كمان عايز أعرف.

نظر إليه خالد.

— حضرتك؟

— من اللحظة دي... أنا عايز أعرف كل حاجة عن حسان.

خرج خالد من الكنيسة، لكنه لم يشعر أنه خرج بإجابة.

على العكس.

خرج بأسئلة أكثر.

جلس في سيارته وأغلق الباب.

فتح هاتفه.

كتب اسمًا واحدًا في الملاحظات:

حسان.

ثم تحته:

مطروح.

ثم:

ليبيا.

ثم:

إيروهي.

ظل ينظر إلى الكلمات.

وبدأ الاتصال الأول.

— ألو؟

— أيوه يا دكتور خالد.

— محتاج منك خدمة.

— اتفضل.

— تعرف حد في مطروح يعرف عيلة حسان؟

— حسان مين؟

— طبيب... درس في القاهرة.

صمت الطرف الآخر لحظات.

— آه... أعتقد عارف الاسم.

— عيلته معروفة؟

— أيوه، تقريبًا.

— طيب عايز أعرف عنه حاجة.

— عنه هو؟

— أيوه.

— على حد علمي، حسان من زمان مش موجود هناك.

— يعني إيه؟

— سافر وهو صغير.

— فين؟

جاءت الإجابة:

— ليبيا.

توقف خالد عن الكتابة.

— ليبيا؟

— أيوه.

— وقعد هناك قد إيه؟

— سنين.

— وبيرجع مصر؟

— على فترات.

— فترات قد إيه؟

— على حد علمي، كان بيرجع عشان الامتحانات وبس.

— وبعدين يرجع ليبيا؟

— تقريبًا.

— والثانوية؟

— سمعت إنه أخدها من هناك.

تغيرت ملامح خالد.

— يعني قضى معظم طفولته ومراهقته بره مصر؟

— تقريبًا.

— ومحدش يعرف كان بيعمل إيه؟

ضحك الرجل ضحكة قصيرة.

— يا دكتور، هو نفسه كان قليل الكلام. محدش كان يعرف عنه حاجة.

أغلق خالد الهاتف.

جلس ساكنًا.

ثم فتح قائمة الأرقام.

واتصل بشخص آخر.

ثم ثالث.

ثم رابع.

كل اتصال كان يضيف قطعة صغيرة إلى الصورة.

لكن الغريب أن القطع لم تكن تفسر شيئًا.

كانت تجعل الصورة أكثر غموضًا.

ولد من مطروح.

سافر إلى ليبيا صغيرًا.

عاش هناك سنوات.

كان يعود فقط في فترات محدودة.

درس جزءًا من تعليمه هناك.

ثم عاد إلى مصر.

دخل كلية الطب.

أصبح طبيبًا لامعًا.

ثم ظهرت إيروهي في حياته.

ثم اختفت.

رفع خالد عينيه عن الهاتف.

وقال لنفسه:

— إنت كنت بتعمل إيه في ليبيا يا حسان؟

في مكان آخر...

وفي ملف لا علاقة ظاهرة له بالجامعة أو بإيروهي...

كانت غرفة تحقيق تابعة لجهة دولية شديدة الحراسة.

جلس ثلاثة ضباط أمام مجموعة من الصور.

على الطاولة ملف قديم.

قال أحدهم:

— الشحنة دي اتحجزت من تسع سنين.

قلب الضابط الآخر إحدى الصفحات.

— ومسجلة إنها مسيرات مجهولة المصدر.

— أيوه.

— والغريب؟

— إنها ظهرت في السوق لفترة قصيرة جدًا... وبشكل واسع.

رفع أحد الضباط صورة.

— وبعدها اختفت.

— تقريبًا.

— مين كان مصدرها؟

— لسه مجهول.

— ومين كان بيوزعها؟

— برضه مش واضح.

ظل الصمت لثوانٍ.

قال الضابط الأكبر:

— أنا مش مهتم بالشحنة نفسها بس.

نظر إليه الآخر.

— أمال؟

— مهتم بالمسار.

— مسار إيه؟

— الناس اللي ظهرت حوالينها.

فتح الملف.

— لو عرفنا مين دخل في السلسلة دي، ممكن نعرف مصدرها.

قال أحدهم:

— عندنا أسماء كثيرة.

— يبقى نبدأ بالأسماء.

— وبعضها اختفى من المشهد من سنين.

رفع الضابط عينيه.

— إذن نبحث عنهم.

أغلق الملف.

— أي معلومة صغيرة ممكن تفتح لنا الباب.

لم يكن أي منهم يعرف أن ذلك الباب سيقود، في النهاية، إلى اسم لم يرد في الملف حتى تلك اللحظة.

حسان.

في المستشفى...

كان كل شيء هادئًا.

الهدوء الذي يسبق العاصفة.

حسان مستلقٍ على السرير.

عيناه مغلقتان.

أجهزة المراقبة تعمل بإيقاع منتظم.

نبض.

تنفس.

ضغط.

كل شيء يبدو مستقرًا.

حتى دخل أحد العاملين الغرفة.

كانت هناك ورقة على الباب.

ورقة بسيطة.

عليها اسم واحد:

إيروهي.

في عالم الغيبوبة، لم يكن الاسم مجرد حروف.

كان مفتاحًا.

ومفتاحًا لباب حاول حسان أن يغلقه منذ سنوات.

فجأة...

ارتعش إصبعه.

ثم يده.

ثم انقبض جسده كله.

بدأ جهاز المراقبة في إصدار صوت أسرع.

بيب... بيب... بيب... بيب...

فتحت الممرضة عينيها.

— دكتور!

لم تمر سوى ثوانٍ حتى دخل الفريق الطبي.

— إيه اللي حصل؟

— بدأ يتشنج فجأة!

— النبض؟

— بيزيد بسرعة!

— الضغط؟

— بيتغير!

بدأ جسد حسان يهتز بعنف.

ذراعاه انقبضتا.

كتفاه تشنجا.

وجهه انشد بالكامل.

فتح فمه محاولًا الصراخ.

لكن لا شيء خرج.

مجرد صوت مكسور.

أنين.

وزفير متقطع.

كان يشعر بشيء لا يستطيع تفسيره.

كأن الكهرباء تسري في جسده كله.

من أصابع قدميه إلى صدره.

من يديه إلى عنقه.

كل عضلة كانت مشدودة.

كل خلية بداخله تصرخ.

وقلبه يضرب بسرعة مخيفة.

دقات متلاحقة.

أقرب.

أسرع.

حاول أن يفتح عينيه.

لم يستطع.

حاول أن يصرخ:

إيروهي!

لكن الصوت مات داخل حلقه.

وفي أعماق ذهنه...

كان يرى وجهًا.

وجهًا لم يره منذ سنوات.

عينين زرقاوين.

شعرًا بنيًا.

وصوتًا هادئًا يناديه:

— حسان...

اهتز جسده أكثر.

دخلت نادين مسرعة.

— حسان!

لم يرد.

— أنا هنا!

اقتربت منه.

— حسان، اسمعني.

نظر الطبيب إليها.

— نادين، ابعدي شوية.

— إيه اللي حصل؟

— تشنج مفاجئ.

— ليه؟

— مش عارفين لسه.

— هو بيسمعني؟

— مش واضح.

اقتربت منه رغم كلام الطبيب.

وضعت يدها على يده.

— حسان...

ارتعشت أصابعه.

قالت بصوت منخفض:

— أنا هنا.

خرج من فمه صوت ضعيف:

— إ... يرو...

تجمدت نادين.

— إيرو إيه؟

لم يجب.

عاد جسده للارتجاف.

صرخ أحد الأطباء:

— جهزوا المهدئ.

قالت نادين:

— حسان!

لكن عينيه ظلت مغلقتين.

كان في مكان آخر.

مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.

مكان لا توجد فيه أجهزة.

ولا أطباء.

ولا مستشفى.

فقط الماضي.

وهي.

إيروهي.

دخل الطبيب.

— خليك هادي يا حسان.

لكن حسان لم يكن يسمعه.

أُعطي المهدئ.

وبعد لحظات بدأت حركات جسده تقل.

من عنيفة...

إلى متقطعة...

ثم بطيئة...

حتى عاد إلى السكون.

استقرت أنفاسه تدريجيًا.

وظل وجهه ساكنًا.

اقتربت نادين.

كانت عيناها ممتلئتين بالخوف.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

— إنت شايف إيه هناك يا حسان؟

لم يجب.

لكن إصبعه تحرك.

حركة صغيرة جدًا.

كأنه كان يحاول الإمساك بيد شخص آخر.

شخص لم يعد موجودًا.

وفي الوقت نفسه...

كان الدكتور خالد يفتح أول ملف عن حسان.

وفي جهة أخرى، كان ضباط الإنتربول يعيدون فتح ملف شحنة عمرها تسع سنوات.

وفي الكنيسة، كان والد إيروهي يحاول للمرة الأولى أن يفهم من هو الرجل الذي ربما كان آخر شخص عرف سر ابنته.

ثلاثة أماكن.

ثلاثة أسئلة.

لكن الاسم واحد:

حسان.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المركز    الفصل الخامس: ما وراء الاسم

    كان والد إيروهي جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة تشق طريقها بين شوارع الإسكندرية. كان ينظر من النافذة دون أن يرى شيئًا. المباني تمر أمام عينيه، والناس تعبر الشوارع، والسيارات تتزاحم، والمدينة تمارس حياتها بصورة طبيعية... لكن بالنسبة له، لم يعد هناك شيء طبيعي. كانت ابنته غائبة. والمشكلة لم تكن في الغياب وحده. إيروهي فعلت ذلك من قبل. كانت أحيانًا تقول إنها تحتاج إلى الابتعاد قليلًا، وأنها تريد أن تجلس وحدها، وأنها تبحث عن نفسها، ثم تعود بعد فترة وكأن شيئًا لم يحدث. لكن هذه المرة... كان قلبه يقول له إن الأمر مختلف. قال للسائق: — لو سمحت، عند الكنيسة في المكان الفلاني. — حاضر يا أستاذ. عاد للصمت. وضع يده في جيبه وأخرج هاتفه. فتح صورة لإيروهي. ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: — إنتِ فين يا بنتي؟ بعد فترة، كان يجلس أمام أحد القساوسة المعروفين في الإسكندرية. كان القس يستمع إليه بهدوء، دون أن يقاطعه. بدأ الأب الكلام. في البداية كان متماسكًا. ثم بدأ صوته يتغير. — أنا مش عارف أبدأ منين. قال القس: — ابدأ من أكتر حاجة مقلقاك. تنهد الرجل. — بنتي إيروهي اختفت. — اخ

  • المركز    الفصل الرابع: الاسم الذي عاد من الغياب

    كان المساء قد بدأ يهبط على القاهرة ببطء.السماء فقدت زرقتها، والمباني بدت ككتل رمادية متراصة تحت ضوء شاحب، بينما كانت الشوارع تزدحم بحركة لا تهدأ.لكن الدكتور خالد البكري لم يكن يرى شيئًا من ذلك.كان يقود سيارته في صمت، وعقله عالق عند سؤال واحد:إيروهي كانت فين؟لماذا اختفت؟ولماذا كلما حاول أن يسأل عنها، اصطدم بصمت غريب؟ثم ظهر اسم آخر في رأسه.حسان.منذ اجتماع الكلية، لم يعد الأمر بالنسبة لخالد مجرد خلاف أكاديمي.كان هناك شيء ناقص.قطعة في منتصف الصورة.وهو لا يحب الصور الناقصة.أوقف السيارة أمام الكنيسة، وظل للحظات ممسكًا بعجلة القيادة.تنفس ببطء.ثم قال لنفسه:— لازم أعرف الحقيقة.نزل من السيارة واتجه إلى الداخل.كان والد إيروهي يجلس في إحدى القاعات الجانبية.رجل تجاوز الستين، تظهر على وجهه علامات السنين، لكن أكثر ما كان واضحًا في ملامحه هو ذلك الهدوء الثقيل الذي يصاحب شخصًا اعتاد أن يخفي ألمه.طرق خالد الباب.رفع الرجل رأسه.— اتفضل.دخل خالد.— مساء الخير.— مساء النور.تردد خالد لحظة.— حضرتك والد إيروهي؟تغيرت ملامح الرجل قليلًا.— أيوه... خير؟جلس خالد أمامه.— أنا الدكتور خا

  • المركز    الفصل الثالث — الشك

    كانت نادين مستلقية بين ذراعي زوجها.الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر.كان يحتضنها، لكنها لم تكن معه بالكامل.كانت عيناها مغمضتين، وفي ذهنها صورة أخرى.حسان.وجهه الهادئ.نظارته.صوته وهو يشرح أمام الطلاب.تخيلته قريبًا منها، حتى شعرت للحظة أنها نسيت أين هي.ثم فتحت عينيها.نظرت إلى الرجل الذي بجوارها.زوجها.تغير وجهها فجأة.ابتعدت عنه ونهضت من السرير.— في إيه؟لم تجبه.وقفت أمام المرآة وأخذت نفسًا طويلًا.— مفيش حاجة... معلش، تعبانة شوية.جلس زوجها على طرف السرير.كان ينظر إليها.— تعبانة؟— آه.— من إمتى وإنتِ تعبانة؟التفتت إليه.— من النهارده.صمت.ثم قال:— من يوم ما حسان وقع؟تجمدت للحظة.— مالوش علاقة.لكن سرعة إجابتها جعلته أكثر شكًا.— أنا ما قلتش إن له علاقة.لم ترد.اقترب منها.— إنتِ بتروحي له كل يوم.— لأنه مريض.— مريض؟ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.— ولا إنتِ اللي مريضة بيه؟رفعت عينيها إليه.لم تقل شيئًا.وكان صمتها أسوأ من الإجابة.في صباح اليوم التالي، انعقد مجلس الكلية.جلس عدد من أساتذة الكلية حول الطاولة الطويلة.وفي الجهة المقابلة جلس الدكتور خالد الب

  • المركز    الفصل الثاني — ما وراء النوم

    كانت غرفة العناية الخاصة هادئة إلا من صوت الأجهزة.ضوء أبيض خافت ينساب من أعلى، ورائحة المطهرات تملأ المكان. على السرير كان حسان مستلقيًا بلا حركة، عيناه مغمضتان، وأنفاسه منتظمة تحت مراقبة الأجهزة.كانت نادين تجلس إلى جواره منذ وقت طويل.مدت يدها وأمسكت يده.ظلت تنظر إلى وجهه للحظات، ثم مررت أصابعها فوق يده وقالت بصوت خافت:— حسان...لم يجب.ابتسمت رغم القلق.— إنت عارف إني هنا؟صمت.اقتربت أكثر.— أنا بحبك.توقفت، وكأنها فوجئت بنفسها وهي تقولها بصوت مسموع.نظرت إلى الباب سريعًا، ثم عادت إليه.— أيوه... بحبك.ضغطت على يده.— عارفة إن ده غلط... وعارفة إني متجوزة، وعارفة إن المفروض ما أكونش هنا أصلًا...انكسرت ابتسامتها.— بس أنا مش عارفة أسيبك.مالت نحوه وقبّلت خده قبلة سريعة.— قوم بس... وبعدها ابقى اكرهني براحتك.ظلت يدها فوق يده.— قوم يا حسان.لكن حسان لم يسمعها.أو ربما...كان يسمع صوتًا آخر.صوتًا أقدم بكثير.الظلام.ثم ضوء أصفر ضعيف.رائحة كرتون، تبغ، عرق، وغبار.فتح حسان عينيه.لم يكن في غرفة العناية.كان عمره أحد عشر عامًا.يقف داخل مخزن صغير في منطقة حدودية، أمام الرجل الذي ك

  • المركز    الفصل الأول — الندبة

    انفتح باب غرفة العمليات ببطء.خرج حسان أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بيده، وبقي للحظة واقفًا في الممر الأبيض كأن جسده لم يدرك بعد أن العملية انتهت.كان الإرهاق واضحًا في عينيه، لكن خطواته ظلت ثابتة.اقترب منه أحد منسقي الكلية، يحمل ملفًا وهاتفًا لا يتوقف عن الاهتزاز.— دكتور حسان... اتأخرنا على المحاضرة.رفع حسان عينيه إليه.— قد إيه؟— حوالي عشرين دقيقة.تنهد حسان، ثم بدأ يخلع القفازات والغطاء الطبي والكمامة، واحدة تلو الأخرى، بحركات هادئة ومدروسة. وبعد دقائق قليلة كان قد عاد إلى صورته المعتادة؛ قميص أبيض، بنطال أسود كلاسيكي، حذاء أنيق، ونظارته ذات الإطار الرفيع.مرر يده في شعره الأسود، ثم قال:— يلا.وانطلق في الممر.كان يمشي بسرعة، فيما كانت أصوات الطلاب تتداخل حوله، وأبواب المعامل تفتح وتغلق، ورائحة المطهرات تملأ المكان.وحين وصل إلى باب المدرج، لم يدخل فورًا.وقف لحظة.نظر إلى المقاعد.ثم استقرت عيناه على مقعد في الصفوف الأمامية.مقعد بعينه.ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة... حزينة، بالكاد تُرى.ثم دخل.— آسف على التأخير.ساد الصمت.وضع حسان ملفه على المنضدة، وخلع نظارته ومسحها بطرف مندي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status