Home / النظام / المركز / الفصل الخامس: ما وراء الاسم

Share

الفصل الخامس: ما وراء الاسم

last update publish date: 2026-09-15 22:21:36

كان والد إيروهي جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة تشق طريقها بين شوارع الإسكندرية.

كان ينظر من النافذة دون أن يرى شيئًا.

المباني تمر أمام عينيه، والناس تعبر الشوارع، والسيارات تتزاحم، والمدينة تمارس حياتها بصورة طبيعية...

لكن بالنسبة له، لم يعد هناك شيء طبيعي.

كانت ابنته غائبة.

والمشكلة لم تكن في الغياب وحده.

إيروهي فعلت ذلك من قبل.

كانت أحيانًا تقول إنها تحتاج إلى الابتعاد قليلًا، وأنها تريد أن تجلس وحدها، وأنها تبحث عن نفسها، ثم تعود بعد فترة وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن هذه المرة...

كان قلبه يقول له إن الأمر مختلف.

قال للسائق:

— لو سمحت، عند الكنيسة في المكان الفلاني.

— حاضر يا أستاذ.

عاد للصمت.

وضع يده في جيبه وأخرج هاتفه.

فتح صورة لإيروهي.

ظل ينظر إليها.

ثم قال بصوت منخفض:

— إنتِ فين يا بنتي؟

بعد فترة، كان يجلس أمام أحد القساوسة المعروفين في الإسكندرية.

كان القس يستمع إليه بهدوء، دون أن يقاطعه.

بدأ الأب الكلام.

في البداية كان متماسكًا.

ثم بدأ صوته يتغير.

— أنا مش عارف أبدأ منين.

قال القس:

— ابدأ من أكتر حاجة مقلقاك.

تنهد الرجل.

— بنتي إيروهي اختفت.

— اختفت إزاي؟

— هي مش أول مرة تعمل كده.

رفع القس حاجبه.

— يعني؟

— كانت أوقات بتقول لي إنها محتاجة تبعد شوية... تدور على نفسها... تقعد لوحدها.

— وترجع؟

— أيوه.

— والمرة دي؟

سكت الأب.

ثم قال:

— المرة دي إحساسي مختلف.

— ليه؟

— مش عارف.

— إحساسك الأبوي؟

— يمكن.

ثم أضاف:

— بس أنا خايف يكون حصل لها حاجة.

صمت القس قليلًا.

— هل قالت لك إنها مسافرة؟

— لأ.

— هل تركت رسالة؟

— لا.

— هل كان فيه شخص قريب منها؟

رفع الأب عينيه.

— أيوه.

— مين؟

قال الأب:

— حسان.

قطب القس حاجبيه.

— حسان مين؟

أخرج الأب هاتفه.

— ده الاسم اللي عرفته عنه: حسان أبو زيد عدلي الخميس.

كتب القس الاسم.

ثم قال:

— تعرف عنه إيه؟

— قليل جدًا.

— قول لي كل اللي تعرفه.

بدأ الأب يستعيد ما جمعه من معلومات.

— من مطروح.

— فين بالضبط؟

— أهله ساكنين في مكان اسمه نجع الأفراد، في محافظة مطروح.

— وأسرته؟

— كبيرة.

— قد إيه؟

— عشرة إخوة، حسب اللي قدرت أوصله.

صمت لحظة، ثم قال:

— وأبوه، على ما فهمت، كان من النوع اللي يقول لابنه: لما تشد عودك... اعتمد على نفسك.

ابتسم القس ابتسامة صغيرة.

— ويبدو إنه اعتمد على نفسه فعلًا.

لكن الأب لم يبتسم.

— زيادة عن اللزوم.

نظر إليه القس.

— إزاي؟

— الولد من وهو صغير كان بعيد عن البيت. وأنا مش لاقي معلومات كفاية عن الفترة دي.

— وده اللي مقلقك؟

— ده جزء من الموضوع.

— والباقي؟

قال الأب:

— إن حسان موجود دلوقتي في غيبوبة.

تغير وجه القس.

— غيبوبة؟

— في مستشفى الجلاء.

— وإنت عرفت ده منين؟

— من الجامعة.

ثم أضاف:

— وأنا محتاج أعرف مين هو الشخص ده قبل ما أعرف إيروهي راحت فين.

أمسك القس القلم.

— وإنت عايز مني إيه؟

— عايزك تتواصل مع حد في مطروح.

— تعرف حد هناك؟

— أنا أعرف إن ليك معارف كتير.

ابتسم القس:

— يعني عايزني أستخدم معارفي.

— أيوه.

— عشان نعرف عن حسان؟

— بالضبط.

ثم اقترب الأب قليلًا.

— أنا مش عايز أظلمه.

— وأنا فاهم.

— بس عايز أعرف الحقيقة.

وضع القس القلم جانبًا.

— حاضر.

رفع الأب عينيه.

— هتساعدني؟

— هحاول أوصلك بالمعلومة اللي تقدر تطمنك.

— أنا مش عايز تطمين.

سكت القس.

قال الأب:

— أنا عايز الحقيقة.

وفي مكان آخر...

كان حسان نائمًا.

لكن عقله لم يكن يعرف النوم.

ثلاثة أعوام مرت داخل ذاكرته كأنها ومضات.

ثلاثة أعوام من الطرق البعيدة.

من الخوف.

من الخيانة.

ومن تعلم القاعدة التي وضعها الرجل القديم في رأسه:

لا تنتظر أن يغدر بك أحد... إذا كنت تستطيع أن تسبقه.

كان عمره اثني عشر عامًا.

وكانت خولة قد أصبحت الشخص الأقرب إليه في ذلك العالم الغريب.

كانوا يعيشون وسط رجال لا يثقون بأحد.

علي.

وبسام.

رجلان لم يعجبهم وجود حسان.

ولم يعجبهم أكثر أن خولة هي التي احتفظت به إلى جوارها.

في إحدى الليالي...

كان المكان غارقًا في السكون.

الجميع نائم.

خولة في ناحية.

علي وبسام في ناحية أخرى.

أما حسان...

فكان مستيقظًا.

فتح عينيه.

نظر إلى الرجلين.

ثم نظر إلى خولة.

تذكر الكلمات القديمة.

اغدر قبل أن يُغدر بك.

نهض.

وبعد لحظات...

كان كل شيء قد انتهى.

لم تكن هناك بطولة.

ولا صرخة انتصار.

فقط لحظة باردة، قاسية، تركت أثرها في الطفل إلى الأبد.

استيقظت خولة على صوت الحركة.

فتحت عينيها.

ثم تجمدت.

— حسان...

لم يرد.

نظرت أمامها.

ثم عادت تنظر إليه.

— إنت عملت إيه؟

ظل واقفًا.

قالت بصوت مرتجف:

— حسان!

رفع عينيه إليها.

وكان وجهه هادئًا بصورة أخافتها أكثر من أي شيء آخر.

قال:

— صَحيتِ؟

— إنت... إنت قتلتهم؟

صمت.

— رد عليا!

قال بهدوء:

— كانوا هيغدروا بينا.

— مين قالك؟

— سمعتهم.

— إمتى؟

— قبل ما يناموا.

اقتربت منه خطوة.

— وإنت كنت مستني؟

— أيوه.

— ليه؟

نظر إليها.

— عشان صَحيت قبليهم.

لم تفهم.

قالت:

— أنا مش فاهمة إنت بتقول إيه.

أجاب:

— الراجل اللي رباني قال لي حاجة.

— إيه؟

— قال لي لازم أغدر قبل ما حد يغدر بيا.

نظرت إليه بخوف.

— وإنت صدقت كلامه؟

— لحد دلوقتي... أيوه.

ثم نظر إلى الرجلين.

وأضاف:

— وده درس ليكي كمان.

ارتعشت خولة.

— درس؟

— لو حاولتي تغدري بيا...

سكت لحظة.

ثم قال ببرود:

— هتحصلك نفس النهاية.

لم تعرف خولة ماذا تقول.

كان أمامها طفل في الخامسة عشرة.

لكن عينيه لم تكونا عيني طفل.

كانت عينا شخص اضطر أن يكبر قبل أوانه.

كانت خولة ترتدي ملابس نوم بسيطة، وقد ألقت فوقها قطعة قماش خفيفة بعد أن استيقظت على الصوت.

أما حسان فكان يرتدي ملابس بسيطة داكنة، وقد بدا عليه التعب أكثر من القوة.

نظر إليها لحظات.

ثم قال بنبرة ساخرة:

— إنتِ لسه واقفة؟

لم تجب.

— مش خايفة؟

قالت:

— منك؟

ابتسم ابتسامة صغيرة بلا دفء.

— المفروض.

كانت الجملة وحدها كافية لتزيد اضطرابها.

ثم تركها ومضى.

ذهبت خولة إلى مكان آخر، وجلست وحدها، تحاول أن تستوعب ما حدث.

أما حسان...

فبدأ يتعامل مع آثار ما حدث بصمت.

كان يعرف أن ما فعله لن يختفي.

حتى لو اختفت الأجساد.

حتى لو غُطي المكان بالتراب.

الذاكرة لا تُدفن.

مرت ثلاث سنوات أخرى.

ثلاث سنوات تغير فيها كل شيء.

لم يعد الطفل الذي خرج من مصر منذ سنوات.

أصبح حسان في السادسة عشرة.

وخولة أصبحت ترى أمامها شخصًا مختلفًا تمامًا.

تنقلات.

مدن.

حدود.

رحلات طويلة.

من تونس إلى المغرب، ثم العودة، وحياة كاملة قائمة على الهروب والحذر.

كانت خولة تراقب كيف أصبح ذلك الصبي الذي رأته يومًا ضائعًا...

أكثر قدرة على فهم العالم من رجال أكبر منه بعشرات السنين.

وفي إحدى الليالي، كان الاثنان يستريحان بعد يوم طويل.

كان حسان نائمًا، وقد بدا عليه الإرهاق.

جلست خولة إلى جواره، تنظر إليه في صمت.

ثم قالت لنفسها:

— سبحان الله...

نظرت إلى وجهه.

وتذكرت أول مرة رأته فيها.

طفلًا صغيرًا تائهًا.

مرعوبًا.

ثم قالت بابتسامة حزينة:

— أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن الولد اللي لقيته من كام سنة تايه في الصحراء... بقى بالشكل ده.

لم يجب.

كان نائمًا.

وضعت يدها على شعره في حركة عفوية، ثم سحبتها.

وقالت:

— إنت ضيعت طفولتك يا حسان.

ظل نائمًا.

ولم تعرف أن السنوات التي عاشها ستترك داخله شيئًا لن يستطيع الهروب منه حتى بعد عشرات السنين.

في القاهرة...

كان الدكتور خالد يجلس أمام ضابط يعرفه منذ سنوات.

وضع خالد ملفًا على الطاولة.

— عايز أسألك عن شخص.

فتح الضابط الملف.

— مين؟

— حسان أبو زيد عدلي الخميس.

رفع الضابط عينيه.

— الاسم مش مألوف.

— عشان كده أنا بسأل.

فتح خالد بعض الأوراق.

— حاولت أوصل لأي ملف عنه هنا، لكن المعلومات قليلة جدًا.

— طبيب؟

— أيوه.

— وإيه مشكلته؟

سكت خالد لحظة.

ثم قال:

— إيروهي.

تغير وجه الضابط قليلًا.

— إيروهي؟

— بنت كانت مرتبطة بيه في الجامعة.

— وإنت شاكك فيه؟

— أنا شايف إن في حاجة ناقصة.

— ناقصة إزاي؟

قال خالد:

— الراجل ده عاش جزء كبير من حياته خارج مصر، وخصوصًا ليبيا.

نظر الضابط إلى الملف.

— عندك دليل على حاجة؟

— لأ.

— يبقى لسه مجرد شك.

— عارف.

ثم قال خالد:

— بس الواد ده مش طبيعي.

رفع الضابط عينيه.

— قصدك إيه؟

— مش قصدي مرض نفسي.

— أمال؟

— قصدي إن تاريخه مش متناسق مع الشخص اللي قدامنا دلوقتي.

سكت الضابط.

قال خالد:

— طبيب عبقري، سيرة أكاديمية ممتازة، وفي نفس الوقت طفولة ومراهقة فيها فجوات كبيرة.

ثم أضاف:

— وأنا عايز أعرف كان بيعمل إيه هناك.

الضابط أغلق الملف.

— هحاول أساعدك في حدود اللي أقدر عليه.

— أنا مش عايز أتهمه.

— كويس.

— أنا عايز أعرفه.

وفي بيت أهلها...

كانت نادين تجلس وحدها.

لم تكن قد تطلقت.

ولم يكن زواجها قد انتهى رسميًا.

لكنها تركت بيت زوجها مؤقتًا.

قالت لأهلها إنها محتاجة تهدأ.

تحتاج أن تفكر.

تحتاج أن تستعيد نفسها.

لكن الحقيقة أنها لم تكن تستطيع أن تفكر في شيء آخر.

حسان.

كل يوم تقريبًا كانت تذهب إلى المستشفى.

تجلس بجواره.

تراقب وجهه.

تراقب يده.

تراقب الأجهزة.

وفي ذلك المساء، دخلت غرفته كعادتها.

جلست إلى جواره.

كان نائمًا.

قالت:

— أنا جيت.

لم يجب.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— عارف؟ أنا بقيت بكلمك وإنت نايم.

وضعت يدها على يده.

— يمكن الناس تفتكرني مجنونة.

صمتت.

ثم قالت:

— بس أنا اكتشفت حاجة.

اقتربت أكثر.

— اكتشفت إني مش عارفة أعيش من غيرك.

سكتت طويلًا.

ثم انخفض صوتها:

— أنا حاولت.

— حاولت أبعد.

— حاولت أقول لنفسي إن اللي بينا غلط.

— وإن عندي بيت.

— وإن عندي جوز.

نظرت إليه.

— بس كل ما أبعد... برجع لك.

أغمضت عينيها.

ثم قالت:

— أنا مش عارفة النهاية هتكون إيه.

فتحت عينيها من جديد.

— بس عارفة حاجة واحدة.

وضعت يدها على صدرها.

— أنا بحبك يا حسان.

ثم نظرت إلى وجهه طويلًا.

— ويمكن لأول مرة في حياتي... أنا مستعدة أواجه الحقيقة.

ساد الصمت.

الأجهزة واصلت عملها.

نبض منتظم.

أنفاس هادئة.

وحسان لا يزال غارقًا في غيبوبته.

لكن في مكان ما داخل عقله...

كانت أبواب الماضي قد بدأت تُفتح واحدًا تلو الآخر.

وكان القادم أخطر من كل ما عرفه حتى الآن.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المركز    الفصل الخامس: ما وراء الاسم

    كان والد إيروهي جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة تشق طريقها بين شوارع الإسكندرية. كان ينظر من النافذة دون أن يرى شيئًا. المباني تمر أمام عينيه، والناس تعبر الشوارع، والسيارات تتزاحم، والمدينة تمارس حياتها بصورة طبيعية... لكن بالنسبة له، لم يعد هناك شيء طبيعي. كانت ابنته غائبة. والمشكلة لم تكن في الغياب وحده. إيروهي فعلت ذلك من قبل. كانت أحيانًا تقول إنها تحتاج إلى الابتعاد قليلًا، وأنها تريد أن تجلس وحدها، وأنها تبحث عن نفسها، ثم تعود بعد فترة وكأن شيئًا لم يحدث. لكن هذه المرة... كان قلبه يقول له إن الأمر مختلف. قال للسائق: — لو سمحت، عند الكنيسة في المكان الفلاني. — حاضر يا أستاذ. عاد للصمت. وضع يده في جيبه وأخرج هاتفه. فتح صورة لإيروهي. ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: — إنتِ فين يا بنتي؟ بعد فترة، كان يجلس أمام أحد القساوسة المعروفين في الإسكندرية. كان القس يستمع إليه بهدوء، دون أن يقاطعه. بدأ الأب الكلام. في البداية كان متماسكًا. ثم بدأ صوته يتغير. — أنا مش عارف أبدأ منين. قال القس: — ابدأ من أكتر حاجة مقلقاك. تنهد الرجل. — بنتي إيروهي اختفت. — اخ

  • المركز    الفصل الرابع: الاسم الذي عاد من الغياب

    كان المساء قد بدأ يهبط على القاهرة ببطء.السماء فقدت زرقتها، والمباني بدت ككتل رمادية متراصة تحت ضوء شاحب، بينما كانت الشوارع تزدحم بحركة لا تهدأ.لكن الدكتور خالد البكري لم يكن يرى شيئًا من ذلك.كان يقود سيارته في صمت، وعقله عالق عند سؤال واحد:إيروهي كانت فين؟لماذا اختفت؟ولماذا كلما حاول أن يسأل عنها، اصطدم بصمت غريب؟ثم ظهر اسم آخر في رأسه.حسان.منذ اجتماع الكلية، لم يعد الأمر بالنسبة لخالد مجرد خلاف أكاديمي.كان هناك شيء ناقص.قطعة في منتصف الصورة.وهو لا يحب الصور الناقصة.أوقف السيارة أمام الكنيسة، وظل للحظات ممسكًا بعجلة القيادة.تنفس ببطء.ثم قال لنفسه:— لازم أعرف الحقيقة.نزل من السيارة واتجه إلى الداخل.كان والد إيروهي يجلس في إحدى القاعات الجانبية.رجل تجاوز الستين، تظهر على وجهه علامات السنين، لكن أكثر ما كان واضحًا في ملامحه هو ذلك الهدوء الثقيل الذي يصاحب شخصًا اعتاد أن يخفي ألمه.طرق خالد الباب.رفع الرجل رأسه.— اتفضل.دخل خالد.— مساء الخير.— مساء النور.تردد خالد لحظة.— حضرتك والد إيروهي؟تغيرت ملامح الرجل قليلًا.— أيوه... خير؟جلس خالد أمامه.— أنا الدكتور خا

  • المركز    الفصل الثالث — الشك

    كانت نادين مستلقية بين ذراعي زوجها.الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر.كان يحتضنها، لكنها لم تكن معه بالكامل.كانت عيناها مغمضتين، وفي ذهنها صورة أخرى.حسان.وجهه الهادئ.نظارته.صوته وهو يشرح أمام الطلاب.تخيلته قريبًا منها، حتى شعرت للحظة أنها نسيت أين هي.ثم فتحت عينيها.نظرت إلى الرجل الذي بجوارها.زوجها.تغير وجهها فجأة.ابتعدت عنه ونهضت من السرير.— في إيه؟لم تجبه.وقفت أمام المرآة وأخذت نفسًا طويلًا.— مفيش حاجة... معلش، تعبانة شوية.جلس زوجها على طرف السرير.كان ينظر إليها.— تعبانة؟— آه.— من إمتى وإنتِ تعبانة؟التفتت إليه.— من النهارده.صمت.ثم قال:— من يوم ما حسان وقع؟تجمدت للحظة.— مالوش علاقة.لكن سرعة إجابتها جعلته أكثر شكًا.— أنا ما قلتش إن له علاقة.لم ترد.اقترب منها.— إنتِ بتروحي له كل يوم.— لأنه مريض.— مريض؟ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.— ولا إنتِ اللي مريضة بيه؟رفعت عينيها إليه.لم تقل شيئًا.وكان صمتها أسوأ من الإجابة.في صباح اليوم التالي، انعقد مجلس الكلية.جلس عدد من أساتذة الكلية حول الطاولة الطويلة.وفي الجهة المقابلة جلس الدكتور خالد الب

  • المركز    الفصل الثاني — ما وراء النوم

    كانت غرفة العناية الخاصة هادئة إلا من صوت الأجهزة.ضوء أبيض خافت ينساب من أعلى، ورائحة المطهرات تملأ المكان. على السرير كان حسان مستلقيًا بلا حركة، عيناه مغمضتان، وأنفاسه منتظمة تحت مراقبة الأجهزة.كانت نادين تجلس إلى جواره منذ وقت طويل.مدت يدها وأمسكت يده.ظلت تنظر إلى وجهه للحظات، ثم مررت أصابعها فوق يده وقالت بصوت خافت:— حسان...لم يجب.ابتسمت رغم القلق.— إنت عارف إني هنا؟صمت.اقتربت أكثر.— أنا بحبك.توقفت، وكأنها فوجئت بنفسها وهي تقولها بصوت مسموع.نظرت إلى الباب سريعًا، ثم عادت إليه.— أيوه... بحبك.ضغطت على يده.— عارفة إن ده غلط... وعارفة إني متجوزة، وعارفة إن المفروض ما أكونش هنا أصلًا...انكسرت ابتسامتها.— بس أنا مش عارفة أسيبك.مالت نحوه وقبّلت خده قبلة سريعة.— قوم بس... وبعدها ابقى اكرهني براحتك.ظلت يدها فوق يده.— قوم يا حسان.لكن حسان لم يسمعها.أو ربما...كان يسمع صوتًا آخر.صوتًا أقدم بكثير.الظلام.ثم ضوء أصفر ضعيف.رائحة كرتون، تبغ، عرق، وغبار.فتح حسان عينيه.لم يكن في غرفة العناية.كان عمره أحد عشر عامًا.يقف داخل مخزن صغير في منطقة حدودية، أمام الرجل الذي ك

  • المركز    الفصل الأول — الندبة

    انفتح باب غرفة العمليات ببطء.خرج حسان أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بيده، وبقي للحظة واقفًا في الممر الأبيض كأن جسده لم يدرك بعد أن العملية انتهت.كان الإرهاق واضحًا في عينيه، لكن خطواته ظلت ثابتة.اقترب منه أحد منسقي الكلية، يحمل ملفًا وهاتفًا لا يتوقف عن الاهتزاز.— دكتور حسان... اتأخرنا على المحاضرة.رفع حسان عينيه إليه.— قد إيه؟— حوالي عشرين دقيقة.تنهد حسان، ثم بدأ يخلع القفازات والغطاء الطبي والكمامة، واحدة تلو الأخرى، بحركات هادئة ومدروسة. وبعد دقائق قليلة كان قد عاد إلى صورته المعتادة؛ قميص أبيض، بنطال أسود كلاسيكي، حذاء أنيق، ونظارته ذات الإطار الرفيع.مرر يده في شعره الأسود، ثم قال:— يلا.وانطلق في الممر.كان يمشي بسرعة، فيما كانت أصوات الطلاب تتداخل حوله، وأبواب المعامل تفتح وتغلق، ورائحة المطهرات تملأ المكان.وحين وصل إلى باب المدرج، لم يدخل فورًا.وقف لحظة.نظر إلى المقاعد.ثم استقرت عيناه على مقعد في الصفوف الأمامية.مقعد بعينه.ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة... حزينة، بالكاد تُرى.ثم دخل.— آسف على التأخير.ساد الصمت.وضع حسان ملفه على المنضدة، وخلع نظارته ومسحها بطرف مندي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status