LOGIN
كان والد إيروهي جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة تشق طريقها بين شوارع الإسكندرية. كان ينظر من النافذة دون أن يرى شيئًا. المباني تمر أمام عينيه، والناس تعبر الشوارع، والسيارات تتزاحم، والمدينة تمارس حياتها بصورة طبيعية... لكن بالنسبة له، لم يعد هناك شيء طبيعي. كانت ابنته غائبة. والمشكلة لم تكن في الغياب وحده. إيروهي فعلت ذلك من قبل. كانت أحيانًا تقول إنها تحتاج إلى الابتعاد قليلًا، وأنها تريد أن تجلس وحدها، وأنها تبحث عن نفسها، ثم تعود بعد فترة وكأن شيئًا لم يحدث. لكن هذه المرة... كان قلبه يقول له إن الأمر مختلف. قال للسائق: — لو سمحت، عند الكنيسة في المكان الفلاني. — حاضر يا أستاذ. عاد للصمت. وضع يده في جيبه وأخرج هاتفه. فتح صورة لإيروهي. ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: — إنتِ فين يا بنتي؟ بعد فترة، كان يجلس أمام أحد القساوسة المعروفين في الإسكندرية. كان القس يستمع إليه بهدوء، دون أن يقاطعه. بدأ الأب الكلام. في البداية كان متماسكًا. ثم بدأ صوته يتغير. — أنا مش عارف أبدأ منين. قال القس: — ابدأ من أكتر حاجة مقلقاك. تنهد الرجل. — بنتي إيروهي اختفت. — اخ
كان المساء قد بدأ يهبط على القاهرة ببطء.السماء فقدت زرقتها، والمباني بدت ككتل رمادية متراصة تحت ضوء شاحب، بينما كانت الشوارع تزدحم بحركة لا تهدأ.لكن الدكتور خالد البكري لم يكن يرى شيئًا من ذلك.كان يقود سيارته في صمت، وعقله عالق عند سؤال واحد:إيروهي كانت فين؟لماذا اختفت؟ولماذا كلما حاول أن يسأل عنها، اصطدم بصمت غريب؟ثم ظهر اسم آخر في رأسه.حسان.منذ اجتماع الكلية، لم يعد الأمر بالنسبة لخالد مجرد خلاف أكاديمي.كان هناك شيء ناقص.قطعة في منتصف الصورة.وهو لا يحب الصور الناقصة.أوقف السيارة أمام الكنيسة، وظل للحظات ممسكًا بعجلة القيادة.تنفس ببطء.ثم قال لنفسه:— لازم أعرف الحقيقة.نزل من السيارة واتجه إلى الداخل.كان والد إيروهي يجلس في إحدى القاعات الجانبية.رجل تجاوز الستين، تظهر على وجهه علامات السنين، لكن أكثر ما كان واضحًا في ملامحه هو ذلك الهدوء الثقيل الذي يصاحب شخصًا اعتاد أن يخفي ألمه.طرق خالد الباب.رفع الرجل رأسه.— اتفضل.دخل خالد.— مساء الخير.— مساء النور.تردد خالد لحظة.— حضرتك والد إيروهي؟تغيرت ملامح الرجل قليلًا.— أيوه... خير؟جلس خالد أمامه.— أنا الدكتور خا
كانت نادين مستلقية بين ذراعي زوجها.الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر.كان يحتضنها، لكنها لم تكن معه بالكامل.كانت عيناها مغمضتين، وفي ذهنها صورة أخرى.حسان.وجهه الهادئ.نظارته.صوته وهو يشرح أمام الطلاب.تخيلته قريبًا منها، حتى شعرت للحظة أنها نسيت أين هي.ثم فتحت عينيها.نظرت إلى الرجل الذي بجوارها.زوجها.تغير وجهها فجأة.ابتعدت عنه ونهضت من السرير.— في إيه؟لم تجبه.وقفت أمام المرآة وأخذت نفسًا طويلًا.— مفيش حاجة... معلش، تعبانة شوية.جلس زوجها على طرف السرير.كان ينظر إليها.— تعبانة؟— آه.— من إمتى وإنتِ تعبانة؟التفتت إليه.— من النهارده.صمت.ثم قال:— من يوم ما حسان وقع؟تجمدت للحظة.— مالوش علاقة.لكن سرعة إجابتها جعلته أكثر شكًا.— أنا ما قلتش إن له علاقة.لم ترد.اقترب منها.— إنتِ بتروحي له كل يوم.— لأنه مريض.— مريض؟ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.— ولا إنتِ اللي مريضة بيه؟رفعت عينيها إليه.لم تقل شيئًا.وكان صمتها أسوأ من الإجابة.في صباح اليوم التالي، انعقد مجلس الكلية.جلس عدد من أساتذة الكلية حول الطاولة الطويلة.وفي الجهة المقابلة جلس الدكتور خالد الب
كانت غرفة العناية الخاصة هادئة إلا من صوت الأجهزة.ضوء أبيض خافت ينساب من أعلى، ورائحة المطهرات تملأ المكان. على السرير كان حسان مستلقيًا بلا حركة، عيناه مغمضتان، وأنفاسه منتظمة تحت مراقبة الأجهزة.كانت نادين تجلس إلى جواره منذ وقت طويل.مدت يدها وأمسكت يده.ظلت تنظر إلى وجهه للحظات، ثم مررت أصابعها فوق يده وقالت بصوت خافت:— حسان...لم يجب.ابتسمت رغم القلق.— إنت عارف إني هنا؟صمت.اقتربت أكثر.— أنا بحبك.توقفت، وكأنها فوجئت بنفسها وهي تقولها بصوت مسموع.نظرت إلى الباب سريعًا، ثم عادت إليه.— أيوه... بحبك.ضغطت على يده.— عارفة إن ده غلط... وعارفة إني متجوزة، وعارفة إن المفروض ما أكونش هنا أصلًا...انكسرت ابتسامتها.— بس أنا مش عارفة أسيبك.مالت نحوه وقبّلت خده قبلة سريعة.— قوم بس... وبعدها ابقى اكرهني براحتك.ظلت يدها فوق يده.— قوم يا حسان.لكن حسان لم يسمعها.أو ربما...كان يسمع صوتًا آخر.صوتًا أقدم بكثير.الظلام.ثم ضوء أصفر ضعيف.رائحة كرتون، تبغ، عرق، وغبار.فتح حسان عينيه.لم يكن في غرفة العناية.كان عمره أحد عشر عامًا.يقف داخل مخزن صغير في منطقة حدودية، أمام الرجل الذي ك
انفتح باب غرفة العمليات ببطء.خرج حسان أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بيده، وبقي للحظة واقفًا في الممر الأبيض كأن جسده لم يدرك بعد أن العملية انتهت.كان الإرهاق واضحًا في عينيه، لكن خطواته ظلت ثابتة.اقترب منه أحد منسقي الكلية، يحمل ملفًا وهاتفًا لا يتوقف عن الاهتزاز.— دكتور حسان... اتأخرنا على المحاضرة.رفع حسان عينيه إليه.— قد إيه؟— حوالي عشرين دقيقة.تنهد حسان، ثم بدأ يخلع القفازات والغطاء الطبي والكمامة، واحدة تلو الأخرى، بحركات هادئة ومدروسة. وبعد دقائق قليلة كان قد عاد إلى صورته المعتادة؛ قميص أبيض، بنطال أسود كلاسيكي، حذاء أنيق، ونظارته ذات الإطار الرفيع.مرر يده في شعره الأسود، ثم قال:— يلا.وانطلق في الممر.كان يمشي بسرعة، فيما كانت أصوات الطلاب تتداخل حوله، وأبواب المعامل تفتح وتغلق، ورائحة المطهرات تملأ المكان.وحين وصل إلى باب المدرج، لم يدخل فورًا.وقف لحظة.نظر إلى المقاعد.ثم استقرت عيناه على مقعد في الصفوف الأمامية.مقعد بعينه.ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة... حزينة، بالكاد تُرى.ثم دخل.— آسف على التأخير.ساد الصمت.وضع حسان ملفه على المنضدة، وخلع نظارته ومسحها بطرف مندي