Home / النظام / المركز / الفصل الأول — الندبة

Share

المركز
المركز
Author: حسام حريز

الفصل الأول — الندبة

last update publish date: 2026-09-15 15:32:05

انفتح باب غرفة العمليات ببطء.

خرج حسان أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بيده، وبقي للحظة واقفًا في الممر الأبيض كأن جسده لم يدرك بعد أن العملية انتهت.

كان الإرهاق واضحًا في عينيه، لكن خطواته ظلت ثابتة.

اقترب منه أحد منسقي الكلية، يحمل ملفًا وهاتفًا لا يتوقف عن الاهتزاز.

— دكتور حسان... اتأخرنا على المحاضرة.

رفع حسان عينيه إليه.

— قد إيه؟

— حوالي عشرين دقيقة.

تنهد حسان، ثم بدأ يخلع القفازات والغطاء الطبي والكمامة، واحدة تلو الأخرى، بحركات هادئة ومدروسة. وبعد دقائق قليلة كان قد عاد إلى صورته المعتادة؛ قميص أبيض، بنطال أسود كلاسيكي، حذاء أنيق، ونظارته ذات الإطار الرفيع.

مرر يده في شعره الأسود، ثم قال:

— يلا.

وانطلق في الممر.

كان يمشي بسرعة، فيما كانت أصوات الطلاب تتداخل حوله، وأبواب المعامل تفتح وتغلق، ورائحة المطهرات تملأ المكان.

وحين وصل إلى باب المدرج، لم يدخل فورًا.

وقف لحظة.

نظر إلى المقاعد.

ثم استقرت عيناه على مقعد في الصفوف الأمامية.

مقعد بعينه.

ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة... حزينة، بالكاد تُرى.

ثم دخل.

— آسف على التأخير.

ساد الصمت.

وضع حسان ملفه على المنضدة، وخلع نظارته ومسحها بطرف منديل أبيض.

— كان عندنا حالة صعبة.

ارتدى نظارته مجددًا.

— نكمل.

كتب اسم وتر على السبورة، ثم استدار.

— الأوتار مش مجرد حبال بتحرك العضلات. لو فهمت العلاقة بينها وبين الأعصاب والعضلات والأوعية، هتفهم ليه الجراح لازم يشوف الجسم كخريطة كاملة.

بدأ يشرح.

كان شرحه مختلفًا.

لا يقرأ.

لا يحفظ.

كان يتحدث وكأنه يرى ما يشرحه أمام عينيه.

رسم خطوطًا متتابعة، ثم أخذ يربط بينها.

— هنا المشكلة مش في الإصابة نفسها... المشكلة في الوظيفة اللي ممكن تضيع بعدها. الجراحة مش إنك تصلح الجزء المصاب وخلاص. أنت بتحاول ترجع للإنسان حياته الطبيعية.

في الصفوف الخلفية، همست فتاتان لبعضهما.

— هو دايمًا بيتكلم كأنه في فيلم.

ضحكت الأخرى بخفوت.

كانت فتاة ثالثة تسمعهما، فالتفتت إليهما بنظرة عابثة وقالت في سرها:

إنتوا مش عارفين حاجة عن الديب ده.

ثم عادت تنظر إلى حسان.

كان يقف أمامهم هادئًا، لكن خلف هدوئه كان هناك شيء لا تستطيع تفسيره.

رفع حسان يده مشيرًا إلى الرسم.

— لو فهمت التشريح كويس، مش هتحتاج تحفظ كل حاجة. عينك هتتعلم تشوف.

رفعت طالبة يدها.

— دكتور؟

توقف.

— أيوه.

— لو حصلت إصابة في المنطقة دي، إيه أفضل طريقة للتعامل معاها؟

التفت إليها.

وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه على وجهها...

اختفى المدرج.

لم يعد يرى الطالبة.

رأى وجهًا آخر.

وجهًا قديمًا.

وجه إيروهي.

نفس الهدوء في العينين.

نفس الانحناءة الخفيفة في الشفاه.

للحظة، عاد حسان إلى غرفة لم يرها منذ أكثر من عشر سنوات.

صوت مكسور.

أنفاس متقطعة.

إيروهي أمامه، تنظر إليه برجاء، تطلب منه أن يتوقف.

ثم صورة أخرى...

أكثر قربًا.

أكثر خصوصية.

ايروهي عاريه بين أحضانه تنظر اليه بعشق وتقول بحبك

ذكرى علاقة بدأت بالحب وانتهت بالخوف، ولقطات متقطعة من ليلة ظل عقل حسان يرفض دفنها مهما مرت السنوات.

لم يتذكر التفاصيل كاملة.

فقط وجهها.

صوتها.

وذلك السؤال الذي ظل يطارده:

لماذا لم أتوقف؟

أغمض عينيه.

سحب نفسًا عميقًا.

لكن الهواء لم يكفِ.

فتح عينيه، فوجد المدرج أمامه من جديد.

كانت الطالبة ما زالت تنتظر الإجابة.

حدق فيها ثانية واحدة، ثم أبعد عينيه عنها.

— هنكمل النقطة دي في المحاضرة الجاية.

تبادل الطلاب النظرات.

حاول أن يتابع الشرح، لكن صوته لم يعد بالثبات نفسه.

نظر إلى الساعة.

ثم قال فجأة:

— المحاضرة انتهت.

ارتفعت همهمات الاستغراب.

جمع أوراقه بسرعة.

خرج من المدرج.

وفي الممر وضع يده على صدره.

توقف.

ضغط بأصابعه على الجانب الأيسر.

كان قلبه يخفق بعنف.

— حسان؟

لم يرد.

جاءه الصوت مرة أخرى.

— دكتور حسان!

التفت.

كانت نادين، إحدى الطبيبات المساعدات في الكلية، تقترب منه مسرعة.

— دكتور، حضرتك كويس؟

نظر إليها.

لكن وجه نادين بدأ يتغير أمام عينيه.

تداخل مع وجه آخر.

وجه إيروهي.

ثم اختفى الممر.

اختفت الأصوات.

آخر شيء شعر به كان يدًا تحاول الإمساك بذراعه.

ثم سقط حسان على الأرض.

وأغمض عينيه.

وفي الظلام...

عاد صوت إيروهي من الماضي

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المركز    الفصل الخامس: ما وراء الاسم

    كان والد إيروهي جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة أجرة تشق طريقها بين شوارع الإسكندرية. كان ينظر من النافذة دون أن يرى شيئًا. المباني تمر أمام عينيه، والناس تعبر الشوارع، والسيارات تتزاحم، والمدينة تمارس حياتها بصورة طبيعية... لكن بالنسبة له، لم يعد هناك شيء طبيعي. كانت ابنته غائبة. والمشكلة لم تكن في الغياب وحده. إيروهي فعلت ذلك من قبل. كانت أحيانًا تقول إنها تحتاج إلى الابتعاد قليلًا، وأنها تريد أن تجلس وحدها، وأنها تبحث عن نفسها، ثم تعود بعد فترة وكأن شيئًا لم يحدث. لكن هذه المرة... كان قلبه يقول له إن الأمر مختلف. قال للسائق: — لو سمحت، عند الكنيسة في المكان الفلاني. — حاضر يا أستاذ. عاد للصمت. وضع يده في جيبه وأخرج هاتفه. فتح صورة لإيروهي. ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: — إنتِ فين يا بنتي؟ بعد فترة، كان يجلس أمام أحد القساوسة المعروفين في الإسكندرية. كان القس يستمع إليه بهدوء، دون أن يقاطعه. بدأ الأب الكلام. في البداية كان متماسكًا. ثم بدأ صوته يتغير. — أنا مش عارف أبدأ منين. قال القس: — ابدأ من أكتر حاجة مقلقاك. تنهد الرجل. — بنتي إيروهي اختفت. — اخ

  • المركز    الفصل الرابع: الاسم الذي عاد من الغياب

    كان المساء قد بدأ يهبط على القاهرة ببطء.السماء فقدت زرقتها، والمباني بدت ككتل رمادية متراصة تحت ضوء شاحب، بينما كانت الشوارع تزدحم بحركة لا تهدأ.لكن الدكتور خالد البكري لم يكن يرى شيئًا من ذلك.كان يقود سيارته في صمت، وعقله عالق عند سؤال واحد:إيروهي كانت فين؟لماذا اختفت؟ولماذا كلما حاول أن يسأل عنها، اصطدم بصمت غريب؟ثم ظهر اسم آخر في رأسه.حسان.منذ اجتماع الكلية، لم يعد الأمر بالنسبة لخالد مجرد خلاف أكاديمي.كان هناك شيء ناقص.قطعة في منتصف الصورة.وهو لا يحب الصور الناقصة.أوقف السيارة أمام الكنيسة، وظل للحظات ممسكًا بعجلة القيادة.تنفس ببطء.ثم قال لنفسه:— لازم أعرف الحقيقة.نزل من السيارة واتجه إلى الداخل.كان والد إيروهي يجلس في إحدى القاعات الجانبية.رجل تجاوز الستين، تظهر على وجهه علامات السنين، لكن أكثر ما كان واضحًا في ملامحه هو ذلك الهدوء الثقيل الذي يصاحب شخصًا اعتاد أن يخفي ألمه.طرق خالد الباب.رفع الرجل رأسه.— اتفضل.دخل خالد.— مساء الخير.— مساء النور.تردد خالد لحظة.— حضرتك والد إيروهي؟تغيرت ملامح الرجل قليلًا.— أيوه... خير؟جلس خالد أمامه.— أنا الدكتور خا

  • المركز    الفصل الثالث — الشك

    كانت نادين مستلقية بين ذراعي زوجها.الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر.كان يحتضنها، لكنها لم تكن معه بالكامل.كانت عيناها مغمضتين، وفي ذهنها صورة أخرى.حسان.وجهه الهادئ.نظارته.صوته وهو يشرح أمام الطلاب.تخيلته قريبًا منها، حتى شعرت للحظة أنها نسيت أين هي.ثم فتحت عينيها.نظرت إلى الرجل الذي بجوارها.زوجها.تغير وجهها فجأة.ابتعدت عنه ونهضت من السرير.— في إيه؟لم تجبه.وقفت أمام المرآة وأخذت نفسًا طويلًا.— مفيش حاجة... معلش، تعبانة شوية.جلس زوجها على طرف السرير.كان ينظر إليها.— تعبانة؟— آه.— من إمتى وإنتِ تعبانة؟التفتت إليه.— من النهارده.صمت.ثم قال:— من يوم ما حسان وقع؟تجمدت للحظة.— مالوش علاقة.لكن سرعة إجابتها جعلته أكثر شكًا.— أنا ما قلتش إن له علاقة.لم ترد.اقترب منها.— إنتِ بتروحي له كل يوم.— لأنه مريض.— مريض؟ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.— ولا إنتِ اللي مريضة بيه؟رفعت عينيها إليه.لم تقل شيئًا.وكان صمتها أسوأ من الإجابة.في صباح اليوم التالي، انعقد مجلس الكلية.جلس عدد من أساتذة الكلية حول الطاولة الطويلة.وفي الجهة المقابلة جلس الدكتور خالد الب

  • المركز    الفصل الثاني — ما وراء النوم

    كانت غرفة العناية الخاصة هادئة إلا من صوت الأجهزة.ضوء أبيض خافت ينساب من أعلى، ورائحة المطهرات تملأ المكان. على السرير كان حسان مستلقيًا بلا حركة، عيناه مغمضتان، وأنفاسه منتظمة تحت مراقبة الأجهزة.كانت نادين تجلس إلى جواره منذ وقت طويل.مدت يدها وأمسكت يده.ظلت تنظر إلى وجهه للحظات، ثم مررت أصابعها فوق يده وقالت بصوت خافت:— حسان...لم يجب.ابتسمت رغم القلق.— إنت عارف إني هنا؟صمت.اقتربت أكثر.— أنا بحبك.توقفت، وكأنها فوجئت بنفسها وهي تقولها بصوت مسموع.نظرت إلى الباب سريعًا، ثم عادت إليه.— أيوه... بحبك.ضغطت على يده.— عارفة إن ده غلط... وعارفة إني متجوزة، وعارفة إن المفروض ما أكونش هنا أصلًا...انكسرت ابتسامتها.— بس أنا مش عارفة أسيبك.مالت نحوه وقبّلت خده قبلة سريعة.— قوم بس... وبعدها ابقى اكرهني براحتك.ظلت يدها فوق يده.— قوم يا حسان.لكن حسان لم يسمعها.أو ربما...كان يسمع صوتًا آخر.صوتًا أقدم بكثير.الظلام.ثم ضوء أصفر ضعيف.رائحة كرتون، تبغ، عرق، وغبار.فتح حسان عينيه.لم يكن في غرفة العناية.كان عمره أحد عشر عامًا.يقف داخل مخزن صغير في منطقة حدودية، أمام الرجل الذي ك

  • المركز    الفصل الأول — الندبة

    انفتح باب غرفة العمليات ببطء.خرج حسان أولًا، ثم أغلق الباب خلفه بيده، وبقي للحظة واقفًا في الممر الأبيض كأن جسده لم يدرك بعد أن العملية انتهت.كان الإرهاق واضحًا في عينيه، لكن خطواته ظلت ثابتة.اقترب منه أحد منسقي الكلية، يحمل ملفًا وهاتفًا لا يتوقف عن الاهتزاز.— دكتور حسان... اتأخرنا على المحاضرة.رفع حسان عينيه إليه.— قد إيه؟— حوالي عشرين دقيقة.تنهد حسان، ثم بدأ يخلع القفازات والغطاء الطبي والكمامة، واحدة تلو الأخرى، بحركات هادئة ومدروسة. وبعد دقائق قليلة كان قد عاد إلى صورته المعتادة؛ قميص أبيض، بنطال أسود كلاسيكي، حذاء أنيق، ونظارته ذات الإطار الرفيع.مرر يده في شعره الأسود، ثم قال:— يلا.وانطلق في الممر.كان يمشي بسرعة، فيما كانت أصوات الطلاب تتداخل حوله، وأبواب المعامل تفتح وتغلق، ورائحة المطهرات تملأ المكان.وحين وصل إلى باب المدرج، لم يدخل فورًا.وقف لحظة.نظر إلى المقاعد.ثم استقرت عيناه على مقعد في الصفوف الأمامية.مقعد بعينه.ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة... حزينة، بالكاد تُرى.ثم دخل.— آسف على التأخير.ساد الصمت.وضع حسان ملفه على المنضدة، وخلع نظارته ومسحها بطرف مندي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status