LOGINلم يدرك تيم فداحة ما فعله إلا بعد أن هدأت العاصفة في صدره.
تراجع خطوة إلى الخلف، وكأن المسافة وحدها كفيلة بمحو اندفاعه المفاجئ. كانت نظرات الطلاب ما تزال معلقة به، مزيج من الدهشة والترقب، وربما… الشك. عندها فقط تذكر موقعه، تذكر أنه ليس مجرد رجل يغضب حين يرى من يؤذى، بل معلم كيمياء في مدرسة تحكمها القوانين والسمعة، وكل تصرف محسوب عليه. مرر يده على جبينه ببطء، محاولًا استعادة هدوئه، ثم قال بنبرة أكثر اتزانًا، وإن لم تخلُ من صرامة خفيفة: "كيف تتنمرون على زميلتكم بهذا الشكل؟" تبادل زياد وأفراد شلته النظرات سريعًا، ارتباك واضح تسلل إلى ملامحهم، لكن ضحى كانت الأسرع في التقاط زمام الموقف. تقدمت خطوة للأمام، وعلى شفتيها ابتسامة مصطنعة لا تصل إلى عينيها: "نحن لم نفعل شيئًا يا أستاذ، بالعكس… كنا نشاركها الغداء فقط. هي كانت وحدها اليوم." هزّ الآخرون رؤوسهم مؤيدين، كأنهم حفظوا الرواية مسبقًا. نظر إليهم تيم مطولًا. لم يكن بحاجة إلى دليل… كان يرى الحقيقة في التفاصيل الصغيرة: في طريقة وقوف ليان، في انكماش كتفيها، في الصمت الذي يحيط بها رغم وجودهم. لقد راقبها في الأسابيع الماضية أكثر مما ينبغي، ولاحظ كيف تتحول إلى هدف سهل كلما غاب الرقيب. يعرف أنهم يكذبون، لكن معرفته وحدها لا تكفي. تنهد بصمت، وهو يدرك أيضًا حقيقة أخرى: هؤلاء ليسوا طلابًا عاديين. خلف كل واحد منهم عائلة ذات نفوذ، أسماء ثقيلة يمكنها قلب الأمور رأسًا على عقب بكلمة واحدة. وأي خطوة متهورة منه قد تكلفه عمله… أو ما هو أكثر. ابتلع غضبه، وقال ببرود متعمد: "حسنًا، عودوا إلى فصولكم." لم يجادل أحد، بل انسحبوا سريعًا وكأنهم حصلوا على عفو غير مستحق. بقيت ليان وحدها. ساد صمت قصير بينهما، صمت أثقل مما ينبغي. التفت إليها تيم، ونبرته هذه المرة خفيفة، تكاد تخلو من أي حدة: "هل أنتِ بخير؟" رفعت عينيها نحوه، لكن ما إن التقت بنظرته حتى ارتبكت. كان في عينيه شيء لم تستطع تفسيره بسهولة… شيء يتجاوز حدود الواجب. أجابت بسرعة، وكأنها تهرب من الموقف: "نعم يا أستاذ، شكرًا لك… لكن لا داعي للدفاع عني مرة أخرى. أنا أعرف كيف أدافع عن نفسي." كلماتها كانت مهذبة، لكنها حملت مسافة واضحة، حدًا غير مرئي وضعته بينهما. ثم دون أن تمنحه فرصة للرد، استدارت وغادرت. تبعها بنظره حتى اختفت. شعر بشيء من الضيق يتسلل إلى صدره. لم تعجبه طريقتها ولا ذلك الإصرار البارد على الاستقلال. كان يتوقع امتنانًا، أو على الأقل لينًا في الحديث، لكن ما حصل عليه كان جدارًا. "عنيدة…" تمتم بصوت منخفض. ومع ذلك، لم يستطع أن يظل غاضبًا منها طويلًا. ابتسم ابتسامة خفيفة، أقرب إلى الاستسلام، وهو يهز رأسه: "وهذا ما يعجبني فيها." ...... انتهى اليوم ببطء، كما لو أن عقارب الساعة تتعمد إثقاله. أما ليان، فعادت إلى منزلها محملة بأفكار متشابكة. ألقت حقيبتها جانبًا، وجلست على سريرها، تحدق في الفراغ للحظات قبل أن تمسك هاتفها. لم تتردد كثيرًا، وسرعان ما ضغطت على اسم مهرة. جاءها الصوت المألوف على الطرف الآخر، دافئًا مازحًا كعادته: "ليان؟ هل اشتقتِ لي؟" ابتسمت ليان: "يا لكِ من مغرورة! كيف حالكِ الآن؟" "أفضل بكثير، أخبريني ما حدث اليوم في غيابي." تنهدت ليان، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال تحديدًا: "لقد حدث شيء غريب اليوم." وبدأت تسرد لها ما جرى، من مضايقات زياد ورفاقه، إلى تدخل تيم المفاجئ، وحتى الطريقة التي تحدث بها معهم. صمتت مهرة للحظة بعد أن أنهت ليان حديثها، ثم قالت بنبرة تحمل قدرًا من الدهشة: "بصراحة… هذا ليس تصرف معلم عادي." عبست ليان: "ماذا تقصدين؟" ضحكت مهرة بخفة: "أقصد أنه يبدو معجبًا بك." تجمدت ليان لثانية، ثم انفجرت: "أنتِ مجنونة!" قالتها بسرعة، وبحدة أكبر مما توقعت. جلست مستقيمة، وكأن الفكرة نفسها غير مقبولة: "هو مجرد معلم، لا أكثر. وتصرفه كان… مبالغًا فيه فقط، هذا كل شيء." "مبالغ فيه لدرجة أنه كاد يفضح نفسه أمام طلابه؟" ردت مهرة بخبث لطيف. "مهرة!" زفرت ليان بانزعاج، ثم أضافت: "لا تبدأي هذه التخيلات. لدي ما يكفيني." ضحكت مهرة، لكنها لم تضغط أكثر: "حسنًا، حسنًا… أنا أمزح معكِ. لكن انتبهي لنفسك على أي حال." استمر الحديث بينهما لبعض الوقت، تنقلتا فيه بين المزاح والشكوى، حتى شعرت ليان بشيء من الخفة يعود إليها. وعندما أغلقت المكالمة أخيرًا، كان الليل قد بدأ يفرض هدوءه. تنهدت وهي تنزل رأسها على الوسادة. حاولت أن تركز على واجباتها، أن تغرق في المعادلات والكلمات، لكنها كانت تعود رغمًا عنها إلى تلك اللحظة… إلى صوته، ونظرته، وطريقته في الوقوف أمامهم. "هل أنتِ بخير؟" رنّ السؤال في ذهنها مرة أخرى. أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تريد إسكاته. "لا معنى لهذا…" همست لنفسها. أنهت ما عليها من واجبات بصعوبة، ثم أطفأت الضوء واستلقت، تحدق في السقف المظلم. كانت تعلم أنها قوية، وأنها قادرة على مواجهة أي شيء بمفردها… هذا ما أقنعت نفسها به دائمًا. لكن ما يحدث معها هذه الفترة، وذلك الشعور الخانق بأنها مراقبة جعلا الأمر صعبًا بعض الشيء. تنفست بعمق، محاولة طرد الفكرة، لكن النوم لم يأتِ بسهولة. بقيت تتقلب بين أفكارها، حتى تسلل إليها النعاس أخيرًا، تاركًا وراءه تساؤلات دون إجابة.وفي الوقت نفسه، كان تيم قد وصل إلى المدرسة في موعده المعتاد، يسير عبر الممرات بخطوات هادئة وواثقة وهو يحمل حقيبته الجلدية وملفات الدروس التي أعدها لطلابه لذلك اليوم. وبالنسبة لأي شخص يراه من بعيد، لم يكن يبدو سوى معلم كيمياء طبيعي يستعد لقضاء يوم دراسي عادي بين الحصص والواجبات والأسئلة العلمية التي اعتاد الإجابة عنها يوميًا. لم يكن في مظهره ما يثير الشكوك ولا في طريقة سيره ولا حتى في تعابير وجهه الهادئة التي أتقن ارتداءها كقناع دائم. لكن ما إن اقترب من جناح الفصول الدراسية حتى شعر بأن الأجواء مختلفة عن المعتاد. كان هناك توتر واضح يملأ المكان. همسات خافتة تنتقل بين الطلاب. ومجموعات صغيرة متفرقة تتبادل الأحاديث بقلق. ووجوه شاحبة تحمل مزيجًا من الخوف والحيرة. عقد حاجبيه قليلًا وكأنه يحاول فهم ما يحدث، رغم أنه كان يعرف الحقيقة أكثر من أي شخص آخر في ذلك المبنى. وعندما وصل إلى الصف الذي سيقدم فيه حصته الأولى، وقع بصره على مهرة الجالسة في أحد المقاعد الأمامية. بدت مختلفة تمامًا عن المعتاد. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، ووجهها شاحبًا بصورة مؤلمة، وكأنها لم تنم بالأمس. توقف
لم يكد صوت الباب الخارجي يتلاشى في أرجاء المنزل ويختفي تمامًا خلف الجدران الساكنة، حتى بقيت ليان جالسة فوق سريرها لعدة دقائق طويلة دون أن تحرك ساكنًا، وكأنها كانت ترفض تصديق أن تيم قد غادر بالفعل، أو ربما كانت تنتظر سماع أي صوت عابر، أي حركة بسيطة، أو حتى أدنى إشارة توحي بأنه ما يزال موجودًا في مكان ما داخل المنزل. فمنذ احتجازها، أصبحت شديدة الحذر إلى درجة أنها لم تعد تثق حتى بالصمت نفسه، إذ كان هذا المكان بأكمله يبدو لها وكأنه مصيدة محكمة الإغلاق، فخ هائل يتربص بكل خطوة تخطوها وينتظر منها خطأً واحدًا فقط كي يسحق آخر ما تبقى من محاولاتها للنجاة. حبست أنفاسها وأرهفت سمعها بكل ما تملك من تركيز. مرّت لحظات ثقيلة لم تسمع خلالها سوى صوت نبضات قلبها. لا وقع أقدام يقترب. ولا صوت أبواب تُفتح أو تُغلق. ولا أي حركة تدل على وجود شخص آخر داخل المنزل. وعندما تأكدت أخيرًا من أنها وحدها تمامًا، بدأت نبضات قلبها تتسارع بوتيرة مختلفة. لم يكن ذلك التسارع نابعًا من الخوف هذه المرة، بل من شعور آخر أكثر قوة وأشد إلحاحًا، شعور كانت تتشبث به منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها ذلك الصباح. الأمل. ذلك
بقيت ليان مستلقية فوق السرير حتى بعد أن أغلق تيم الباب خلفه وغادر الغرفة، وكأن جسدها فقد القدرة على الحركة تمامًا، بينما كانت الدموع تنساب على خديها بلا توقف، متتابعة ومتواصلة كأنها تحاول أن تغسل عنها كل الخوف والصدمة والرعب الذين تراكموا داخلها منذ اللحظة التي استعادت فيها وعيها ووجدت نفسها فجأة في ذلك المكان المجهول البعيد عن كل ما تعرفه.كانت تبكي بحرقة حتى بدأت عيناها تؤلمانها من شدة الإجهاد، وحتى صار صدرها يضيق مع كل شهقة تخرج منها، لكن رغم الألم ورغم الإرهاق لم تستطع التوقف، لأن كل محاولة منها للهدوء كانت تصطدم بالحقيقة ذاتها.الحقيقة التي كانت تعود إليها في كل مرة كطعنة جديدة.هي ليست في منزلها.ليست بين أفراد عائلتها.ولا أحد يعلم أين اختفت أو ماذا حدث لها.وكانت تلك الأفكار وحدها كافية لتحطم أي محاولة للتماسك أو التفكير بعقلانية.مر وقت طويل وهي على تلك الحال، لا تسمع سوى صوت بكائها وأنفاسها المتقطعة، قبل أن يخترق الصمت أخيرًا صوت الباب وهو يُفتح من جديد.في اللحظة نفسها انتفض جسدها بعنف، ورفعت رأسها بسرعة وقد عاد الخوف يسيطر عليها بالكامل، وما إن وقعت عيناها على تيم وهو يدخل
ظل تيم واقفًا في مكانه للحظات بعد انهيار ليان بالبكاء، بينما كانت كلماتها الغاضبة وصرخاتها المرتجفة ما تزال تتردد داخل الغرفة كصدى ثقيل يضغط على أعصابه، إلا أنه أجبر نفسه على التزام الهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يمرر يده على وجهه بإرهاق واضح، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية رغم التوتر الذي يملأ الأجواء: "دعينا من كل هذه الأسئلة الآن... يمكنكِ أن تسألي ما تشائين لاحقًا." حدقت فيه غير مصدقة. أما هو فأشار إلى صينية الطعام الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة. "هيا، تناولي شيئًا. لا بد أنكِ جائعة." كانت الدموع تملأ عينيها ونظرتها إليه لم تحمل سوى الذهول والخوف. في تلك اللحظة بدا لها وكأنه فقد صلته بالواقع تمامًا. كيف يمكن لشخص أن يختطفها من حياتها، ويقيدها داخل غرفة مجهولة، ثم يتحدث عن الطعام وكأنهما زوجان يقضيان مساءً عاديًا داخل منزلهما؟ كيف يستطيع التصرف بهذه البساطة بينما عالمها كله ينهار؟ شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أما تيم فاقترب من الطاولة الصغيرة وأخذ الطبق بين يديه. "كفاكِ عنادًا يا ليان." قالها بهدوء، ثم أضاف: "إذا لم تأكلي ستتعبين." لم ترد، بل استمرت في النظر إليه بن
ثم تابع تيم: "كان الجميع يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، بينما كنت أنا أحسب أيامي بناءً على وجودك فيها. إذا رأيتكِ بخير كان يومي جيدًا، وإذا بدوتِ حزينة كنت أبقى أفكر بسبب ذلك ساعات طويلة." هزت ليان رأسها بعدم تصديق: "هذا ليس طبيعيًا." تنهد ببطء. "ربما." ثم مال قليلًا إلى الأمام. "لكن ما شعرت به لم يكن طبيعيًا أبدًا." ارتجفت أصابع ليان. وأكمل هو: "كنت أرى الناس يتحدثون إليكِ وكأن ذلك أمر عادي، بينما كنت أشعر أن لا أحد يفهمكِ كما أفعل، ولا أحد يلاحظ التفاصيل التي ألاحظها." "أنت لا تعرفني أصلًا." صرخت به. لكن تيم ابتسم ابتسامة باهتة. "أعرف أنكِ عندما تكونين متوترة تعبثين بخاتمك أو بأطراف دفترك." تجمدت ليان. "وأعرف أنكِ عندما تحاولين إخفاء حزنكِ تبتسمين أكثر من المعتاد." اتسعت عيناها أكثر. "وأعرف أنكِ عندما تفكرين بعمق تنظرين إلى النافذة حتى لو لم يكن هناك شيء يستحق النظر." شعرت ليان بأن أنفاسها تتعثر. أما هو فأكمل وكأنه يسترجع ذكريات عزيزة عليه. "كنت ألاحظ كل شيء، أنا أعرفكِ أكثر من أي شخص آخر، وحتى أكثر من نفسك." "توقف." همست بها. لكنه تابع: "هل تعرفين ما كان يؤلمني أكثر م
وقف تيم لعدة ثوانٍ في مكانه بينما كانت ليان تحدق إليه بعينين متسعتين من الصدمة وعدم التصديق، وكأن عقلها يرفض بصورة غريزية الاعتراف بأن الشخص الواقف أمامها هو نفسه الرجل الذي عرفته طوال الأشهر الماضية داخل المدرسة؛ ذلك المعلم الهادئ والمتزن الذي كان يساعدها دائمًا، لذلك بدا وجوده الآن داخل هذه الغرفة الغريبة، بينما هي مقيدة اليدين والقدمين، أمرًا يفوق قدرتها على الفهم والاستيعاب. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وحذرة، كما لو كان يخشى أن يؤدي أي تصرف مفاجئ إلى زيادة رعبها، ثم انحنى قليلًا ووضع صينية الطعام فوق طاولة صغيرة بجانب السرير، قبل أن يرفع نظره إليها من جديد. أما ليان فكانت تتنفس بسرعة واضحة، بينما راحت دموعها تتجمع في عينيها دون أن تشعر. قالت بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها: "ماذا... ماذا يحدث هنا؟" لم يجبها فورًا. ظل واقفًا لثوانٍ طويلة وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ثم قال بهدوء غريب: "أعلم أنكِ خائفة الآن... وأعلم أنكِ لا تفهمين شيئًا مما يحدث." شهقت ليان وهي تنظر إليه. "بالطبع لا أفهم! لماذا أنا هنا؟ لماذا فعلت هذا؟ ولماذا أنا مقيدة؟" ارتفع صوتها مع كل سؤال حتى تحولت







