Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-10-13 20:04:10

لم أستطع النوم في غرفتي بعد أن تركتني هالة عند بابها. انتظرتُ حتى هدأت الأصوات في الممر، وخبت أنفاس القصر شيئًا فشيئًا، ثم تسللتُ حافية القدمين نحو الدرج.

مكتب فريدة كان في الطابق الأول، في آخر ممر طويل تصطف على جانبيه صور رجال لا أعرفهم، أجداد القصر أو أجداد من اشتروه. كان الباب مغلقًا بقفل نحاسي. لكنني كنتُ أعرف أن فريدة تخبّئ نسخة من المفتاح خلف إطار صورة والدها، الصورة الثالثة من اليمين. وجدتُه في مكانه كأن أحدًا لم يلمسه منذ أسبوعين.

فتحتُ الباب ببطء.                                         

رائحة فريدة ما زالت في الغرفة: عطر ياسمين ثقيل، وتبغ، وورق قديم. المكتب الضخم كما هو، والكرسي الجلدي الذي كانت تدور عليه حين تفكر، والخزانة الحديدية خلفه، وعلى الجدار خريطة كبيرة للمدينة قديمة الطباعة.

جلستُ لحظة على الكرسي الجلدي، فتذكّرتُ كيف كانت فريدة تنظر إليّ من فوق نظارتها حين أقيس ضغطها: نظرة من يحسب ثمن كل شيء ولا يعتذر عن شيء. كانت امرأة لا تُحَبّ ولا تُكرَه، بل تُحسَب، وكنتُ بين حساباتها رقمًا صغيرًا لم أفهم موضعه إلا متأخرًا.

أشعلتُ مصباحًا صغيرًا ووضعتُ يدي على الدرج السفلي الأيسر. كان مغلقًا. جرّبتُ المفتاح النحاسي فلم يلائمه. لكنني تذكرتُ شيئًا: كانت فريدة تضغط على زاوية الدرج بإبهامها قبل أن تفتحه، كأنه يعرف يدها. ضغطتُ، فانفتح بنقرة خفيفة.

كانت الأوراق في مكانها، وتحتها ظرف بنّي سميك. وفي الظرف: مفكرة سوداء صغيرة بغلاف جلدي، وصورة قديمة، ودفتر شيكات.

لم أصل إلى فتحها.

«ما كنتُ أتوقع أن أجدكِ هنا.»

كدتُ أسقط من الخوف. التفتُّ بسرعة، فرأيتُ ناهد واقفة عند الباب، في ثوب نومها الحريري الأسود، وعلى وجهها ابتسامة هادئة. كانت تحمل مصباحًا صغيرًا، ولا أدري كم من الوقت كانت واقفة هناك.

«كان الباب مغلقًا،» قالت. «لكنني رأيتُ الضوء من تحته.»

«كنتُ... أبحث عن شيء.»

«وأنا أيضًا.» دخلت بخطوات خفيفة وجلست على حافة المكتب كأنها صاحبته. «ما الذي بين يديكِ؟»

أخفيتُ المفكرة خلف ظهري بغريزة. وفي لحظة، تبدلت ملامحها. اختفت الابتسامة، وحلّ مكانها شيء آخر: عين صيّاد.

«هاتيها يا مي.»

«لا.»

كانت عيناها تتحركان بين المفكرة ووجهي، وكنتُ أرى الحساب يدور فيهما: ما الذي أعرفه، وما الذي سأفعله به، وكم أستحق من الصمت.

«لا تكوني غبية.» اقتربت خطوة. «أنتِ لا تعرفين ما في تلك المفكرة.»

«وأنتِ تعرفين؟»

«أعرف أن فريدة كانت تكتب فيها كل شيء. كل ما فعلته، وكل ما فعله الآخرون من أجلها. أسماء، ومبالغ، وأسرار.» تنفست بعمق. «وأعرف أن اسمي فيها. وأنني لن أسمح لك بقراءته.»

«لا يحق لك...»

لم أكمل. اندفعت ناهد نحوي بسرعة لم أتوقعها من امرأة في الثامنة والخمسين، وأمسكت المفكرة من أحد طرفيها. تشبثنا بها، كل منا يشدّ نحوها، والأنفاس تتلاحق في الصمت.

«اتركيها!»

«لا!»

تمزق شيء. الغلاف الجلدي انقسم عند الحافة، وانفلتت من داخله ورقة مطوية، وطارت في الهواء لتسقط عند قدم المكتب. توقفنا معًا، وتبادلنا نظرة ذعر مفاجئة، ثم اندفعنا نحو الورقة في اللحظة نفسها.

سمعتُ نسيج ثوبها يتمزق وأنفاسها الحارة قرب أذني. لم نعد امرأتين تتخاصمان على مفكرة، بل حيوانين على بقايا فريسة، وكان صوت داخلي يهمس بأن من تنتصر في هذه اللحظة قد تنجو أطول.

وصلتُ إليها أولًا. ركعتُ على الأرض، وفتحتُها بيدين مرتعشتين.

لم تكن صفحة من مفكرة. كانت جدولًا مرسومًا بالقلم الأسود، ثلاثين مربعًا في ثلاثة صفوف، كل مربع يحمل رقمًا. ستة وعشرون مربعًا منها فارغة، أما الأربعة الأولى فبجانب كل منها اسم بخط فريدة:

اليوم الأول: مي. اليوم الثاني: ناهد. اليوم الثالث: ورد. اليوم الرابع: جُمانة.

وتحت الجدول، سطر واحد بخط أصغر، مضغوط كأنه كتب على عجل:

«وهالة تعرف اليوم الأخير.»

رفعتُ عينيّ ببطء. كانت ناهد واقفة فوقي، وقد جمدت ملامحها تمامًا.

«ما هذا؟» همستُ. «ما معنى هذا الجدول؟»

«لا أعرف.» لكن صوتها كان مبحوحًا. «لم أرَ هذه الورقة قط.»

«لماذا اسمي في اليوم الأول؟ ماذا سيحدث لي اليوم؟»

«اليوم الأول انتهى يا مي.» جلست ناهد فجأة على حافة المكتب، كأن ساقيها خذلتاها. «انتهى عند الفجر. نحن الآن في اليوم الثاني.»

نظرنا إلى الأرقام مرة أخرى، ثم إلى الساعة الحائطية القديمة التي كانت تشير إلى الثالثة وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل. اليوم الأول انقضى، وبقي اسمي فيه، وأنا حيّة.

«ربما هو جدول زيارات،» قلتُ بصوت لا يقنع حتى نفسي. «أو ترتيب أدوار.»

«أو ترتيب موت.»

كنتُ أقلّب الأسماء في رأسي: اسمي أولًا. هل اختارتني لأنني الأقرب؟ أم لأنني الأضعف؟ أم لأنني أعرف ما لا ينبغي أن أعرف؟ وماذا يعني أن يكون اسمي مكتوبًا بخط يدها في ليلة وصولي؟

لم أرد. في الخارج، صفّر الريح بين نوافذ الممر، وسمعتُ شيئًا يتحرك. وقع خطوات، قريبًا، على الجانب الآخر من الباب. توقفتُ عن التنفس.

ثم انفتح الباب ببطء، وظهر في إطاره ظلّ طويل نحيل يحمل مصباحًا.

كانت هالة. وفي يدها الأخرى، رأيتُ شيئًا يلمع تحت الضوء: مشرط جراحي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الوصية التي اختارت قاتلها   الثلاثون

    لم يصرخ أحد. هذا ما أدهشني لاحقًا: أن الموت الذي انتظرناه ثلاثين ليلة لم يأتِ بضجة.جلستُ على الأرض بجانب كرسيها، أمسك يدها الباردة، وأنظر إلى الأمبولة الفارغة في أصابع هالة. كانت هالة واقفة بلا حراك، وحقيبتها السوداء مفتوحة على المائدة، ووجهها خالٍ من أي تعبير. ومن خلف الباب الصغير، انفتح باب المخزن ببطء، وظهر أبي على العتبة.«هذا الصوت،» قال بصوت متكسّر. نظر إلى هالة، وعيناه تتسعان. «هذا هو الصوت يا مي. امرأة الطعام. المرأة التي كانت تقول لي: ابقَ حيًّا.»التفتت إليه هالة ببطء. لم تنكر. لم تتحرك. لكنني رأيتُ عينيها، للمرة الأخيرة، تتحركان نحو اليمين.«رأيتُ أمبولة،» قلتُ. وكنتُ أتكلم بصوت يشبه صوت المحقق لا الضحية. «أمبولة بلا بطاقة. أنقذتِ ناهد بمثلها قبل أسبوعين. فلماذا ترددتِ هذه المرة؟ ولماذا لم تعمل؟»التقطتُ الأمبولة من يدها وشممتُها ببطء. لا رائحة. ثم تذوقتُ قطرة من داخلها، فعرفتُ الطعم الذي لا يخطئه من عمل في المستشفيات: ماء مقطّر. «هذه ليست ترياقًا،» قلتُ. «هذا ماء.»«فريدة كانت تحتضر على أي حال،» قالت هالة بصوت هادئ. «لم يكن العلاج...»«ليس هذا.» أخرجتُ من جيب بذلتي ورقة م

  • الوصية التي اختارت قاتلها   التاسع والعشرون

    لا أذكر كيف نهضتُ. أذكر فقط أنني كنتُ على الأرض بين ذراعيه، والجرح يمزقني، وهو يردد اسمي كأنه يتأكد أنه يستطيع أن ينطقه من جديد. رائحته كانت رائحة طين ومطر وخوف قديم، ولحيته تحكّ وجهي كما كانت تفعل في طفولتي حين يحملني على كتفيه.كان وجهه أنحل مما أذكر، وعيناه غائرتين، لكن في ابتسامته المتعبة ذلك الدفء القديم الذي كان يفتح لي أبواب الدنيا. مرّ في رأسي كل ما حملتُه من أسئلة طوال ثلاث سنين، وبدا لي أنها كلها تذوب في هذا العناق الواحد.«ثلاث سنين،» قلتُ. «ثلاث سنين يا أبي.»«كنتُ أعدّ الأيام بخطوط على جدار،» قال بصوت مبحوح. «بلغتُ ألفًا ومئة وعشرين خطًّا. ثم فتح لي أحدهم الباب في الليلة الماضية.»«من؟»«لا أعرف. كان الظلام. سمعتُ مفتاحًا يدور، ثم صوتًا يقول: اذهب. الطريق إلى القصر. ولم أرَ وجهه.»نظرتُ إلى فريدة. كان في عينيها شيء يشبه الارتياح، وشيء يشبه الخوف. «من فتح لك؟» سألت.«لا أعرف يا سيدتي. لكن في كل مرة كانت تأتيني فيها امرأة بالطعام، كانت تهمس لي بكلمة واحدة: ابقَ حيًّا.» أطرق. «صوتها... لو سمعتُه مرة أخرى لعرفتُه.»ساد الصمت. وتبادلنا النظرات، وفي ضوء المصباح الزيتي رأيتُ فري

  • الوصية التي اختارت قاتلها   الثامن والعشرون

    استيقظتُ على رائحة الياسمين والدواء، فعرفتُ قبل أن أفتح عينيّ أنني في الجناح الغربي.كان الضوء الرمادي يتسلل من الستار الثقيل، والألم في جنبي الأيسر ينبض كقلب ثانٍ. حاولتُ أن أتحرك فشدّني خيط الجرح المخيط كأنه يشدّ روحي من داخلها. وبجانب السرير، على الكرسي الجلدي، كانت ورد جالسة وقد انتفخت عيناها من البكاء، وركبتاها مضمومتان إلى صدرها كطفلة تنتظر عقابًا.«مي،» همست. «لا تتحركي. هالة قالت إن عليكِ ألا تتحركي.»«هالة؟»«هي التي أنقذتكِ.» ابتلعت ريقها. «فتحت حقيبتها وخاطت الجرح على ضوء الشموع، ثلاث ساعات. كانت يداها لا ترتجفان.» ثم انفجرت: «لم أكن أريد أن أقتلكِ! كان السكين قصيرًا... ظننتُ أنني سأجرح ذراعك فقط... كانوا يقولون إن...»«ورد.» رفعتُ يدي بصعوبة. «احكي من البداية.»وحكت. قالت إن أول بطاقة وصلتها كانت تحت بابها في الليلة الثالثة، بخط أنثوي أنيق: «أخوكِ يوسف حيّ. وسيبقى حيًّا ما دمتِ تطيعين.» لم تعرف كيف عرف أحد بأخيها الذي فقدته بعد دخولها السجن وظنت أنه مات في ملجأ. ثم جاء صوت الهاتف الأسود في الممر، صوت رجل بارد يعطيها التعليمات: خذي مفاتيح أم يحيى من حزامها حين تنام. لا تقول

  • الوصية التي اختارت قاتلها   السابع والعشرون

    في الظلام، ينشأ الذعر كما ينشأ الفطر في الرطوبة.في أول لحظة بعد انطفاء المدفأة، أدركتُ أن القاعة صارت مسرحًا بلا مخرج. كانت الجدران تردّ الصدى كأن عشرة أشخاص يصرخون في آن، والرائحة تغيرت: دخان ورماد ومطر وعطر ياسمين ثقيل يأتي من مكان لا أعرفه.سمعتُ قبل أن أرى: صراخ جُمانة، ثم أثاثًا يسقط، ثم أنفاسًا متلاحقة، وأقدامًا تتدافع على الرخام. أمسكتُ بالمقعد القريب منّي وشددتُ على ذراعه. كنتُ أعرف أن أول ما يفعله الجبناء في العتمة أن يضربوا.«لا أحد يتحرك!» صاح صوت هالة. «ابقوا في أماكنكم!»«فريدة!» صرخت ناهد. «أين فريدة؟»«هنا،» جاء صوت ضعيف من الوسط. «لا تقلقوا.»أشعل أحدهم عود ثقاب. كان ضوءه الصغير يتراقص على الوجوه كشعلة في مغارة. رأيتُ ناهد قرب الجدار، وهالة عند الدرج، وأم يحيى منكمشة في ركن، وجُمانة ملتصقة بكرسي فريدة ماسكة بيدها، وورد، ورد التي أحببتُها، تقف إلى جانبي، قريبة جدًا، على بعد خطوة واحدة.لم أرَ من أشعله. ولا أعرف إن كان من فعلها هو نفسه من خطط لما بعدها. لكنني رأيتُ ما يكفي لأفهم أن كل واحدة منا في تلك اللحظة تحمل سرًّا يكفي لتحتمل أن تقتل أو تُقتل.«ورد،» همستُ. «هل أنت

  • الوصية التي اختارت قاتلها   السادس والعشرون

    ظهرت فريدة في أعلى الدرج كما تظهر الأشباح في الروايات القديمة.كان مشهدها يوقف القلب: امرأة هزيلة بوجه شمعي وشعر فضي مرفوع، في كرسي متحرك مغطى ببطانية صوفية رمادية، تحيط بها ظلال الثريا المتأرجحة، وكأنها ملكة مخلوعة تعود إلى عرشها في ليلة الانقلاب.لم تكن وحدها. كان كرسيها يُدفَع بيدين لم أرَ صاحبهما في الظلام، ثم خرج الجسد من العتمة إلى ضوء المدفأة: ورد. وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بنظرة من يعلم ما سيحدث. نظرت إليّ لحظة، ثم أشاحت بوجهها.«ورد!» صرختُ. «أين كنتِ؟»«أحضرتُها،» قالت بصوت مبحوح. «طلبت مني السيدة ذلك.»انحنت الأعين كلها نحو الكرسي المتحرك، وسقط الصمت على القاعة كغطاء ثقيل. ناهد، التي رأتها ميتة في تسجيل الوصية، جمدت بلا حراك. وجُمانة وضعت يديها على فمها. وهالة تراجعت خطوة، كأنها رأت وجهًا لم تتوقع رؤيته.«مساء الخير يا بناتي،» قالت فريدة بصوتها الجاف المعروف. «كنتُ أعرف أنكنّ ستفعلن هذا بي. لكنني لم أتوقع أن أتأخر هكذا.»«أنتِ... حية!» همست ناهد.كانت ناهد تحدّق فيها بعينين غائرتين، وفيهما مزيج من الغضب والذهول والارتياح الذي لا تريد الاعتراف به. وتخيلتُ للحظة أن ثلاثين س

  • الوصية التي اختارت قاتلها   الخامس والعشرون

    فضّت ناهد الشمع بإبهامها وهي تنظر إلى الصورة المحطمة على الأرض، ولم تعلّق. كنا خمسًا في الدائرة الصغيرة حول المدفأة، ورد غائبة، وكان الضوء الأحمر يرسم على وجوهنا ظلالًا تتبدّل كلما اشتدت الريح في المدخنة.أخرجتْ الورقتين ببطء شديد، كمن يخشى أن تتفتت بين أصابعه. ورأيتُ يدها وهي تمسك الورق، يدًا قوية نحيلة، كان في أصابعها أثر قديم لحبر الأقلام، فتذكرتُ أنها كانت مصممة أزياء قبل أن تخسر كل شيء.أخرجت ورقتين من المظروف. الأولى مكتوبة بخط فريدة، مؤرخة قبل ستة أشهر. الثانية مختومة بخاتم مكتب عاصم القاضي. قرأت ناهد الأولى بصوت مرتفع، وصوتها يخرج جافًا:«أنا فريدة الحلواني، بكامل قواي العقلية. هذه وصيتي الأولى، وقد كُتبت قبل الوصية المسجلة التي سيعرفها الجميع. أوصي بكل ما أملك من أموال وأسهم وعقارات، وهذا القصر، إلى حفيدتي جُمانة سامر الحلواني، ابنة ابني الوحيد، وهي دمي الوحيد المتبقي.»سقطت أنفاس الغرفة كلها دفعة واحدة. لم تتحرك جُمانة. ظلّت عيناها مثبتتين على الورقة كأنها لا تفهم اللغة.كنتُ أراقب وجوه النساء واحدة بعد واحدة. ناهد جامدة كتمثال. هالة تعبس كمن يحاول أن يفكّ معادلة. أم يحيى تن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status